آراءمقالات

أخطاء شائعة في التلاوة والتجويد (3)

Latest posts by مجاهد ديرانية (see all)

أداء الغُنّة مع حروف الإخفاء

 

المشكلة الثانية الشائعة في الغنّة هي في طريقة نطقها مع حروف الإخفاء، وهو عيب في الأداء يمكن فهمه بشكل أفضل إذا فهمنا الفروق بين مخارج الحروف المختلفة. وهذا مبحث متقدم ليس هنا موضعه وسوف أعود إليه في إحدى الحلقات الآتية من هذه السلسلة إن شاء الله، وإنما يكفينا الآن أن نلاحظ أن لكل حرف طريقةَ نطقِه الخاصة التي تتناسب معها حركةُ اللسان والشفتين (ما عدا الحروف الحلقية بطبيعة الحال).

 

حاول مثلاً أن تلفظ حرفَي الباء والسين متعاقبَين ثم لاحظ: هل حركتَ اللسان عندما نطقت الباء؟ لا، إنما لزم إطباق الشفتين فحسب. أما السين فقد جاء صوتها عندما حركت اللسان ولمست بطرفه السطح الداخلي للأسنان الأمامية (الثنايا). ولو نطقتَ الحرفين أمام المرآة ستلاحظ ما يطرأ على شكل الشفتين من اختلاف عند الانتقال من واحد إلى آخر.

 

والآن تعالوا ننظر إلى الإخفاء، ما هو؟ يقول علماء التجويد أنه درجة بين الإظهار والإدغام يذهب فيها حرف النون وتبقى صفته، وهي الغنّة. سأوضحه بتفصيل أكثر: لو نطقنا النون نوناً واضحة لصارت مُظهَرة، والإظهار له موضعه مع حروف الحلق الستة. ولو غيّبناها تماماً وانتقلنا من فورنا إلى مخرج الحرف التالي (الواو مثلاً) لصارت إدغاماً، والإدغام له موضعه مع حروفه المعروفة. فإذا كان الإخفاء وسطاً بينهما -كما قالوا- لوجب أن نغادر مخرج النون الذي نتشبث به مع الإظهار، ولا ننتقل انتقالاً فورياً إلى مخرج الحرف التالي الذي يحلّ محل النون (نطقاً) مع الإدغام.

 

ماذا نفعل إذن؟ ننتقل عبر صوت وسيط يجمع بين صفة الحرف التالي (أي مخرجه) وصفة النون (أي غُنّتها)، وهذا هو مفتاح الأداء الصحيح للغنّة مع حروف الإخفاء الخمسة عشر. كلمة السر في أدائها الصحيح هي أن تتهيأ لنطق الحرف التالي وتتخذ وضعية مخرجه خلال الثانيتين اللتين تستغرقهما الغنة. وبذلك ينجو القارئ من واحد من أكثر أخطاء التلاوة شيوعاً، وهو نطق الغُنَن كلها بشكل واحد والتركيز على مخرج النون دون ظهور أي أثر لمخرج حرف الإخفاء التالي.

 

لنتمرن على الأداء الصحيح مستعينين بأدوات التعلم الذاتي التي اقترحتُها في الحلقة الأولى، ولنأخذ حرفين بين مَخرجيهما فرقٌ واضح على سبيل التدريب: الطاء والفاء.

 

انظر إلى المرآة واقرأ: طافا طافا طافا طافا… هل لاحظت كيف يتغير شكل شفتيك ولحييك (خَدَّيك) وأنت تتنقل بينهما؟ حسناً، والآن طبق أحكام التجويد على هذه الكلمة “مِنْطِنْف”. هنا عندنا نونان ساكنتان بعد كل منهما حرف إخفاء، فحَقُّ النون الإخفاء مع الغنة. أرجو أن تبالغ في تطويل الغنة لعدة ثوان، وأن تركز انتباهك أثناء نطقها: هل تشعر أنك مهيأ تماماً للحرف التالي؟ هل تشعر باختلاف طبقة الغنة والفرق الدقيق بين صوتها في الحالتين؟ ضع أصبعيك على خديك أثناء التمرين: هل تشعر بانقباضهما مع غنّة الطاء وانبساطهما مع غنّة الفاء؟

 

إذا كان الجواب بالإيجاب فأنت قريب من تحقيق الأداء الصحيح، وأفضل اختبار له أن تنطق غنّة طويلة وأنت تُضمر ما سيأتي بعدها وتسأل مستمعاً ضابطاً: ما الحرف الذي سيأتي بعد هذه الغنة؟ فإذا عرفه فالنطق صحيح تماماً بإذن الله.

 

وأخيراً انتقل إلى التدريب العملي مع جهاز التسجيل، فسجل بتلاوتك صفحةً من القرآن، ثم استمع إليها واستمع إلى الآيات نفسها بتلاوة الشيخ الحصري (اختر مصحفه المجوّد لأنه أبطأ في الأداء وأسهل بالمحاكاة) وكرر التدريب مرات ومرات وسوف تصل إلى طبقة عالية في الأداء بإذن الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى