آراءأقلام حرة

محمد أمين الهبيري يكتب: صنم العجل الذهبي زمن الإستئناف الحضاري

محمد أمين الهبيري.. طالب حقوق.. ومدون، من تونس

لعل في قصة التي ذكرها الله في القرآن في معرض حديثه عن سرعة إغواء بني إسرائيل وتعنّتهم بعدما رأوا الآيات التي تبرهن على وجود إله واحد قد أنجاهم من فرعون الذي جعل نفسه إلها يعبد من دون الله، إله سياسي متحكم في رقاب الناس، آية لهذا القوم إبتداءا ولنا من بعدهم إنتهاءا ..

فبمجرّد أنهم وجدوا عجلا جسدا له خوار نسوا ما أنعم الله عليهم حين نجّاهم من فرعون وسوء عمله واتخذوه آلهة ثانية قد تكون آلهة وجودية فهم يبحثون عن الجانب الروحي دائما، إلا أنهم وفي كل مرة ينتكسون إلى المادة، والمهم عند هؤلاء القوم أن يعبدوا شيئا يستطيعون من خلاله رؤيته، حتى لو أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ..

تلك هي سر عبودية بنو إسرائيل، فالله أراد أن يخرجهم من طغيان سياسي مثل في شخصية فرعون وطغيان إقتصادي مثّل في هامان، وطغيان اجتماعي ثالث مثّل في إستحياء النساء والأطفال، وأن ينتقلوا من ضيق العبودية المادية إلى سعة الثورة الروحية والتي تجعل الفرد يتحرر من كل قيود المادة والجمود إلى آفاق الإختلاف والحرية ..

لو تدبرنا في واقع الأمة الإسلامية لوجدنا عديد النقاط المشتركة بيننا وبين بنو إسرائيل في ذلك الزمان؛ كيف لا؟ فنحن العرب، منذ القرن التاسع عشر، آثرنا على أنفسنا أن نجعل صنم العجل الذهبي مسلّطا على رقابنا. أعني بصنم العجل الذهبي هنا، كل فكر وكل إيديولوجيا(1) نتخذها سبيلا ومنهجا للتحرر والإنعتاق من الأزمات المختلفة إلا أنها تقودنا في غالب الأوقات، بل لنقل في كل الأوقات، إلى عبودية جديدة لفكر يدّعي أنه المنقذ والمخلّص، وفي النهاية نكتشف أنه قد قيّدنا أكثر وورّطنا في أزمات جديدة.

ولأضرب أمثلة على ذلك، فقد قامت الحركة القومية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على الإيمان الراسخ بالعروبة كعقيدة ناتجة عن تراث مشترك من اللغة والثقافة والتاريخ إضافة إلى مبدأ حرية الأديان. وفي هذا السياق يعرّف الدكتور عزمي بشارة القومية العربية بأنها :” القومية العربية ليست رابطة دم ولا عرق، بل هي جماعة متحلية بأدوات اللغة ووسائل الاتصال الحديثة تسعى إلى أن تصبح أمة ذات سيادة” وقد مرت بعديد الأطوار التاريخية كغيرها من الإيديولوجيات المتواترة إلا أنها وبعد الثورة العربية الكبرى ووعد بلفور الذي بمقتضاه زرع الكيان الصهيوني داخل كيان الأمة العربية وفشل تجربة الوحدة السورية المصرية سنة 1967 والتناحرات بين التيارات القومية خاصة بين البعثيين والناصريين. كل هذه العوامل وغيرها جعلت الحركات القومية تتراجع وفي المقابل صعود المشاريع القطرية العاجزة أصلا عن سد حاجيات الوطن.(2)

في منتصف القرن العشرين، ظهرت الإشتراكية العربية التي قد وصفها البعض بأنها منتصف الطريق بين الرأسمالية الغربية والشيوعية الشرقية في إشارة إلى الجمع بين النظامين. وقد مثلت هذه الإيديولوجيا تيارا سياسيا مهمّا تاريخيا، وقد ظهرت عدة تجارب سياسية لأنظمة عربية قائمة على الفكر الاشتراكي كونه الوحيد القادر على تجاوز الصعوبات المادية التي خلّفها الإستعمار في جميع البلدان العربية وخلق فرص عمل أكثر تجنّبا لظاهرة البطالة التي كانت منتشرة في هذه البلدان خاصة. ومع فشل هذه التجارب تباعا فقدت التجربة الإشتراكية شعاعها على المستوى العربي ولم تعد قوة سياسية قادرة على مواجهة الأزمات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعترض البلدان العربية في النصف الأخير من القرن الماضي.(3)

ومع إنبثاق الربيع العربي، شهدت المعادلة السياسية صعود الأحزاب الإسلامية التي تطبّق في برامجها ما يعرف بالإسلام السياسي.وقد كان حسن البنّا زعيم حركة الإخوان المسلمين يؤكد على هذا المنهج تقريبا في كل مؤلفاته التي تحدثت عن الفكر الإسلامي السياسي حيث قال: “إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة “. وقد أحدثت عديد التنظيمات السياسية القائمة على نهج حسن البنا في عدة دول عربية داعية بذلك إلى أن هذا الفكر هو المخلّص والمنقذ من الأزمات السياسية التي تعصف بالأمة. ولكن الأمر سار عكس ما سوّقه أصحاب هذا الفكر، فالملاحظ، بعد ست سنوات من انطلاق شرارة الربيع العربي أن الربيع المنتظر، أصبح خريفا عاصفا. فالدمار الذي لحق بالبلدان العربية لم يشهده التاريخ من قبل؛ قتل وذبح وتشريد للأطفال والنساء. كل هذا يرتكب –للأسف- باسم الإسلام .. والأمرّ من ذلك أن النخبة السياسية لازالت تدّعي أن فكرها ونهجها هو المنقذ الأوحد من المصائب المتلاطمة.

إن الإختلاف ظاهرة طبيعية في المجتمع الإنساني. يمكن بفضلها أن تكون سببا في خلق ثروة فكرية وروحية تؤدي بالضرورة إلى ثروة إقتصادية ونهضة ثقافية وإشعاع عالمي. إلا أن التشبث بالرأي الواحد وعدم قبول الرأي المخالف من شأنه أن يدمّر كل مقومات العيش الكريم داخل الكيان السياسي وذلك هو مقصد قصة العجل الذهبي في قصة موسى عليه السلام وبنو إسرائيل.

إن الحالة التي وصلنا عليها الآن من تشرذم وأزمات على جميع المستويات سياسية، اقتصادية واجتماعية، تجعلنا نفكر في ماهية الحل الذي يمكننا من خلاله إستئناف دورنا الحضاري والرجوع للتاريخ لإعادة كتابة مجد يحفظ للأمة عزّتها. إن الواقع يفرض علينا إذا كسر صنم العجل والنظر في أفق أرحب وأوسع والتنازل في بعض الأوقات حفاظا على المصلحة العليا للدولة والنظر بوعي لكل المناهج الفكرية تحقيقا للإختلاف وأن نسعى لضمان الحرية الروحية والسياسية للفرد داخل كيان الدولة.

هوامش

(1)الإيديولوجيا بما هي علم الأفكار حسب المفكر عبد الله العروي والتي من خلالها ظهر التقسيم العلماني والإسلامي والإشتراكي وغيرهم الكثير من الأفكار التي تعمل على بناء الدولة. هذه الأفكار إن لم تحسن إستغلالها تحقيقا للتنوع والإختلاف داخل الدولة مما يحدث ثروة روحية وفكرية فإنها تصبح عبئا ثقيلا على الدولة في حد ذاتها وتقودها لطغيان معرفي وتجمّد فكري تكون بمثابة صنم العجل الذهبي الذي يقودنا بالضرورة للطغيان المادي.

(2) انظر موقع ويكيبيديا لمزيد المعلومات حول القومية العربية
(3) انظر نفس المصدر الإشتراكية العربية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى