آراءأقلام حرة

محمد تاج الدين يكتب: حينما يجازي سيدنا النبيّ آخر خلفائه

Latest posts by محمد تاج الدين (see all)

لم يكن يخطر في بال السلطان الخليفة عبد الحميد -رحمه الله- أنه سيأتي يوم وتعامله (إسطنبول) بمثل ما عامل نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – من التوقير والحب في مدينته (المنورة)، وقد كان السلطان قبل أكثر من قرن حين وصل مشروعه الكبير (سكة حديد الحجاز) إلى نهاية محطة (المدينة المنورة) أوعز إلى القائمين على المشروع أن يحترموا مقام النبوة وأن يجعلوا (سكة الحديد) دون ضوضاء ودون أصوات عندما تقترب من المدينة احتراما للنبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ما طلب، كان القطار يصل المدينة المنورة وعلى (السكة) لباد وصوف يجعل صوت احتكاك القطار بها ضعيفا إلى الغاية كلما اقترب من قبر النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في فهم خاص من السلطان وذوق روحاني عالٍ لقوله تعالى: { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ فَوْق صَوْت النَّبِيّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ….}، وقوله تعالى: { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ…..}.

ولأن الله تعالى لا ينسى، ولأنه -سبحانه- يعظّم من عظّم قدر نبيه فقد سخّر للسلطان من يفعل به نفس الفعل، وبالطريقة ذاتها قامت بلدية إسطنبول على رد ذلك الجميل (التاريخي) بعمل خاص في البنية التحتية لقضبان المترو المارة قريبا من قبر السلطان، ووضعت أضواءً تحذيرية للمشاة بدلا عن أصوات البوق، وهذا بعد انتهاء مشروع ترميم قبر السلطان الذي هو أيضا جزاء له لأنه عمل بيده مكنسة خاصة وطلب أن تُستعمل في تنظيف (القبة الخضراء) التي على مقام النبي، صلى الله عليه وسلم، وهكذا نابت الأضواء عن الضوضاء، وأعلنت (محبة النبي) صلى الله عليه وآله وسلم، أنها ترفع أقدار أصحابها دنيا وآخرة.

قلت: سبحان من جعل الذين عزلوا السلطان يعيدونه من اليونان إلى إسطنبول، ولو دفن في اليونان كيف كان سيردّ له القدر الجميل؟ وليس العجيب ما فعله السلطان في احترام سيد الوجود، صلى الله عليه وآله وسلم، بل العجيب وعيُ القائمين على (بلدية إسطنبول) واهتمامهم بهذا (الجميل التاريخي)، وهو ليس بجميل حقيقة، فلا أحد يمنّ على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وخدمة مقام النبوة وتعظيمه جميل يقدمه الإنسان إلى نفسه، ولكن الكرم الإلهي بالغ سابغ، والذين فكروا في ذلك العمل عند قبر السلطان شرّفهم الله بأن جعلهم نوابا عن نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- في ردّ الهدية بأحسن منها، فقد كان من سنته -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يقبل الهدية ويثيب عليها، وبهذا العمل الجليل أخزى الله كل من عملوا طويلا لمحو اسم السلطان من أعداء زمانه وما بعد زمانه.

ومن واجبنا أن نحمد لله على أنه وُجد في الأمة إلى اليوم من يعلم أن الموت لا يلغي قيمة الأشخاص، وأن حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا، وأننا أمة يشارك موتاها أحياءَها في بناء المستقبل في مقابل من يرى أن اقتيات الحي من الميت تخلف ورجعية، وما صحّت لنا القدوة في هذا الدين إلا بمن ماتوا، على أن سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لم يمت كموت الناس، وإنما له حياته التي تمد أمته بالوجود والحياة بإذن الله.

وأخيرا…

لا يهمنا ما يقوله (العلمانيون) و(المتنورون) الساخرون من (تخلفنا)، فإن (اللقيط) لا يحس بمعنى الأبوة الذي نحسه نحن من أبوة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يهمنا أيضا الجفاة غلاظ الأكباد المتنطعون إن رأوا ترميم قبر شركا ووثنية، فالعاقّ أيضا لا يجد معنى الأبوة، وهؤلاء هم من خرب أسلافهم مشروع السلطان (سكة الحديد)، ورأوا (الدولة العثمانية) دولة شرك وحاربوها، وقد رعى الله منارها رغم أنوف هؤلاء وهؤلاء، وسيجد زائر إسطنبول من أي لون وجنس ودين أن مقام السلطان فيها ليس كأي مقام.

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ورحم الله السلطان وأسلافه الميامين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى