آراءأقلام حرة

محمد أبو صهيب يكتب: ما الفرق بين «المسكن» و«البيت» في القرآن

Latest posts by محمد أبو صهيب (see all)

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)} سورة النمل

في هذا الموضوع سنركز على كلمة واحدة وردت في هذه الآية الكريمة ألا وهي كلمة “مساكنكم”.

 

فعندما تناول القرآن العظيم النحل وصف محل إقامتها بالبيوت

{وإذ أوحى ربك للنحل أن إتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون}

 

وعندما تحدث عن العناكب وصف مقرها أيضا بالبيت

{وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}

وهذه الحشرات الثلاث هي التي تعيش في مقرات معيشة ثابتة.

 

وأما الحشرات الاخرى المذكورة في القرآن فلم يذكر لها بيتا أو سكنا لأنها هي كذلك لا تتخذ بيتا.

 

مثل الذباب والبعوض والجراد والقمل.

 

والنمل أمره عجيب ومقر سكناه هو بالفعل مسكن وليس بيت.

 

والفرق بين البيت والمسكن أن المسكن يقسم داخليا إلى حجرات وممرات.

 

بينما البيت هو عبارة عن مساحة واحدة مخصصة للعيش.

 

وخير مثال على ذلك ما يسميه البادية بيوت الشعر وهي عبارة عن خيام وما هي سوى مساحة واحدة مغطاة.

 

وأما المساكن فكما نعلم جميعا فإنها تنقسم إلى غرف وحجرات مخصصة لاغراض محددة وممرات.

 

في الصورة المنشورة في بداية الموضوع نشاهد مجسما لمساكن النمل من عمل الدكتور “ولتر تشينكيل” من جامعة فلوريدا.

 

قام بصنعه عن طريق حقن سائل العاج الذي تصنع منه الاسنان الاصطناعية داخل حفرة النمل.

 

هذا المسكن قامت ببنائه حوالي 5000 نملة وأخرجت منه ما يقارب ال20 كيلو جراما من التربة خلال مدة أربعة إلى خمسة أيام.

 

ويقول هذا العالم أنه مندهش من طريقة بناء هذه المساكن وتوزيع النمل خلالها

فصغار النمل تسكن بالاسفل بالقرب من الملكة.

 

بينما تسكن كبار النمل ذات الخبرة الطويلة في الحجرات العلوية القريبة من السطح لتتصرف كحرس للبقية.

 

ويتعجب كيف أن مستعمرات مختلفة من نفس فصيلة النمل تبني مساكن متطابقة في التصميم.

 

فسبحان الخالق المبدع

و قد أعد الدكتور “ولتر تشينيكل” بحثا نشره بدورية “علم الحشرات”

Journal of Insect Science

The nest architecture of the Florida harvester ant, Pogonomyrmex badius

 

ونكتفى هنا بذكر مجمل الموضوع إلا أن هناك الكثير من التفاصيل الشيقة لمن أراد أن يتعمق ، من بينها زاوية ميل الممرات والفرق بين أحجام الغرف العلوية والسفلية وإرتفاع أسقفها

 

وسبحان من قال “أدخلوا مساكنكم” ولم يقل ادخلوا بيوتكم أو أعشاشكم أو حفرتكم أو جحوركم، لأنها هي مساكن بكل معنى الكلمة

 

فالآية الكريمة لم تقل مسكنكم بصيغة المفرد بل وردت بصيغة الجمع دلالة على أن خلف هذه الحفرة التي نراها بالارض توجد مجموعة من المساكن كما نرى في الصورة.

 

ومن ناحية هندسية فإن تصميم مساكن النمل على هيئة حجرات أو غرف صغيرة يجعلها قادرة على الصمود للضغط المفروض عليها من أعلى.

 

فتصوروا معي أن جيشا كاملا مر على مجموعة من المساكن كالتي نراها في الصورة وبهذا العمق الكبير داخل الارض.

 

فحتما ستتحطم الفتحة الخارجية وتتهدم، ولكن الغرف السفلية التي بها الطعام المخزن والملكة وبقية النمل لن يتأثر.

 

فسبحان الخالق المبدع الذي أوحي لهذا المخلوق أن يبني مساكنه بهذه الطريقة الفريدة.

 

وهناك كلمة أخرى وردت في هذه الآية تستوجب منا إشارة لها ألا وهي كلمة “واد”

عليكم أن تتصوروا كيف أن ما تعرضنا له هو مجرد شارع واحد في مدينة كبيرة مثل مدينة طوكيو، لأن الآية الكريمة تذكر أن الجيش أتى على “واد النمل”.

 

هناك لحظات تمر على الانسان يحس فيها بحجمه الصغير كطفل يلعب بأصداف بحرية بشاطئ طويل لا يرى له نهاية.

 

فسبحان الله الخالق المبدع

 

وفي مكان آخر في أفريقيا قام فريق آخر بعمل مماثل ولكن عن طريق ضخ الاسمنت في حفرة النمل.

 

ثم أزال الطين المحيط بمساكن النمل لتظهر معالم مدينة تحت الارض.

 

وحري بنا أن نلاحظ أن حجرات النمل هذه محفورة بشكل متقابل أي أنها ليست على إمتداد واحد بمعنى أنه لو إنهارت واحدة فلن تنهار على التي تحتها.

 

وهذا مما يزيد من متانة هذه المساكن وقدرتها على تحمل ضغط المارين من فوقها ولو كان جيشا كجيش سيدنا سليمان عليه السلام.

 

ولكن ما ذا لو أن الآية الكريمة قالت بيتكم أو بيوتكم بدلا من مساكنكم.

 

تصوروا لو أن النمل قام بحفر غرفة واحدة كبيرة على شكل بيت واحد وعاشوا فيه جميعا.

 

ذلك البيت سينهار ولن يستطيع أن يصمد تحت ضغط المارة من فوقه ، وسيموت النمل جميعا لأنهم يعيشون جميعا في بيت واحد.

 

فسبحان الخالق المبدع.

 

وطوبى لمن تدبر القرآن وفهم ما تيسر له من أسراره.

 

✍️ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى