آراءأقلام حرة

محمد تاج الدين يكتب: عن عالم الرؤيا…!

Latest posts by محمد تاج الدين (see all)

ربما أكشف سرا؛ إن قلت أني مدين في حياتي وفي كثير من شؤوني لتلك الرؤى البازغة التي تأتي كانبلاج الصبح، وما أكثر شؤون حياتي المرتبطة بالرؤيا، وإن حياتي (القلمية) و(الأدبية) كلها نتيجة رؤيا رأيتها في صباي،

وهي إلى الآن تتراءى أمامي، ولا أحدث عن رؤى أنقذني الله تعالى بها من مصائب، وفيها غرائب وعجائب ليس هنا أوان إيرادها، وليس لي إلا أن أحمد الله تعالى على رؤى بين لي بها كثيرا مما كنت أجهله، أو وقاني بها من مصائب كانت ستحل بي،

وقد وعيت جيدا وجه تسمية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لها بالمبشرات، وأنه لم يبق من النبوة سواها، وبأنها جزء من (46) جزءًا من النبوة،

وكيف أنه كان من شأنه اليومي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه بوجهه فقال: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟

وكان هذا يقع يوميا، لقد كانت الرؤيا تثبيتا وبشائر، والحقيقة تقول بأن بوابة الغيب بعد النبوة مغلقة إلا من تلك (الرؤى)، وأتكلم عن (الرؤى) لا عن الأحلام والأضغاث النفسانية، ومن لا يفرق بينهما يضيع مع سماسرة وتجار وأدعياء (تفسير الأحلام)،

وقد جاءت الوصية بأن لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح، وقال ابن عبد البر في التمهيد: قيل لمالك رحمه الله: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟ وكلام الإمام هنا عن (الرؤيا) لا الحلم كما سلف،

والأحلام منها النفساني والشيطاني القائم على مجرد (الترويع)، ولا تكون الرؤيا إلا (مشفرة) فيها رموز تحتاج مختصا لفك شفراتها، وليست بالبساطة التي يظنها بعض الناس،

وفي رؤيا يوسف عليه السلام ورؤيا الملك دلالة على ما ينبغي أن تحتويه الرؤيا من (التشفير)، وهنا يسقط في الفخ الكذابون ومخترعو الرؤى الكاذبة،

وأعرف كثيرين تفننوا في هذا ليستغلوا عاطفة الناس، وكم حاول بعضهم الضحك علي بمنامات كاذبة وهو لا يعلم أني أعلم أنه يكذب، وهذا استغلال تافه للأحلام من أجل مآرب ومكاسب تافهة، ولأجل هذه (الهواية) في تأليف المنامات الكاذبة ورد في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (من تحلم بحلم وهو كاذب كُلف أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل)،

والمقصود أن يعذب بأن يطالب بأن يعقد بين حبتي شعير يابستين، ولا أحد يمكنه ذلك،

وفي الصحيح: (إن أعظم الفِرَى [الكذب] أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه في المنام ما لم تَرَيا، أو يقل عليَّ ما لم أقل)،

ومن له خبرة يعرف الفرق بين الرؤيا الصادقة والكاذبة، وكان المختصون في تأويل الرؤيا يقولون للسائل -احتياطا-: (إن صدقت رؤياك فهي كذا وكذا..).

وسميت (الرؤى) بالمبشرات تفاؤلا، وإلا فهي قد تكون (منذرة)، وفيها من التحذير للعبد ما يمكنه معه مراجعة نفسه وتبين قصده، ولا ينذر الله تعالى عبده إلا إذا كان يريد له الخير،

وكم من الشر صرفه الله تعالى عن العبد بالرؤى الصالحة، وقصة يوسف عليه السلام نموذج يتجدد، جاءته رؤيا الملك فأخرجته من السجن،

وكم من صحابي أخرجه من الكفر إلى الإسلام رؤيا رآها،

وكتبت يوما عن رؤيا الشيخ الشهيد أبي العباس أحمد بن رميلة القرطبي العبد الصالح، وهي الرؤيا التي وقت جيش المسلمين الكارثة في معركة (الزلاقة) الشهيرة التي قادها أمير المسلمين ابن تاشفين رحمه الله، وقد كشفت الرؤيا تلك محاولة ألفونسو السادس خديعة المسلمين ليلا، ولولاها لأبادهم،

ويروي المؤرخون كيف ذهب ابن رميلة -رحمه الله- في جنح الليل فأيقظ قادة المسلمين حتى أيقظ المعتمد بن عباد ملك إشبيلية، وقصَّ عليه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسرع ابن عباد وأيقظ ابن تاشفين وكلِّ قوَّاد الجيش، وقاموا من شدَّة فرحهم وفي منتصف الليل وأيقظوا الجيش كله وهم يرددون: رأى ابن رُمَيْلَة رسول الله يقول له: (إنَّكُمْ مَنْصُورُونَ، وَإِنَّكَ مُلاقِينَا)، ولاقى ابن رميلة ربه شهيدا ذلك اليوم.

وفي حياة الصحابة قصة ثابت بن قيس رضي الله عنه، وهي قصة ثابتة، وذلك أنه لما استشهد، رضي الله عنه، في معركة اليمامة، وكانت عليه درع نفيسة، فأخذها أحد المسلمين، فبينما أحد المسلمين نائم، إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه وقال له: أوصيك بوصية فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لما قُتلت مر بي رجل من المسلمين وأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستنّ في طِوَله: (يتحرك في حبله المربوط به)، وقد كفأ على الدرع برمة (قدرأ)، وفوق البرمة رَحل، فأتِ خالداً فمُره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، فإذا قدمت إلى خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبي بكر فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، فأتى الرجل خالداً فأخبره، فبعث إلى الدرع فأُتي بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته بعد موته، فقيل: لا يُعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس رضي الله عنه.

وما تزال الرؤيا مصدرا للطمأنينة والسكينة، ولا أزال اذكر الرجل الذي جاء بيتنا ذات صباح من عام 1993 فأخبر والدي بأن جدي -رحمه الله- مريض، فبادره قائلا: لا تقل لي هو مريض، ولكن قل: رحمه الله، وأكمل: لقد رأيت ذلك البارحة، رأيته يطلب مني الاستعداد والشجاعة لتقبل الأمر.

وأما عن تجربتي مع (الرؤيا) فإنها حديث ذو شجون، وقد سلف بأني مدين لكثير من الرؤى، ومنها ما تحقق، ومنها ما أنتظره، وأذكر لكم نموذجين تحققا على سبيل الاستئناس، وأما التي لم تتحقق بعد فالله تعالى ييسر تحققها في عفوه وعافيته…

أذكر-قبل سنوات عدة- أنني كنت عرضة لكيدٍ من أحدهم، وقد آذاني أذى بليغا وحبك لي دسائس ولم أعرف من هو، واجتهدت في معرفته فلم أفلح، فبينما أنا نائم ذات ليلة رأيتني أحل شبكة كلمات متقاطعة في جريدة، فأكملتها وبقي اسمٌ ورد في الكلمات المتقاطعة أنه هو مصدر الأذى، ومن الكلمات المتقاطعة كتبت اسمه كاملا، وحين استيقظت عدت إلى ربط الأحداث، وكانت رؤياي صادقة تمام الصدق.

وأذكر أيضا أنني نويت مع صديق لي -قبل سنوات- خِطبة فتاتين قريبتين لبعضهما، واستخرنا الله تعالى، فرأيت ليلة أني وصديقي مسافران في حافلة ما جهة الشمال، حيث تقطن الفتاتان، فتوقفت بنا الحافلة للصلاة في مسافة قريبة، وحين أنهيت الصلاة في المسجد بحثت عن حذائي فلم أجده، وكررت البحث وأنا مصر على إيجاده حتى تيقنت أن الحافلة ذهبت، وحين تيقنت من ذلك وجدت حذائي وعدت أدراجي إلى البيت، لأجد صديقي أيضا عاد قبلي، وحين طلع النهار أخبرته بالرؤيا وقلت له: لا تتعب نفسك، وحدث بعد ذلك ما كشف لنا صحة الاستخارة وصدق الرؤيا، والله يستر على الفتاتين حيث كانتا الآن.

ولا أذكر لكم هذا لتظنوا بي (صلاحا)، فلا والله ما أنا بالصالح، وإن الرؤيا ليراها غير المؤمن أصلا كرؤيا الملك في قصة يوسف، ورؤيا فرعون لموسى عليه السلام، وما هما بمؤمنين، ولكنني أرجو أن تكون بعض الرؤى عناية من الله تعالى بعبده الضعيف، ودليلا له في حياته، وفرقانا يفرق به بين الصواب والخطأ ..وهو ولي ذلك والمتفضل به..

ليلتكم رؤى ربانية ..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى