آراءمقالات

ما وراء استنفار السيسي لاحتواء حراك العودة

Latest posts by د. صالح النعامي (see all)

فجأة، وبعد زيارة خاطفة قام بها الخميس الماضي المبعوث الأمريكي جيسين غرنبليت للقاهرة، شرع نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تحركات دبلوماسية وإجراءات عملية تهدف بشكل واضح إلى إحتواء مسيرات العودة الكبرى، قبل يومين على موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، ووصول الحراك إلى ذروته المأمولة.

فبعد أن اجتمع مع مدير المخابرات العامة المصرية عباس كامل مساء الخميس الماضي، كتب غرنبليت على حسابه على تويتر أنه ناقش مع كامل تقديم مساعدات عاجلة للتخفيف عن الواقع الإنساني في قطاع غزة.

وبعد أن نشر غرينبليت تغريدته أعلنت مص، وبدون سابق إنذار، عن فتح المعبر لمدة أربعة أيام، ابتداء من السبت وانتهاء بيوم الثلاثاء، حيث كان من الواضح أن التنفيس المفاجئ يهدف إلى إضفاء صدقية على وعد غرنبليت من جانب، كما أن إشغال قطاع واسع من الجمهور الذي تتعلق مصالحه بفتح المعبر، يرمي إلى التأثير سلبا على دافعية الفلسطينيين للمشاركة في المظاهرات الضخمة التي سشهدها منطقة الحدود مع إسرائيل يومي الإثنين والثلاثاء.

لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، بل أن قيادة المخابرات المصرية سارعت لدعوة قيادة حركة حماس في غزة للقاء عاجل في القاهرة للتباحث حول عروض بشأن مستقبل حصار قطاع غزة. في الوقت ذاته، فقد ذكرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أن مصر ستنقل عروضا إسرائيلية لحركة حماس بهدف اقناعها بوقف احتواء حراك العودة.

ومن الواضح أن حرص كل من واشنطن وتل أبيب نظام السيسي على التحرك على هذا النحو يعكس عمق المخاوف الأمريكية الإسرائيلية من أن يفضي تعاظم مناشط حراك العودة تحديدا غدا الإثنين موعد نقل السفارة إلى حدوث تحول فارق على الصعيدين الأمني والسياسي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف سيتمكن نظام السيسي من جسر الهوة الشاسعة بين موقفي حركة حماس وإسرائيل بشأن مستقبل الحصار. فحركة حماس تصر على أن حراك العودة يجب أن يفضي إلى رفع الحصار عن القطاع بشكل كامل؛ في حين أن وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أعلن قبل أسبوع مجددا أن رفع الحصار سيكون مرهونا بموافقة حماس على نزع سلاحها؛ مع العلم أن هذا لا يعد موقفا خاصا بليبرمان فقط.

فحسب ما كشفه ثلاثة من كبار المعلقين في قناة التلفزة الإسرائيلية العاشرة الجمعة الماضي، فأنه المستوى السياسي الإسرائيلي غير معني برفع الحصار حتى بثمن التوصل لهدنة طويلة الأمد.

وبغض النظر عن الكيفية التي سيسوق بها نظام السيسي الموقف الإسرائيلي، فأن تجربة الماضي قد دللت بشكل واضح وصريح أن إسرائيل لم تحترم بالمطلق الاتفاقات التي توصلت إليها مع حركة حماس برعاية مصر وضمانتها.

فعلى سبيل المثال، أقدمت إسرائيل على اعتقال معظم الأسرى الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم في الضفة الغربية ضمن صفقة تبادل الأسرى التي رعتها القاهرة عام 2011.

وعلى الرغم من أن حماس طالبتها بالتدخل لإطلاق سراح المعتقلين، إلا أن مصر لم تحرك ساكنا ولم يؤثر السلوك الإسرائيلي على علاقتها بتل أبيب.

وإذا تم الأخذ بعين الاعتبار طابع الشراكة الإستراتيجية التي تربط نظام السيسي بحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب، والتي تشير وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية إلى الكثير من مظاهرها، وحالة العداء الذي ينظر بها نظام السيسي لحركة حماس، فأنه من غير المستبعد أن تعمد مصر لتوفير بيئة تسمح باحتواء حراك مسيرات العودة من خلال تقديم عروض لحماس تستجيب لمطالب حماس، لكن القاهرة في النهاية لن تضمن تنفيذها.

ومن الواضح أن استنفار نظام السيسي لاحتواء حراك العودة يأتي لإدراكه طابع المخاوف الإسرائيلية والأمريكية من الطاقة الكامنة التي يحملها هذا الحراك.

وتجاهر القيادات الأمنية الإسرائيلية بقلقها من أن يفضي تزامن نقل السفارة إلى القدس مع سقوط عدد كبير من القتلى أثناء اندفاع الجماهير الفلسطينية غدا نحو الجدار الحدودي الذي يعزل القطاع عن إسرائيل، إلى تفجر الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية والقدس بشكل غير مسبوق.

ومما يسوغ الحاجة لدور نظام السيسي في التأثير على حركة حماس، حقيقة أن محافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب تتوقع أن يفضي انفجار الأوضاع الأمنية إلى هبة شعبية تدوم طويلا وتؤثر بشكل كبير على الواقع الأمني والاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل.

ولن يكون من المستبعد أن تضطر الحكومة الإسرائيلية إلى إصدار أمر بتجنيد قوات احتياط لسد العجز في القوى البشرية اللازمة لمواجهة الأوضاع الأمنية المتفجرة، حيث أن جيش الاحتلال دفع حتى الآن بنصف قوات المشاة إلى حدود القطاع.

وتخشى إسرائيل والولايات المتحدة أن يؤثر تفجر الأوضاع الأمنية على استقرار السلطة الفلسطينية، التي يمثل بقاؤها مصلحة كبيرة للاحتلال، لا تنحصر فقط في دورها في تجفيف بيئة المقاومة من خلال التعاون الأمني؛ بل أن بقاء السلطة يضمن تمكين تل أبيب من مواصلة مشروع الاحتلال بدون تكلفة مادية.

في الوقت ذاته، فأن واشنطن وتل أبيب تخشيان أن يفضي تفجر هبة شعبية في الضفة والقطاع إلى عدم توفر بيئة إقليمية تساعد على استغلال قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في تضييق الخناق على نظام الحكم في طهران والعمل على إضعافه أو حتى إسقاطه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى