آراءأقلام حرة

محمد المرشدي يكتب: «الإسلام السياسي» بين الجماعات الإسلامية والثورة المصرية

بادئ ذي بدء لم يكن مصطلح «الإسلام السياسي» أبداً أحد المفردات المتداولة في الأدبيات الإسلامية منذ بداية الإسلام وحتى سقوط الخلافة الإسلامية، بل نستطيع أن نُجْزِم بأنه لم يكن ليدور بِخَلَدِ أحَدٍ من العلماء أو الفقهاء الأوائل أن يؤول الأمر بالإسلام إلى أنْ يُخْتَزَل في بعض الطقوس والشعائر العبادية ويتم استبعاد الشريعة بالكُلِّية مِنَ بلاد المسلمين أو حتى تعطيلها !!

 

وحتى نتفهم كيف تَمَّ نَحْتُ هذا المصطلح «الإسلام السياسي» فسنعود للخلف أكثر من ثلاثة قرون من الزمان حين دَشَّنت الحضارة الغربية الحديثة (السائدة على الأرض الآن) أول تغيير ملموس لها على الأرض بظهور الدولة القُطْرية الحديثة على أنقاض مملكة الرَّب المسيحية في أوروبا، مُعْلِنةً بذلك عن ميلاد نظامٍ عالميٍ جديد يُلْغي أيَّ سَطْوَةٍ للكنيسة ليس فقط على منظومة الحُكْم، بل وعلى كل مظاهر الحياة، وبتوالي الأيام والأحداث اشتَّدَ عود هذه الحضارة الجارفة وتَشَكَّلت فلسفتها في الُحُكْمِ والاقتصاد وسائر أنماط الحياة الاجتماعية، وتَطَوَّرَت الحضارة الغربية مع الأيام لتكتسب طابِعاً براجماتياً مُتَغَوِّلاً تمكنت به من الهيمنة على كل الحضارات القديمة على الكوكب.. ومن نافِلة القَوْلِ أنه كان قد تَزَامَنَ مع مراحل نموّ وصُعود هذه الحضارة الجديدة بدايات الانحسار والتفكك ­لِدولة الخلافة العثمانية التي تَسَيَّدَت قطاع كبير من الأرض المعمورة حتى هذا الزمان، وبدا واضِحاً لِكُلِّ زعامات الحضارة الوليدة آنئذ حَتْمِيَّة تفكيك هذه الإمبراطورية الإسلامية العَجوز والتي تقف كَحَجَرِ عَثَرة أمام اكتمال حلقات هذه الحضارة الحديثة، حيث كانت خَيْرات وشعوب وبلاد المسلمين مع غيرهم من شعوب وبلاد العالم الثالث سَتُمَثِّل ليس فقط الوقود للآلة الإنتاجية الجبارة الناشئة بل وستكون هي نفسها السوق المُستهلكة لِمُخْرَجات هذه الحضارة أيضاً.

سقوط الخلافة الإسلامية وتقسيم جسد الأمة

وبسقوط الخلافة الإسلامية تَمَّ إعادة تقسيم جسد الأمة الإسلامية التي كانت في غالبها ترزح تحت الاحتلال الغربي آنئذ ولا تملك من أمرها شيء، وظهرت للوجود على أنقاض أرض الخلافة دُوَل ومَمَالِك جديدة غُيِّبَت فيها الشريعة الإسلامية عن الواقع المُعَاش يوماً بعد يوم وإن كانت شعوبها مازالت تَدين بالإسلام! في مُحاكاةٍ فَجَّةٍ لِنَشْأة الدولة القُطْرِيَّة الحديثة الأولى في أوروبا!!

 

إلاَّ أنَّهُ وعلى الرغم من كل المحاولات التي لم تتوقف ليومٍ من الأيام لتَغْريب فِكْر الشعوب المُسلمة بالأساليب الناعمة تارة وباللجوء للقَمْعِ والقَهر تارة أخرى لمْ تَنْجَح أنظمة الحُكْم في بلادنا الإسلامية في استنساخ النموذج الغربي في علاقة الدين «المسيحي» مع الدولة القُطْرِيَّة الحديثة ببلادنا، وذلك لاختلاف طبيعة الإسلام (الذي لا يتحقق إلاَّ بالشريعة مع العقيدة معاً) عن نموذج المسيحية المُحَرَّف الذي انقلب عليه رُوَّاد الحداثة وهم يدشنون مشروعهم الحضاري في أوروبا، ولذلك ظلَّت أنظمة الحُكْمِ ببلادنا في صِراعٍ دائم مع غالبية الشعوب الإسلامية التي ترفض استبعاد الجانب التشريعي (وفي القلب منه النظام السياسي) من حياتهم اليومية بحجة الحداثة ومجاراة الحضارة الغربية السائدة، وكنتيجة طبيعية لهذا الوضع المُسْتَجَد في الأُمَّة الإسلامية ظهرت حركات وجماعات تتبنى محاولات إعادة التصور الإسلامي الكامل للحياة كعقيدة وشريعة مرة أخرى كَواقِعٍ مُعاش على الأرض، ومنذ ذلك التاريخ ظهر للوجود «الإسلام السياسي» كَمَطْلَبٍ مُلِحّ للشعوب المُسْلِمَة تَبَنَّته الحركات الإسلامية، ولكنه مع الأسف ظهر للوجود دونما سابق إعداد أو تخطيط دقيق، ومن ثمَّ فقد بدا مشروع «الإسلام السياسي» كمشروعٍ غير مُنْجَز، أو كَوَليدٍ مُبْتَسَر كُلَّما تَعَرَّضَ للاختبار على الأرض، سُرْعان ما يَفْشَلَ في الصمود أمام التحديَّات المتكررة التي تقابله، وبدا واضِحاً أنَّ قادة الحركات والجماعات الإسلامية لا يملكون -حتى الآن- التصور الكامل لهذا المشروع (الإسلام السياسي)، بل لا نُبالِغ إن جَزَمنا بأنهم لم يستطيعوا لا فَهْم الطبيعة المُعَقَّدة لهذا التَغَيُّر الهائل في شكل الدولة الحديثة التي يريدون أَسْلَمَتها وسَلْخها من هَيْمَنة الحضارة الغربية، ولا طبيعة هذه الحضارة التي تَخَطَّت شبكتها مؤسسات الحكم في البلاد لتصل إلى أصغر فرد في المجتمع، بل ولا حتى تحديد خَصْمَهم في هذا الصِراع الذي دخلوه وهم لا يدركون أنهم قد دخلوا في صراع صِفْرِيّ بالضرورة، ومِنْ ثمَّ فلم تُدْرِك قيادات الجماعات الإسلامية أنَّ محاولاتهم للتغيير وتفعيل الإسلام السياسي في حقيقة أمرها لم تَكُنْ أبداً مُجَرد مزاحمة سياسية على السلطة في قُطْرٍ ما بِغَرَض الإصلاح، بِقَدْرِ ما كانت إشعالٌ لفتيل صراعٍ حضاري كبير يتخطى بلادهم ليتصادم مع كل الرموز والكيانات المُنْتَفِعة من هذه الحضارة السائدة، صِراعٌ تَتَسِع دائرته لِتَتَجاوَز السُلْطة الفاسِدة والمُعَطِّلة للشريعة الإسلامية داخِل بلدهم ولِتَشْمَل كل العروش المَلَكِيَّة و العَسْكَرِية الإقليمية المُحيطة بهم، وتظل دائرة الصراع في الاتساع لِتَشمل مُلاَّك هذه الحضارة من الدول العُظْمى وإمبراطورية المال والبنوك والشركات الاقتصادية العملاقة!

 

وأمام هذه الصورة الكُلِّية الغائبة عن طبيعة الصِراع وطبيعة أطرافه سَيَتَبَيَّن لنا بجلاء أنَّ الحشود السِلْمِيَّة وصناديق الانتخابات وحتى آلاف الأسلحة وعشرات الآلاف من الجنود لن تَرْقى لتكون أدوات ناجِزة بأيدي مَنْ يديرون هذا الصِراع الصِفْرِيّ أمام هذه الحضارة الغربية العاتية، ناهيك عن الغياب الكامل للرؤية الواضحة وللخِطَّة المُكْتَمِلَة لمراحل هذا الصِراع المتتالية.. وسَيَتَبَيَّن أيْضاً أنَّ كل المحاولات السابقة للتغيير لم تكن سِوى مشاريع حماسية وحالمة وبلا شك مُتَعَجِّلة، صَدَرَت مِنْ غير المؤهلين لإدارة مثل هذا الصِراع وإن كانوا هم أطهر وأنقى مَنْ في هذه الأُمَّة.

قراءة المشهد بعد مرور عشر سنوات

واليوم ونحن نعيد قراءة المشهد بعد مرور عشر سنوات عليه سَنَجِد أنَّ ثورة 25 يناير في 2011 قد عكست أحد صُوَر هذه الإخفاقات المُتَكَرِّرَة لمشروع «الإسلام السياسي»، ولمْ تَكُنْ استثناء من كل محطات اختبار نموذج «الانبعاث الحضاري الإسلامي»

 

ولا يخفى على المُتابِع أنَّ بدايات ثورة 25 يناير لم تكن أبداً إسلامية الفِكْرة أو التخطيط أو التنظيم، حيث بدأت في يومها الأول كمجرد صورة أكثر تطوراً لمئات الوقفات الاعتراضية «الوطنية» التي سبقت هذا اليوم، غير أنَّ تراكم المظالم ورمزية المكان (ميدان التحرير) فضلاً عن اسلوب الحشد الجديد و المُبتكر (السوشيال ميديا) صنعوا زخماً إضافياً لهذا الحدث ساعد في التفاف حشود جديدة حول الطَليعة الأولى التي نادت به، ولم يمض على هذه البداية المتواضعة نِسْبِيّاً أمام آلة الدولة الضخمة يومان أو ثلاثة حتى تعاظمت كُتْلة المعترضين داخل الميدان وتَشَكَّلت حالة من الإتحاد «العَفْوي» بين غالب أطياف الشعب المصري بالميدان على اختلاف مشاربهم وهَوِيَّاتِهم، بل وحتى معتقداتهم، بعد أن جَمَعَهم ظرف الزمان وظرف المكان وتحَتَّمَ عليهم بسبب ضعفهم مِنْ جِهة و قوة وبطش خصمهم مِنْ جِهة أخرى الاحتماء ببعض، والتَخَنّدُق سوياً، فصنعوا بذلك «حالة اتحاد آنية» تخطت العقائد والأيديولوجيات لبرهة زمنية لم تدم طويلاً، وإن كان مركز الثقل فيها كان يميل يوماً بعد يوم للفصيل الإسلامي الذي كان الأكبر كَمَّاً وتنظيماً على الأرض بلا شك.

 

ومع هذا الحال بدا نظام الحكم في مصر عاجزاً على تحمل هذا الضغط الهائل من الشعب، وبدأت ثمرات الحدث في الظهور بِخَلْعِ مُبارك (رأس نظام الحُكم) مع أغلب رموز حِزبه، ووَجَدَ المصريون أنفسهم (وفي القلب منهم الإسلاميون) أمام حدث لم يختبروه مِنْ قبل ولم يُعِدُّوا له العُدَّة، فلا الطليعة الأولى تملك ظهيراً شعبياً تَستَمِدُ منه أهليتها لإدارة الأمور على الأرض، فضلاً عن عدم امتلاكها لأي رؤية موضوعية لما بعد الحَدَث تُمَكِّنُهم من الاستمرار في المشهد الثوري بعد أنْ فاقت النتائج التوقعات، ولا الإسلاميين بكل ما يملكونه من قُدْرةٍ على الحشد في الشارع يملكون تَصَوُّراً مُعَد سَلَفاً يسيرون عليه، وبدا الأمر وكأن الجميع قد تفاجأ بالأحداث التي صنعوها بأنفسهم، وسرعان ما تحول الحَدَث من الحالة الثورية إلى الحالة السياسية! واكتشف جميع مَنْ في ميدان الثورة بأن كل ما حدث لم يَكُن إلاَّ مُجَرَّد الشوط الأول مِنَ اللعبة السياسية مُتَعددة الأشواط، وهم ليس فقط لا يعرفون عدد هذه الأشواط، بل حتى لا يعرفون قواعد اللعبة وأصولها، فراحوا يتخبطون يميناً وشمالاً، وسقطوا جميعاً «بلا استثناء» في كُلِّ فِخاخ شياطين الإنْسِ والجِنِّ «بلا استثناء» أيضاً!

تقاسم حالة التيه بين الجماعات والحركات الإسلامية

ولعله باستعراض الخطوط العريضة لِسلوك الجماعات والحركات الإسلامية (مَحِلْ المُناقشة في المقالة) إزاء ثورة 25 يناير يَتَبين لنا كيف أنهم جميعاً تقاسموا حالة التيه وغياب الرؤية الإستراتيجية وإن بدا زوراً أنَّ بعضهم كان أفضل حالاً من الآخر!

 

– ليس سِرَّاً أن قادة السلفيين بالإسكندرية «أكبر التيارات السلفية» كانوا مع مَنْ يتبعهم في طول البلاد وعرضها من أكبر رافضي المشروع الثوري بِرُمَّتِهِ في بادئ الأمر، وعَدَّوهُ خروجاً على الحاكم، وراحوا ليس فقط يمنعون أنصارهم مِنَ المشاركة فيه، بل وبالغوا في تَأْصِيل المسألة شَرْعاً فادَّعوا أنَّ الثوار خوارج وأنَّ مَنْ يشاركهم آثم و… و….، إلاَّ أنَّه ما أنْ لاح في الأفق أنَّ كفَّة الثورة تميل إلى الرُجْحان، وأصبح المحظور بالأمس مُتاحاً، وتَنَفَّسَوا مَعَ سائِر الإسلاميين لأول مرة في حياتهم نَسائِم الحُرِّية حتى انقلبت التوجهات رأساً على عَقِبٍ، وراحوا ليس فقط يَلْحَقون بِرَكب الثوار، بل وينافسونهم على الصدارة في المشهد، وتَذَكَّروا ما طَمَسَته سنون الاستضعاف من المبادئ الإسلامية التي تُرْشِد إلى أهمية الحُكْم و«أنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، فراحوا ليس فقط يطالبون بنصيبٍ في كعكة الحُكْم، بل ويتقاتلون عليها ويَدَّعون حقاً أصيلاً فيها، بَعْدَ أَنْ ألْبَسَتهم الأحداث زوراً ثَوْبَ القادة وهم لا يَعْدون أن يكونوا قُصَّاصاً أو وُعَّاظاً بُسطاء، وخدعتهم قدرتهم على الحَشْدِ في الشوارع، وازدادت جرأتهم مع الأيام بعد أن أَمِنوا العقوبة بسقوط جَلَّاديهم، ومع توالي الأحداث دخلوا في دوامة الانقسامات الحَتْمِيَّة مع غياب الرؤية، ثم سار كل فريق منهم بحشوده من البُسطاء المخدوعين فيهم إمَّا إلى التيه خلف سراب الأمن، وإمَّا إلى المحارق في صراع صِفْريّ مع العسكر الذين يحسنون القتال لا الهتافات في الهواء، وإمَّا إلى مَزَابِل التاريخ مع خصومهم بالأمس وحلفاءهم اليوم!!

 

–  ولا يخفى أنه كان هناك زعامات سَلَفِيَّة أخرى في القاهرة والمحافظات توقفت في أول الأمر أيضاً و لم تُشارك في الثورة بِزَعم أنَّ الثورات والمُظاهرات تخالف السنن الكَوْنِيَّة في ظهور الدَعوات تارة، أو أنها تتعارض مع الثوابت الدعوية تارة أخرى، فلمّا لاحَ في الأفق أنَّ الثورة ستنجح، ألقى غالبيتهم بكل الثوابت خلف ظهورهم، وهَرْوَلوا في ركاب الثورة باحثين عن نصيبٍ من كعكة الحكم التي كانوا بالأمس القريب يَدَّعون زُهداً فيها، وتسابقوا في الانضمام إلى الجمعيات والهيئات الشرعية الداعمة للثورة، فَلَمَّا فاجأتهم الأحداث المُتَجَدِّدَة، وسالت الدماء في الطرقات لَمْ يُسْعِفَهم الزمان لاسترجاع حتى ثوابتهم التي ألقَوْها خلف ظهورهم، حيث سبقت بهم خُطاهم إلى مَوَاطِن متقدمة من المَشهد يستحيل معها التراجع إلى الخلف، فإمَّا السير مع الثوار إلى المَحْرَقة أو السير مع الخصوم إلى مَزْبَلَة التاريخ!!

 

– ثمّة فصيل آخر من السلفيين وبعض المُنْشَقين عن الإخوان المسلمين كان على رأسهم الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل غَرَّهم تَرَنُّح خصمهم (الذي تَصَوَّروه كغَيْرِهِم مُنْحَصِراً في القابع على سُدَّة الحُكم بمصر) فوَقَعوا تحت وَهْم «اللحظة الفارقة»، فاستنفروا أنْصَارهم إلى المحرقة التي لم ينتبهوا لها لحظة، حيث أنْسَتهُم اللحظة الفارقة «المزعومة» أنهم غير مُهَيَّئين لها، وأنَّ سُدَّة الحُكم الشاغِرَة لا يَمْلَؤُها أبداً الضعفاء ولا مَنْزوعي الأنياب وإن كانوا أَفْهَمَ مَنْ في الساحة، نعم قد تكون هذه هي اللحظة الفارقة لِضَبْعٍ من الضباع (من العَسْكَر) لِيَنْقَضَّ على سُدَّة الحُكم التي فَرَغَت بإزاحة الرئيس المعزول بعد أنْ خارت قواه وسقط، ولكنها لم تكن أبداً هي اللحظة الفارقة للحالمين من الإسلاميين الذين لا يملكون أيٍ من أدوات الصراع بحال من الأحوال!، «ولا عزاء للحالمين»، ورغم مرارة هذا التعبير أجدني مضطراً له، لعله يُفيق الحالمين والمتحسرين على ضياع اللحظة الفارقة !!..

 

– وعلى الرغم من أنَّ الإخوان المسلمين كانوا يعلمون بحكم تجربتهم الدعوية والسياسية الطويلة أنهم لا قِبَلَ لهم بالآلة العسكرية في يد خصومهم فقد ذاقوا مرارتها مِراراً وتِكْراراً من قبل، إلاَّ أنهم كغيرهم تفاجأوا بعد عزل مبارك بحالةٍ من الضبابية في المشهد وغيابٍ تامٍ للرؤية الإستراتيجية حَمَلَتهم على الانخراط في العمل السياسي وِفْقَ ما أدْمَنوه قبل الثورة من العمل في دائرة المُتاح وانتهاج نفس السلوك الإصلاحي المتوائم مع الأنظمة، واختاروا طَوْعاً الخروج من الحالة الثورية إلى الحالة السياسية لتفادي المحرقة الحتمية التي ستؤول لها البلاد لو استمر المَدُّ الثوري، مما اعتبره الثوار «حَدِيثي العهد بالآلة العسكرية» خيانة للثورة، ومع توالي الأحداث، وتحت ضغط الواقع ظهرت مساحات جديدة للحركة زَجَّت بهم زَجَّاً في صدارة المشهد، فبات مُستحيلاً عليهم التراجع وساروا بأتباعِهم في طريقٍ قَدَريٍّ إلى المِحْنَة، ووَجَدوا أنفسهم وأنصارهم مَرَّة أخرى داخل المَحرقة..

 

– ومع الأسف فَلَمْ يَشِذّ أيّ فصيل من الجماعات الإسلامية عن السير في هذا الصراع دونما رؤية إستراتيجية، فقد سارعت زعامات الجهاد والجماعة الإسلامية فور خروجهم من السجون زمن الثورة مشاركة سائر التيارات الإسلامية نفس النهج السائد في الميدان، وغَلَبَ حماسهم تجربتهم وأخطأوا كالعادة ليس فقط في تقدير قوة خصمهم ولا حتى في تقدير قوتهم أنفسهم، بل إنهم حتى لم يستطيعوا تحديد ماهية خصمهم في هذا الصِراع، فَقَصُرَ نظرهم -كغيرهم- عن إدراك أنَّ خلف هذا النظام الحاكم الذين يرغبون في تفكيكه وإزاحته حلقات أوسع تدعمه وتساعده على البقاء من القوى الإقليمية المحيطة، ثمَّ يليها حلقات أوسع من القوى الدولية العظمى التي تَقْتَات على خيرات هذه الشعوب المنكوبة، ثم يليها حلقات أوسع بل وأشدُّ ضراوة من شبكات النفوذ الاقتصادي والمالي والعسكري التي تُهَيْمِن على الحضارة السائدة في كوكبنا، فكانت النتيجة الحتمية هي أنْ اختنقت هذه التجربة في مهدها كَكُلّ مرة، غير أن هذه المَرَّة كان الثمن أكبر، والخسائر أفدَح، وعزاؤنا أن هذه الملحمة تركت من الدروس ما لم تتركه غيرها من الملاحم.

عدم وجود رؤية إستراتيجية وخارطة طريق واضحة

وعلى الرغم من التباين الواضح في سلوك ومناهج كل هذه الأطروحات الإسلامية، إلاَّ أنَّه كان هناك ثمّة قاسم مشترك في سلوك كل هذه الرموز الإسلامية بشكل عام والجماعات الإسلامية بِشَكْلٍ خاص وهو عدم وجود رؤية إستراتيجية كامِلَة وخارطة طريق واضحة المعالم يتحركون بناءً عليها للوصول للهدف، نعم أنبأتنا الأحداث أنه كان فينا براجماتيون فضحتهم الأزمة وكشفت عَوْراتهم، إلاَّ أنه كان مِنَّا كذلك مَنْ يعمل وِفْقَ تصورات ساذجة لا تَرْقَى أبداً لأن يَتَكِئ عليها أيّ مشروع للانبعاث الحضاري للأُمة الإسلامية بحال من الأحوال، وكان مِنَّا كذلك مَنْ يتبنى تصورات مَرْحلية ضيقة الأُفق تنتهي بالأمة عند إقامة الشعائر والقيام ببعض فروض الكِفايات، فلما أخْرَجَتهم الأحداث خارج المساجد ارتبكوا وتخبطوا و تَخَطَّفَتْهُم كل شياطين الإنس فسقطوا في براثنهم و تاهت بوصلتهم، وكان مِنَّا مَنْ بَنَى مشروعه لِلْتوْ مُحاوِلاً اقتناص الفُرْصَة التاريخية التي رآها لن تتكرر في عُمُرِهِ مرة ثانية فَوَقَعَ تحت أَسْرِ «اللحظة الفارقة» فأنْسَتْهُ عَجَلَته -على عُلُوّ كَعْبِهِ ودِقة فَهْمِه- التَحَدِّيات الحتمية التي سيلاقيها دونما أي إعداد وهو ينادي بمشروعه لإقامة الدولة المُسْلِمة المنشودة بما تَحْمِله مِنْ منظومة للقِيَم هي في الحقيقة تُمَثِّل التجسيد النهائي للمشروع الحضاري الإسلامي المُصادم بالضرورة لغالب القِيَم الحاكمة في العالم الآن، ناهيك عن أنَّ الغالبية العُظْمى من أنصاره وإن كانوا يشاركونه نفس الحماس إلاَّ أنهم بالقطع لم يكونوا يعرفون لا تفاصيل هذا المشروع ولا طبيعة هذه التحديات.. ومع الأسف فستظل أوقات تَرَنُّح الأنظمة الهَشَّة المعارضة لدين شعوبها المسلمة دائماً سبباً مُغْرِياً للبسطاء بالثورة والحلول المتعجلة، ولكن منذ متى والحضارات تُبْنى في مثل هذه العُجالة؟ وقد تَشَارك في كل ما سبق زعامات وكُتَل من جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية والجهادية في طول البلاد وعرضها، بل اتسعت رُقْعَة الجماعات الإسلامية حتى شَمِلَت مَنْ لا يملك أيّ «تصورات سياسية» مِنْ الأصل كجماعة أنصار السُنَّة والجمعية الشرعية حيث اُخْتُزِلَ الإسلام في تصور مثل هذه الجماعات في إنكار بعض صور الشِرْك والبِدَع (كالشِرْك عند قبور الصالحين وإقامة الموالد)، أو في بعض الأعمال الخيرية (كَكَفالة اليتيم) فَأُفْنِيَت أعمار الأتباع في قضايا سُرْعان ما كشفت أجواء الحرية الأولى للثورة أنها -على أهميتها- لا تُمَثِّلَ إلاَّ جُزْأً من سبعين جُزء من الإسلام المُغَيَّب، فتناثر الأتباع في ساحات ميادين الثورة هائمين خلف كل نداء.. وعلى الرغم من حَدَاثة عهدنا بالتجربة التي اكتوينا جميعاً بنارها فمازال فينا مَنْ يحلم بإعادة إنتاج حالة الإتحاد الأولى للثورة مُسْتَصْحِباً فقط حجم التهديدات المُشتركة التي نواجِهُها الآن كَسَببٍ كافٍ لوجودها مرة أخرى غافِلاً عن أنَّ هذا القَدْرَ المُشْتَرَك من المطالب الثورية لعموم الشعب المصري  كالحُرِّية والعدالة والكرامة الإنسانية والشفافية والتي هي بالضرورة من أهم القِيَم التي يحملها المشروع الإسلامي لم تكن مِنْ قَبْل كافية للصمود أمام تعارض الأيديولوجيات وأنها توارت جانباً مع أول ظهور لِبوادر زوال التهديد المشترك، وأن تحالفات الضرورة لم تلْغ أبداً العداوات الأيديولوجية وما جبهة الإنقاذ مِنَّا ببعيد! نعم قد نفهم ضرورة بل وحتمية هذا الاصطفاف داخل إطار ثوري لا يحمل الأجندة الإسلامية، ولكنه سيظل أيضاً مفتقراً للرؤية الإستراتيجية الواضحة وللقيادة الوطنية الأمينة على كل أبناء الشعب المصري بكل طوائفه، وإلاَّ سيظل هذا الاصطفاف المستحيل سراباً يَلْهث خلفه الحالمون..

 

وعلى الرغم مِنْ أنه كان القاسم المشترك في سلوك كل العاملين في الحقل الإسلامي الدعوي هو عدم وجود رؤية إستراتيجية كامِلَة يتحركون بها للوصول للهدف كما أسْلَفت، إلاَّ أنَّ هذا لا يعني بالضرورة التهوين مما بَذَلَتهُ هذه الأجيال المتعاقبة، بل ولا حتى تحميلها وِزْرَ النتائج الكارثية للتجربة الإسلامية طيلة قرنٍ من الزمان، نعم توالت وتكررت أخطاءَها بل وخطاياها كثيراً، فقد غاب عن التجربة الإسلامية دائماً العُلَماء الربانيون والقادة المُؤَيَّدُون، بعد أنْ انقطع منذ بداية سنوات ضعف الخلافة حَبْل العِلْم وغَلَبَ على كل محاولات البعث الحضاري مرة أخرى الطابع الحماسي الذي يفتقر ليس فقط للسنن الكونية لقيام الحضارات بل ويفتقر أيضاً للتصور الصحيح والكامل للشريعة الإسلامية التي ستتبناها هذه الحضارة!! ولكن بِحَسْبِ المُخْلِصين ممن قام بهذه التجارب المتعاقِبة صِدْق النوايا والإعْذار إلى الله بِبَذلِ الوِسْع وإنْ أخطأوا العمل، فَعَدَم إنجازِهم للمشروع على مستوى الأُمَّة، لا ينافي أنَّهم كأفراد قد بذلوا أنفسهم وأعمارهم وأموالهم في سبيل الله، ولا شك أنَّ تجاربهم على مرارتها وارتفاع تكلفتها سَتُمَثِّل في مجموعها رصيداً تراكمياً للخبرات يشير بوضوح إلى أنَّ الرضا بالسَيْر في دائرة المُتاح، والعَجَلَة قبل الإعداد، وغياب التصور الكامل للمشروع الحضاري الإسلامي، وعدم الأخذ بالسُنن الكونية لنشأة الحضارات لن تَصِلَ بنا أبداً إلى الهدف، وقبل كل هذا وذاك أنَّ الحضارات لا تنهض أبداً حال الاستضعاف..

 

أعلَم أن هذا الطرح لن يروق للكثيرين فحتى يومنا هذا مازال هناك قادة للجماعات الإسلامية يخاطبون أتباعهم بهذا الخطاب الرَغْبَوي الحالِم، بل ويَلْوُون أعناق النصوص ليستشهِدوا لأتباعهم أنه قد مَرَّت السبع سنوات العِجاف بعد الانقلاب على مشروع الثورة، وقد أوشك أنْ يُظلنا عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون في إشارة لِقُرب الفَرَج القَدَري الذي لا عَمَلَ لنا فيه!!، وعلى النقيض من هؤلاء الحالمين سنجد -ويا للأسف- فريقاً آخر من الشامتين يَتَنَدَّرون على إخوانهم مِمَنْ سُجِنوا وهُجِّروا خارج بلادهم من باقي التيارات الإسلامية الذين لم يشاركوهم خطيئتهم فقالوا بأنهم قد دخَلَوا في التيه ولن يخرجوا منه قبل أربعين سنة (بلَيّ أعناق النصوص أيضاً)، وغاب عن هؤلاء وهؤلاء أ نَّ السُنن لا تحابي من لم يأخذ بالأسباب، وأنه و منذ قرابة القرن من الزمان فإن كل الجماعات والحركات الإسلامية في حالة من التيه بالفعل ولم يهتدوا بعد إلى خارطة الطريق إن صَحَّ التعبير!!..

 

ولا يَسْبِقَنَّك الفَهْم وتَدور في دائرة الاتهامات، فأنا أحد أبناء الدعوة السلفية، وقضيت عُمري دائراً في فلكها، غير أني لم أتَلَبَّس بالحزبية المقيتة التي سَرَت فيها مؤخراً كما سَرَت في غيرها من الجماعات، وأعْرِف لِدُعاتِها قَدْرَهم الذي رَفَعَهم الله به زَمَناً، فلما تَطَاوَلوا وأرادوا أنْ يَتَبَوَّؤوا مَنْزِلاً لم يتأهَّلوا له كان ما نَرَاه ولا نَرْضاه، ولا يُنْكِر فَضَلَ هذه الدعوات كلها مُجْتَمِعة إلاَّ جاحد أو حاسِد أو مُبْغِض، بَيْدَ أن الحديث هنا يتجاوز كل هذه المجهودات الدعوية شديدة التواضع أمام مشروع الانبعاث الحضاري للأُمَّة، وهذا التناول ليس جَلْداً للذات، ولا براءة مِنْ كل هذه التجارب ولا من أهلها، نعم نبرأ إلى الله من الأخطاء كما تبرأ رسولنا صلى الله عليه وسَلَّم مما صَنَعَ خالد بن الوليد رضي الله عنه (رواه البخاري)، ولكننا لا نبرأ أبداً مِنْ خالد بن الوليد سيف الله المسلول ولا مِنْ كل مَنْ نحا نحوه فقَصَدَ الحق فأخطأه، ونستغفر الله عَمَّا دفعنا إليه حماسنا وقِلة عِلْمنا من أخطاء، ولكن المقصود من هذا التناول هو إعادة توجيه البوصلة لِلْوِجهة الصحيحة وِفْق خارطة طريق جديدة واضحة المعالم والأهداف.. وهذا موضوع طويل أسأل الله التوفيق والسداد في صياغته..

 

** أعلم أن هناك تفاصيل كثيرة أخرى لم يتم استعراضها في هذا الطرح، وكني آثرت عدم مناقشتها عَمْداً لعدم الشوشرة على الفكرة الأساسية للمقالة..

**  و إلى مَنْ لا يَمَل من قول سَئِمْنا مِنَ التَنْظير و المُنَظِّرين ..

**  أقول صَدَقت،

ولكن هل وصلنا إلى النظرية حتى نتوقف ؟؟

بالقطع لا !!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى