آراءأقلام حرة

محمد المرشدي يكتب: معالم الطريق.. الخلافة الإسلامية (1)

ذاع في الوقت الحالي من بعض المحسوبين على التيار الإسلامي مقولة أن الخلافة الإسلامية “مفهوم تاريخي” تجاوزه الزمن، وليس “فريضة دينية” أو “مَعْلَماً من معالم الدين الإسلامي” لِيُتَمَسَّك به، وكان لأصحاب هذا الرأي منطلقان ينطلقان منهما:

 

الأول، أن هذا المصطلح قد شُوِّهَ على الصعيد العالمي وبات مرفوضاً من كل القوى المُهَيمنة على الساحة الدولية بل ويسبب حالة من الاستعداء الكبيرة لمن يُنادى به، وأصبح لزاماً علينا تغييره مع غيره من المصطلحات كالجِزْيَة والرِق، ودار الحرب و…. و….

 

والمنطلق الثاني (وهو يحمل في طيَّاته المنطلق الأول أيضاً): أن مصطلح “الخلافة” لم يَصْدُق إلاَّ على زمن الخلفاء الأربعة وزمن الحسن بن على رضي الله عنهم أجمعين، ثم شابه عَوَارٌ في التطبيق سَلَبَهُ (على زعمهم) معناه، ومن ثمّ وَجبَ البحث عن صيغة أخرى تُعَبِّر عنه تتناسب والواقع الذي نعيشه، ولا داعٍ لاستخدامه لعدم وجوده مُطَبَّقاً تاريخياً إلاَّ بُرْهَة في عمر الأمة، لاسيما وأن المناداة به تخلق نوعاً من العداء مع الحضارات السائدة الآن والمُتَربِصَة لأي ولادةٍ جديدة لحضارة أخرى مناوئة لها! واستشهدوا لذلك بأنه حتى الخلفاء الأربعة لم يحرصوا على لقب خليفة المسلمين، فسرعان ما ظهر لفظ أمير المؤمنين، ثم إمام المسلمين وتوارى لفظ الخلافة! كما أن نظام تولى الحاكم للخلافة من بعد الخلفاء الأربعة كان لا يستند للشورى في غالب الزمان، بل كانت الخلافة غالباً تؤول للحاكم المُتغلب بالشوكة على الحكم.

 

وهذا الطرح لم يكن من الأهمية بمكان مناقشته بين عموم المُهتمين بالشأن الإسلامي لولا أن مُتَبَنينَه الآن من الإسلاميين أنفسهم، فمفهوم الخلافة الإسلامية له من الرسوخ في وجدان الأمة ما يجعل إزاحته من الأمور العضال، بل ومما يوجب سرعة مناقشته الآن تسلل هذا الرأي لأكبر الجماعات من حيث الوزن النسبي (الإخوان المسلمين) حيث جَهَرَ به الشيخ عصام تليمة -وهو من النوافذ الإعلامية المعتبرة لجماعة الإخوان المسلمين- في برنامج تليفزيوني! ولا يخفى أن تسلل هذه المفاهيم السلبية للكيانات المُعَبِّرة عن ضمير الأمة -لا سيما الكبيرة منها- يُمثل معول هدم في بنائها النظري الذي تقوم عليه ، فعالمية الإسلام وأستاذية العالم التي نادى بها البنا رحمه الله مع الرعيل الأول للإخوان المسلمين، لا يمكن تصورها في غياب مصطلح الخلافة الإسلامية الذي يختزل هذه المفاهيم مع غيرها في هذا التركيب اللغوي، ولا يخفى أن هذا السلوك -الذي يبدو لي شديد السلبية- سينشأ عنه لغط وربما معارضة ومعارك وهمية جانبية تزيد من وهننا وتفت في عضدنا في وقت ما أحوجنا فيه لِلَمّ الشمل والاجتماع على موروثاتنا التي جَمَّعتنا لأربعة عشر قرناً من الزمان.

 

وحقيقة الأمر أنه بالإضافة لكون المحرك الأساسي لهذه الشطحات الفكرية هو حالة الضعف الشديد الذي آل إليه حال الأمة، وتوالى الهزائم لمحاولات الإصلاح والثورة على هذا الحال البائس للأمة، أقول بالإضافة لذلك أنه حدث خلط عند مَنْ تَبَنَّى هذا الأمر فيما بين شخص الخليفة أو الأمير أو الإمام أو الملك أو السلطان (سَمِّه ما شئت) وبين ماهية النظام الحاكم لبلاد المسلمين على تعاقب الزمن و لأكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمان.

 

فهذه المسميات كلها كانت على مدى التاريخ الإسلامي كله تُطلق على الحاكم للخلافة الإسلامية، فالسلطان سليمان القانوني كان خليفة المسلمين في الخلافة العثمانية كما كان الملك مروان بن عبد الملك خليفة المسلمين في الخلافة الأموية، ولم يكن هناك سمَّة مُسِوِّغ لانضواء الممالك المتباعدة والمختلفة عرقياً بل ولغوياً، تحت عباءة واحدة إلاَّ لكون “الخلافة ضرورة شرعية” يتحقق بها مفهوم الأمة الذي خوطبت به جموع المسلمين من ربها (الله عز وجلّ) من لدن بعثة النبي صلى الله عليه وسلَّم وحتى قيام الساعة.

 

وهذا المفهوم رغم نصاعته ووضوحه وضوح الشمس عند أعداء الأمة الحاليين من المُهَيّمِنين على الحضارة السائدة في الكون الآن (فهم يدركون خطورة ظهور هذه الخلافة وتهديدها لحضارتهم على ما كان بها من عوار)، إلاَّ أنه خَفِيَ على كثير من المشتغلين بالشأن السياسي الإسلامي الآن فراحوا يتخبطون هذا التخبط.

 

فمن العجب أن نرى جَزَع الغرب من عودة مفهوم الخلافة للظهور بسبب اعتبارهم لها كنظام يجمع شتات هذه الأمة في عقد واحد (رغم أنها لم تكن تُمَثِّل النموذج المثالي للإسلام على مدار التاريخ) وفي نفس الوقت نرى مِنَ المسلمين منْ يخجل من هذه المصطلحات ويطالب بتغييرها، وكأن المعيار الوحيد لتجديد الخطاب الديني عنده هو قبول الغرب لهذه المصطلحات،

 

فبالأمس ظهر من ينادى باستبدال لفظ الجهاد بالكفاح لحساسية الغرب منه واليوم يخرج من ينادى باستبدال لفظ الخلافة وغداً سيتجرأ أوقحهم لينادى بتغيير لفظ “الإسلام” فقد اقترن في الذهنية الغربية بالإرهاب بعد أن شوهته تجارب داعش والتيارات الجهادية (التي قتلت الأطفال والعُزَّل) وكان حتماً علينا مراعاة شعور أسياد الكون الآن! ولا أقول غداً هنا أقصد به المستقبل البعيد، فبعد أن شاهدنا من يجاهر بحتمية إلغاء تدريس موضوع الجهاد والجزية والرق من مناهج الأزهر حتى لا تُفَرِّخ إرهابيين، ها هي رؤوس الفتنة تُطِلّ علينا بخبث ووقاحة بالمطالبة بتغيير مادة الدين بمادة الأخلاق في المناهج الدراسية بزعم أن الأخلاق هي القاسم المشترك بين الأديان وهي كافية لوحدة هذا الشعب حتى لا تُمَزِّقه الفتنة الطائفية!

 

ولا يخفى أن قريباً من ذلك فَرَحَ المُغَفلون بالأمس القريب بشهادة بعض المستشرقين ورموز الثقافة الغربية بأن الإسلام لم ينشر بحد السيف، بل عن طريق الرحالة والتجار وطلبة العلم! ظانين أنهم بذلك يدفعون تُهمة عن الإسلام، وهم في الحقيقة يقابلون دعوة خبيثة لاجتثاث مفهوم الجهاد بشقيه (جهاد الدفع وجهاد الطلب) من ثقافة الأمة التي تربت على أن ذروة سنام هذا الدين هو الجهاد في سبيل الله،

 

يا سادة لقد نسجت هذه “المصطلحات” الثوب الذي تدثر به الإسلام منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى صارت عَلماً عليه ومَنْ يحاول نقضها مَثَلُهُ “كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا”، فقد ضربت هذه المصطلحات في عمق التاريخ وحفرت معانٍ في صدور أعداء الإسلام قبل أبنائه، فمن الخِفَّة، بل ومن الحُمق استبدالها وتغييرها أو كما يزعمون تجديدها، وفضلاً عن كون مثل هذه المغامرة باستحداث مصطلحات جديدة (تحمل نفس المعاني فنحن لسنا بصدد تغيير محتوى الدين) قد يحتاج لمثل ما سبق من قرون حتى تترسخ في نفوس الأمة وأعدائها على السواء، فإننا لا نأمن أن أعداء الأمة لن يحاربوا ما جَدَّ من مثل هذه المصطلحات التي سيهدد محتواها ومضمونها حتماً وجودهم ومصالحهم بعد ذلك، فستبقى المعاداة لمضمون ومحتوى هذه المصطلحات هو المحرك والدافع لهم دائماً وليس تركيبها اللغوي، ولا داعٍ إطلاقاً لتسطيح القضايا.

 

ومازال للحديث بقية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى