آراءمقالات

الفتوحات البحرية بين تخوف عمر وشرط عثمان

Latest posts by محمد شعبان أيوب (see all)

من الأمور اللافتة في الفتوحات الإسلامية الأولى، رغم قدرة الفاتحين وجسارتهم وشجاعتهم المشهورة، ودخولهم في حرب مفتوحة ذات معارك واسعة على أكثر من جبهة في آن واحد، وجود قيادة على الدوام كانت تُراعي حاجيات الجنود، وتخشى على حياتهم وأرواحهم من أي مكروه وسوء. لا سيما في العمليات العسكرية التي لم يسبق للعرب أن خاضوها من قبل.

 

ولعل أشهر هذه الأمور، المعارك البحرية، فطالما أرسل معاوية والي الشام إلى الخليفة عمر يستأذنه في غزو جزيرة قبرص (اليونانية – التركية اليوم)، وقال له يخبره عن مدى قربها من الساحل الشامي: «إن قرية من قُرى حمص ليسمع أهلها نُباح كلابهم وصياح دجاجهم». لكن عمر الخبير الذكي أرسل إلى عمرو بن العاص واليه على مصر يستخبره عن البحار، ومصر أيضا على ساحل البحر المتوسط وفيها النيل وهو واحد من أعرض الأنهر حتى وُصف بـ«بحر النيل».

 

فأرسل إليه قائلا: يا أمير المؤمنين، البحرُ خلق عظيم، يركبه خلق ضعيف، دودٌ على عود، غرَق وبرَق. قال عمر: لا يسألني الله عن أحد حملته فيه. ورفض كل رسائل معاوية في غزو قبرص حتى وفاته سنة 23هـ.

 

لكن معاوية لم يهدأ، وظل يكرر الأمر على الخليفة عثمان الذي رفض في الأولى وأخبره أنه كان ممن شهدوا رفض عمر من قبل وقد اقتنع به، ثم أرسل إليه معاوية مرة أخرى بعد عامين يُلح عليه في هذا الغزو، ويعتبره غنيمة وفتحًا إستراتيجيا مهما على المسلمين، حينها أرسل إليه عثمان قائلا: “فإن ركبتَ البحر ومعك امرأتك فاركبه مأذونا لك وإلا فلا. فركب (معاوية) البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فاختة بنت قرظة”. وجمهرة من الصحابة والتابعين مثل أبي ذر وأبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري والسيدة أم حرام بنت ملحان التي بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة في هذه المعركة وزوجها عبادة بن الصامت ومئات غيرهم، وقد فتح الله الجزيرة على المسلمين وصارت منذ ذلك الحين تابعة للدولة الإسلامية.

 

والشاهد من هذه القصة أن الجهل ليس عيبًا، وأن حرمة دماء المسلمين كبيرة ومقدّمة ولو كانت في الجهاد وفتح الثغور ونشر الإسلام وإقامة الدعوة؛ وهو ما ارتآه عمر وعثمان رضي الله عنهما، كما أن الشجاعة والإقدام والمثابرة ودراسة الخصم دراسة مستفيضة ومعرفة مكامن ضعفه وأهميته مطلوبة ومقدّرة كما فعل معاوية.

 

وأمر عثمان بأن يكون معاوية وزوجته على رأس هذه الغزوة أمر يستوجب التوقف والتقدير لهذا الذكاء القيادي الذي يُراعي الرأي العام العسكري ومعنويات الجنود القتالية في خضم تجربة جديدة لم يعرفوها من قبل، هذا وعثمان ومعاوية أقارب من نفس الفرع القرشي بني عبد شمس، لكنه لم يحابيه، ولم يدفع بالمسلمين وهو آمن في وكره في دمشق، وارتأى أوسط الخيارات وأعدلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى