آراءأقلام حرة

محمد المرشدي يكتب: «شيوخ ودعاة السلطة» و«التوظيف السياسي النجس»(4)

«الوطن.. الوَثَن» (7)

«شيوخ ودعاة السلطة» و«التوظيف السياسي النجس» (4)

وكلما أوشكت على الانتهاء من عَرْضِ هذا الدور النجس الذي يؤديه شيوخ ودعاة السلطة ومن نحا نحوهم من المُغَفَّلين، تداعت عليَّ باقي الآثار المشئومة لهذا الدور الذي لم يَتَوَقَّف حتى داخل حدود هذا الوطن «الوثن» ولكنه تَعَدَّاُه إلى المشاركة الفعلية في المؤامرات العالمية التي لا تتوقف ولا تنتهي لتمزيق هذه الأمَّة، ليس فقط داخل أوطاننا المُنْعَزِلَةً عن بعضها البعض، بل وحتى داخل الوطن الواحد منها، فقد أَجْبَر حُكَّامنا أتباعهم من شيوخ السلطة الرَسميين في كل بلد من بلاد المسلمين على أداء بعض هذه الأدوار النَجِسَة، والتي تخدم السياسات العالمية الحاكمة لكوكبنا الآن، ولا أظن أنه مازال هناك مِنَ المهتمين مَنْ لا يُدْرِك أنَّ الحُكام بالوكالة في بلادنا هم وباقي أركان نظام حُكْمِهم، هم أحد أهم أدوات الغرب في إنفاذ سياساتهم في منطقتنا..

 

فلا يخفي على كل عاقل مُتَتَبِع للأحداث كيف كان لمشاركة المؤسسات الرسمية الدينية في الدول الإسلامية الدور الكبير في شَيْطَنَة التيار السُنِّي إبَّان مؤتمر الشيشان الذي إنعقد قبل فترة وجيزة (جروزني 2016 )، تحت عنوان «مَنْ هم أهل السُنَّة والجماعة»، حيث تبنى هذا المؤتمر مُحاربة مُعتَقد عموم التيارات السُنِّية السلفية في الأمة، وإظهارهم كَخَوَارِج ومُبْتَدِعين بغرض تمكين التيارات الصوفية (المتوافقين مع النظام العالمي وأنظمة حُكْمِهِ في بلاد المسلمين) مِنْ رِيادة الحالة الدينية في عموم بلاد المسلمين، كأحد أهم توصيات تقرير مؤسسة «راند» البحثية لاحتواء تيار الصحوة الإسلامية الذي سَرى في بلاد المسلمين في العقود الأخيرة من عُمْرِ الأُمَّة، ويكفيك لتتبين ذلك أن تعلم أنَّ مَنْ تولى كِبْرَ هذا الإفك (المؤتمر.. المؤامرة) هو شيخ الأزهر المُنْقَلِب على أول حاكم مسلم منتخب في مصر، والدجَّال الجفري ومعهما المفتيان السابق والحالي للنظام الحاكم في مصر، ومفتي نظام بَشَّار في سوريا والمسئولين الرسميين بالإمارات والبحرين وروسيا «الراعية الحقيقية للمؤتمر» !!! و… و… و… «أكثر مِنْ مائتي عالم !!»، فإذا رأينا من يضمهم هذا المعسكر تبين لنا من هم أهل الحق ومن هم أهل الباطل، وقديماً سُئِلَ الإمام الشافعي رحمه الله، كيف تعرف أهل الحق في زمن الفتن؟ فقال: اتبع سهام العدو فهي ترشدك إليهم..

 

وسُرْعان ما تَبَيَّنَ لنا شؤم ما كانوا يدعون إليه في مؤتمر الشيشان هذا من قِسْمَة الأمة السُنِّيَّة، وإشعال نار «الفتنة العَقَدِيَّة»، حيث قابل هذا الإفْك المُنَظَّم مِنْ هذه الثُلَّة، هجوم مُقَابِل من غُلاة مَنْ ينتمون لمذهب السَلَف لا سيما في دول الخليج مِمَن يَدَّعون احتكار مفهوم أهل السُنَّة والجماعة من دون الأشاعِرَة، وما أنْ انتهت فعاليات هذا المؤتمر المشئوم، إلاَّ ودَارَت طواحين التفسيق والتبديع والتكفير الإعلامية الرسمية من الطرفين، وراحوا في بَلاهَةٍ يشاركون أعداءهم في تمزيق «جماعة المسلمين»، وفات الفريقان المتنازعان على الاستئثار بمفهوم أهل السُنَّة، أنَّ الأولين مِنْ سَلفنا الصالح وهم يَنْحِتون مَفْهُوم «أهل السُنَّة والجَمَاعَة» لم يفصلوا بين السُنَّة والجماعة!! بل جمعوا بين المفهومين في هذا القالب المبارك «السنة والجماعة»!!، فكانت عاقبة مؤتمرهم هذا فضلاً عن تمزيق الأمة، الإيذان ببدء الآلة الإعلامية الرسمية في كل بلاد المسلمين في شَيْطَنة المعسكر السُنِّي، وأمْسينا نُشاهد إعْلامَنا وقنواتنا الفضائية وهي تتحدث عن أهل السُنَّة، وكأننا نشاهد قنوات أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والمُلْحِدين!! وأصبَحَ الشُذَّاذ والمُلْحِدون والمُشَكِكُون في ثوابت الدين هم نجوم الفضائيات وضيوف كل برامج التوك شو!!!.

 

وقبل أن نُغادر هذه النقطة الدقيقة وحتى لا يتبادر إلى الأذهان هذا السؤال : وما علاقة هذه المسألة بمفهوم الوطن «مَحِل النقاش»، أقول لك: إنَّ مَفْهوم «الوطن» المَحبوس داخل جغرافيا محاطة بأسلاك شائكة، والذي لا حقوق فيه لغير ساكني هذه الجغرافيا حتى ولو كانوا يشاركونك في عقيدتك الإسلامية، يَتَعَارَض بِالكُلِّية مع مفهوم «الجَماعة» الذي يقوم عليه هذا الشعار المبارك ” أهل السُنَّة والجماعة “، ذلك الشِعار الذي تأسست عليه كل معاني «الأمة الإسلامية» الواحدة مِصداقاً لقول الله عزَّ وجَلّ (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، هذه الأُمَّة التي لم تعرف حدوداً في كل تاريخها، ومِن هنا يتبين لك مدى خُبْثِ وشؤم هذا المؤتمر «المؤامرة» الذي يَبْذُر بذور الشقاق والتمزيق الشيطانية في نسيج الأُمَّة..

 

ولا يَغُرَّنك مَنْ خرَج من هؤلاء المتآمرين أو المُغَفَّلِين «على السواء ) بعد تمام هذه الجِناية ليتبرأ من هذا البيان الختامي المشئوم لهذا المؤتمر – كعادته بعد جناية يُشارك فيها – فقد كان ليس فقط مُوَقِّعِاً عليه بيديه، بل كان هو وأقرانه ويا للعار هم صُنَّاع ومُرَوِّجي هذا «المؤتمر.. المؤامرة» بكلماتهم وبحوثهم المُسَجَّلة عليهم بالصوت والصورة، فلا عِبْرة لِدَعْواه – بعد افتضاح أمره – أنه لم يَكُن يُدرك أن صَنِيعَهُ هذا الذي يخدم أجندة أعداء الأُمَّة سيكون له هذا الأثر السلبي!! فليس لِمِثْلِه الذي تَرَبى في أحضان السياسيين، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة، واعتلى أرفع المناصب الدينية في بلاد المسلمين «شيخ الأزهر» أنْ يَدَّعي جهلاً بمفردات اللغة العربية!! هذا إن تجاهلنا ما شَهِدْناه بمِنْ فَرَحِهم بتصفيق الحَمْقَى والمَوْتُورِين في المؤتمر وهم يتبارون فيما بينهم أيهم أشَدُّ عبارة على عقيدة تيار الصحوة في كل بلاد المُسلِمين!!.. ناهِيك عن أنَّ هذا هودَيْدَنَهُ بَعْدَ كُل جِناية يُشارك فيها!!.

 

ولا يَخْرُج عليَّ مِسكين ليقول لا داعٍ لِلْنَيْلِ من الرموز الدينية، كمنصب شيخ الأزهر والمُفْتي وأقرانِهم في باقي بلاد المسلمين، فقد أَضْحَت هذه المَناصِب في حاضِرنا اليوم كُلُها مَناصِب سياسية – وإِنْ كانت تلْبَسَ العَمائِم – يُشْتَرَط في مَنْ «يُعًيَّنَ» فيها الولاء التام لأنظمة الحُكْم في سائر بلاد المسلمين، ومَعْلومٌ أنَّ مساحة المُؤَاخذة في زريبة السياسة، ليست كمثلها في أهل الشريعة الأطهار ولا شك، وعليه فَمَنْ دَخل إلى زريبة السياسة وتَلَطَخ بِرَوَثِها، فَلْيَتَحَمَّلَ حَارَّها كما تَنَعَّمَ بِقَارِّها… فَلْتَنْتَبِه..

 

ولمزيد من البيان لهذه النقطة المهمة جداً مِنْ وجهة نظري أسوق إليك واحدة من أشهر الحوادث الَعَقَدِيَّة التي يحفظها الجميع، والمشهورة باسم «مِحْنة خلق القرآن»، التي ظهرت في أوائل القرن الثالث الهِجْري أيام حُكْم الخليفة العباسي المأمون (وكان كشأن أغلب الحُكَّام عبر كل العصور يَظُنُّ في نفسه عقلاً راجحاً يؤهِّلَه ليس فقط لتجاوز أفهام العلماء الراسخين في العِلْم إلى ما إسْتَحْسَنَهُ عَقْله الشخصي، بَلْ يجب أيضاً على كل رَعِيَّته أنْ يَتَدَيَّنوا برؤيته ولَولَم يُوَافِقَه عليها الأكابِر من العُلماء المُعتَبرين)، وتتلخص هذه المِحْنَة العَقَدِيَّة في أنَّ الخليفة المأمون (وكان ذا ميول فلسفية) اقتنع بأن القرآن «مَخْلوق» وليس «كلام الله» على الحقيقة، ولم يتوقف عند قناعاته هذه بل شَرَعَ في امتحان العلماء وطلبة العِلْم في هذه المسألة العَقَدِيَّة، وكان مَصِير كُل مَنْ يُخالفه هو العَزْلَ أو النَفْي، بل والسِجن والجَلْدِ «التعذيب» في بعض الأحيان، واستمرت هذه المِحْنَة حتى بعد وفاة المأمون مروراً بالخليفة المُعْتَصِم بالله والخليفة الواثِق بالله وحتى زَمَن الخليفة المتوكل على الله، وقد أشار البَعْضُ إلى أن هذه المِحْنة كانت تُمَثِّلَ المحاولات الأولى لِبَسْطِ السلطة السياسية المُمَثلة في الخليفة لِنُفوذها على السُلْطَة الدِينية الممثلة في العلماء، ولعلك توافقني أنه قد خرج أيضاً من رَحِمِ هذه المِحْنَة السلالات الأولى لما يسمى بِعُلَماءِ السُلّطَة الذين أيَّدوا منذ هذه اللحظة وحتى يومنا هذا الأنظمة الحاكمة على الدوام ولوفي الباطل قبل الحق!!

 

والشاهِد مِنْ سَرْدِ هذه المحنة هو كيف وَاجَهَ العُلماء وعلى رأسِهم الإمام أحمد بن حنبل هذه المِحْنة، فلقد كان سلوكهم العَمَلي يعكس فَهْمَاً دقيقاً ورائِعاً لمفهوم رجال الدين من جِهة، ولِمفهوم الأُمَّة وإنْ شِئت التدقيق لمفهوم أهل السُنَّة والجماعة مِن جهة أخرى، حيث لم يُرْهِبَ سُلْطان الحاكم ولا سَوْطَهُ أحمد بن حنبل رحمه الله، وراح يَجْهَر بِعَقِيدته السليمة، مُؤَدِّياً رِسالته كَرَجل دِينٍ مَسئُول عن البَلاغ، ولكنه مع مُخالفته لرأس هرم السُلْطة (الخليفة وحاشيته) لم يَدْع يوماً للخروج على الحاكم ولا لِتَفْكِيك «جَماعة المسلمين»، فقد كانت المُحافَظة على الخِلافَة مُوَحَّدة تحت خَلِيفة واحد أَعلَى وأهم عِنْدَه مِنْ مسألة عَقَدِية دقيقة تنازع فيها مُعَسكَران في الأُمَّة، فَكانَ الصَبْرُ عليها حتى يموت ذلك الخليفة المَفْتون أولى من المغامرة بتفكيك الأُمَّة وجَماعة المسلمين!! هكذا كان فَهْم الأئمة الأولين لمفهوم «الجَماعة» كمفهوم حَاكِم على غيره من القَضايا ولو كانت عَقَدِيَّة في بعض الأحيان!

 

فأين هذا السلوك المُتَزِن الواعي للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من سلوك المُغَفَلين الذين ما فَتِئوا يُمَزِّقُون في جماعة المسلمين، ليس فقط على مسائل شرعية أو عَقَدِيَّة، بل حتى على مُجَرد خِلافٍ سياسي يُشْرَع فيه الخلاف!

 

وتَمُر السنون، وتُقَطَّع الأُمة إِرَباً إِرَباً، وتُمَزَّقُ الأُمَّة إلى عشرات الدويلات، وبدلاً من مِحْنَةِ المَأْمُون، إذا بِنا أمام امتحان عشرات الفَراعِنَة، وبدلاً من الامتحان للعلماء في فروع العقيدة، إذا بنا أمام امتحانات للشعوب في أصول العقيدة والشريعة كالعلمانية، والليبرالية والإثنا عشرية والإباضية والصوفية الحلولية، والربا والاختلاط المستهتر والخمور والفجور والمِثْلِيَّة والزِنا والتَعري ونَشْرِ الرَذِيلَة، وشِيوع الظُلْم والفَساد و… و… ولكن تبقى «الفجيعة الكبرى» أنَّ الأمة باتت تواجه كل هذه المِحَن التي تتنزَّلُ عليها تتراً، وليس لها مثل أحمد بن حنبل.. وليس لها مثل أحمد بن حنبل.. وليس لها مثل أحمد بن حنبل..

 

بل ويا لَلْعَار أمْسَت الشعوب الإسلامية تُوَاجِهَ هذه الحرب الضروس على هويتها وعقيدتها وشريعتها وهي معزولة عن علمائها الربانيين المُحَارَبينَ ليس فقط مِن أنظمة الحُكْمِ وحَسْب، بَل ويتآمر عليها أيضاً طائِفَتان مِنْ العُلماء، الأولى: عَلِمت المُصيبَة ولكنها آثرت السلامة، وبَدَلاً مِن إنكار هذه المُنكرات الفَجَّة، إذا بها تُدير الخَدَّ بعد كل صفعة في ذِلَّةٍ ومَسكَنَةٍ لا يعرفها ديننا الحنيف، ولا يقطع خَرَسها الدائم إلاَّ التبرؤ مِن المُصلِحين في كُلِّ نازِلة!.

 

والثانية: لم تَكْتَف بِحَالَة الخَرَسِ التي عليها سابقتها بَلْ بارَكَت وأيَّدَت أنظمة الحُكم على الدوام، وفاخروا بأنهم من شيوخ السلطة وراحوا يُلَبِّسون على الناس أمور دينهم، حتى أصبحوا لا هَمَّ لهم إلاَّ تصويب كل تصرفات وسلوكيات الأنظمة الحاكمة وإن خالفت شرع الله!، مُتَحَجِجَين في ذلك كله بتلك الحجج الإبليسية «حقوق المواطنة» والمحافظة على «الوطن»! فكانوا مع الأسف أحد أهم مَنْ يُشَيِّدون مع باقي النُخبة العَلْمانِيَّة يداً بيدٍ، وكتفاً بِكَتف هذا الوَثَن المَزْعوم وَطَناً! وتُرِكَت العامة من الشعوب الإسلامية المسكينة تواجه منفردة هذا الطوفان الجارف للشريعة والعقيدة من كل مَظاهِرَ حياتها.

ومازال للحديث بقية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى