آراءأقلام حرة

محمد أبو صهيب يكتب: مضى عهد النوم يا خديجة!

Latest posts by محمد أبو صهيب (see all)

كان يوم اليمامة 11هـ يوما عظيما على المسلمين، فمرة لهم ومرة عليهم، ولما حمي الوطيس انكشف المسلمون عن رحالهم وأمتعتهم، عندها صرخ زيد بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: “لا نجوتُ بَعْدَ الرِّحَال”.

 

وكانت مع زيد راية المسلمين يوم اليمامة، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو، ويضارب بسيفه حتى أُستشهد رحمه الله،

 

لقد كان ثبات المسلمين من ثبات زيد، ونصر المسلمين من نصر زيد، غير أن زيدا رضي الله عنه حاز نصرا أبديا، وهو الشهادة في سبيل الله، ولما رجع الناس وصل نبأ استشهاد زيد إلى أخيه عمر بن الخطاب، فقال رضي الله عنه: “رَحِمَ الله أَخِي، سَبَقَنِي إِلَى الْحُسْنَيَيْنِ أَسْلَمَ قَبْلِي، وَاسْتُشْهِدَ قَبْلِي”.

 

موقف قَّلما يتكرر في التاريخ من رجال صنعوا التاريخ، نذروا حياتهم في سبيل الله، فهذا زيد كان يتحرى مواطن الشهادة في سبيل الله لينال بها السبق عن أخيه ويصطفيه الله شهيدا، حتى أن عمر قال له يوم أحد: “أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلا لَبِسْتَ دِرْعِي”، فلبسها زيدٌ ثم نزعها، فقال له عمر: مَا لَكَ؟

 

قال: “إِنِّي أُرِيدُ لِنَفْسِي مَا تُرِيدُ لِنَفْسِكَ”، أي أريد الشهادة كما تريدها يا عمر.

 

فقد يتمنى كثير من المسلمين أن ينال شرف الشهادة في سبيل الله، وهي منزلة لا تعدلها منزلة، فكل الناس يموتون إلا الشهيد فيحيا، قال تعالى:

 

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}

 

والسؤال هنا: كيف ترتَجِي أن تَمُوتَ شهيدًا، وما نَويتَ الرِّباطَ يومًا ولا ليلةً، ولا سعيت في لحظةٍ من حياتك كلها لهذه الخاتمة؟!

 

إذن لا بد لك من حياة تقدمها قبل الموت، كما بين زيد و عمر، هي حياتك أنت وهمتك أنت، كما قيل: “وهل يموت أحدٌ في سبيل الله إلا وهو قد عاش قبل ذلك في سبيل الله؟!”.

 

إن الموت في سبيل الله يسبقه آماد طويلة من الحياة في سبيل الله، فهل يستوي من هو قاعد في بيته آمنا مترفا، ومن نذر نفسه لدينه ودعوته، فهو إما أن يعيش فوق الأرض من الأحياء في سبيل الله، وإما أن يكون تحت الثرى من الأموات في سبيل الله.

 

والحياة في سبيل الله شرف ما بعده شرف، أن يعيش المسلم لدينه ويحمل هموم أمته، يعيش مرابطا على ثغور الإسلام، يخشى أن يؤتى الإسلام من قِبَلِه، وهي بلا شك حياة مليئة بالمصاعب والمشاق، فالذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا، ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا. فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟! ولقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الأمر وقدَّره، فقال لخديجة رضي الله عنها وهي تدعوه أن يطمئن وينام:

 

“مضى عهد النوم يا خديجة!”.

 

فالحياة في سبيل الله أشق من الموت في سبيل الله ألف مرة”.

 

وقد رأيتني أتأمل كلمة المجاهد الكبير قائد جيوش اليمامة خالد بن الوليد رضي الله عنه أسد المعارك وبطل الإسلام، وقد حضره الموت، يقول:

 

“لم يُقَدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما مِن عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بِتُّها، وأنا مُتَتَرِّسٌ والسماء تُهِلُّني، ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار”.

 

وقال رضي الله عنه:

“لقد شهدتُ مائة زحف، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربةٌ أو طعنة أو رَمْية، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء”.

 

فهذا خالد بن الوليد الذي فعل الأفاعيل بالمشركين والمرتدين والفرس والروم، والذي كان لا ينام ولا يترك أحدا ينام، وكأني به قد استحضر جميع وقائعه أمام عيني وقد طلب الشهادة والقتل في سبيل الله، ثم ها هو ينام على فراشه! وكأنه شعر بقهر في نفسه وقد تساوى مع الجبان فقال:

 

“أموت على فراشي كما يموت العَيْر” أي الحمار!!

 

اللهم استعملنا في طاعتك، وأحينا في سبيلك، وأمتنا في سبيلك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى