آراءأقلام حرة

محمد أبو صهيب يكتب: في ذكرى وفاة كريمان خالص

Latest posts by محمد أبو صهيب (see all)

في سنة 1923م وهي سنة سقوط الخلافة العثمانية التي كانت آخر خلافة إسلامية، قررت أوربا النصرانية أن تقيم حفل انتصارها المبين على الإسلام والخلافة بطريقة جديدة وموجعة، حيث عقدت مسابقة لاختيار ملكة جمال أوربا في عاصمة الخلافة (أنقرة)، وكان من ضمن المتسابقات فتاة تركية وذلك لأوَّل مرة في تاريخ البلاد، وتقدمت الفتاة التركية واسمها “كريمان خالص” ممثلة لتركيا العلمانية، وقد استعرضت مفاتنها بلباس البحر على خشبة المسرح..!

 

وعندها قال رئيس لجنة التحكيم في المسابقة وقتها كلمات تقطر بالتشفي والشماتة، وتكشف عن كمّ الكراهية الدينية المتجذرة في نفوس الأوربيين تجاه دولة الخلافة العثمانية، إذ قال معلقًا:

 

“أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوربا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400 سنة ، إنّ (كريمان خالص) ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة، ها هي (كريمان خالص) حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا (بالمايوه)، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا. ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني سليمان القانوني من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه؛ خشية أن يسري في بلاده. ها هي حفيدة السلطان المسلم تقف بيننا، ولا ترتدي غير (المايوه)، وتطلب منا أن نُعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أُعجبنا بها، مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبل الفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلتُرفع الأقداح تكريمًا لانتصار أوربا”.

 

فالذاكرة الأوربية لم تنس يومًا، ما قام به العثمانيون في القارة الأوربية، لم ينس الأوربيون أبدًا فتح القسطنطينية عاصمة العالم النصراني وقتها سنة 857هـ على يد محمد الفاتح وتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، في أكبر إشارة على ظفر الإسلام على النصرانية، وكيف أن العثمانيين قد وسّعوا رقعة الأراضي الإسلامية لتشمل معظم يوغسلافيا والمجر وبولندا ونصف روسيا وبلغاريا ومقدونيا ورومانيا واليونان، وامتدت ولاياتها عبر ثلاث قارات.

 

الذاكرة الأوربية لم تنس كيف وقف العثمانيون في وجه الصليبيين على مختلف الجهات، فقد هاجموا شرق أوربا لتخفيف الضغط الواقع على مسلمي الأندلس، وواجهوا البرتغاليين في جنوب الخليج العربي، وواجهوا الأسبان في شمال إفريقيا وسواحل البحر المتوسط، وواجهوا الروس القياصرة في وسط آسيا، وواجهوا البرتغاليين في شرق إفريقيا، ولم يستطع الأوربيون احتلال المنطقة الإسلامية إلا قُبيل سقوط الدولة العثمانية، في حين أن البلاد التي لم تخضع للدولة العثمانية مثل الهند وإندونيسيا وماليزيا وقعت مبكرًا بيد الاحتلال الأوربي، وعانت منه لما بعد الحرب العالمية الثانية.

 

الذاكرة الأوربية متخمة بالكثير من المشاهد المؤلمة والمهينة والتي كان العثمانيون سببًا مباشرًا فيها، فالأوربيون لم ينسوا معارك كوسوفا الأولى والثانية وموهاكس وحصار فيينا وبلجراد ونيكوبولس وفارنا والقسطنطينية وغيرها كثير. كما لم ينس الأوربيون كيف أن العثمانيين قد أخذوا الأطفال اليتامى من البلاد المفتوحة في أوربا، وربُّوهم تربية إسلامية خالصة، وشكلوا بهم نواة الجيش العثماني الشهير بـ”الإنكشارية”، والذي ظل مصدر قوة وفخر للعثمانيين لفترة طويلة.

 

بضاعة أوربا اليوم ترد إلينا عبر المسلسلات وأفلام تشوِّه التاريخ وتطمس الأمجاد وتبرز السلبيات وتضخم الأخطاء وتجافي الحقائق، وترسِّخ في عقول الناشئة هذه الصورة السيئة والمعيبة عن التاريخ الإسلامي في أزهى عصوره، بصورة سينمائية باهرة تخلب الألباب وتجذب الأنظار.

 

أوربا اليوم تصفي حساباتها مع الإسلام والمسلمين عَبر الطابور الخامس من الخونة والجواسيس والرقاصين وتجار الدين وأتباع السامري وابن سلول والكذاب وابن سبأ وتحاول الأخذ بثأرها، ليس من الخلافة العثمانية كما يظن الكثيرون، ولكن من الإسلام نفسه وتاريخه العظيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى