آراءمقالات

ما أريكم إلا ما أرى

Latest posts by يسري الخطيب (see all)

الشرفاءُ لا يصلحون لشيءٍ.. هكذا صرخ الأديب الفرنسي الرائع “أناتول فرانس” الذي تُوُفيَ في 12 أكتوبر 1924، وكأنه كان يرى المشهد السياسي المصري العربي، الراهن.

ليكمل الكاتب الفرنسي (أندريه موروا) 1885 – 1967 قراءة المشهد، عندما كتب روايته (الفن الجديد) لتطفو القضية البشرية الخالدة (الصانع والمصنوع) بين الرسام الفاشل (دوش) وصديقه الأديب الروائي (كليز) .

فقد عاش هذا الرسام دون أن يلتفت إليه أحد، أو يحقق أي نجاح، حتى نصحه صديقه الأديب (كليز) أن يسير بطريقة (خالف تُعرف).. وأن يخرج على مألوف الناس ويبتكر طريقة جديدة في الرسم، ويعلن أنه يعمل منذ أعوام لابتداع مدرسة فنية جديدة.. واتفقا.

وبدأ صديقه الأديب يكتب المقالات المتتالية، يمجّد فيها الرسام العبقري، ومدرسته الجديدة، ويتهم الرسامين الآخرين بالجهل والسطحية، وأنهم لم يدرسوا إلا الوجه الإنساني، أما (شخبطة) الرسام “دوش” فهي المدرسة المثالية التحليلية.. وأن نقطة سوداء في لوحة بيضاء تمامًا تعني كذا.. وبرواز بدون لوحة عبقرية جديدة.. ومجموعة أحبار (مدلوقة) على ورقة ليس لها معالم، فهي ضياع إنسان العولمة في متاهات اليوتوبيا و…..

واستطاع الأديب “كليز” أن يعلّم صديقه الرسام مجموعة من المصطلحات الغامضة، حتى كان يوم افتتاح معرض الرسام (دوش) والذي أحدث ضجة كبيرة وسبقته دعاية هائلة.. وليواجه الرسام بعشرات الأسئلة من المعجبين والحسناوات وهواة الرسم، فينفخ في غليونه ثم ينظر إلى لا شيء، ويقول عبارته التي أهداها إليه صديقه : (هل تأملت في حياتك نهرًا؟).

فينظر الحاضرون إلى بعضهم البعض وقد ازدادوا إعجابًا بهذا الرسام (الفلتة).. ويمضي المؤلف إلى نهاية روايته ويقول: إنه بعد أن خلا المرسم من الزائرين، والمعجبين، وتجار اللوحات، جاء صديقه الأديب “كليز” مُشرقـًا وصائحـًا فيه: لقد حققنا أحلامنا.. أعرفت قيمة نصائحي يا صديقي؟

فنظر إليه الرسام ساخرًا: أنت أحمق، لا ترى حقيقة الروعة والجمال في لوحاتي ومدرستي الفنية التي أسستها.. فصرخ الأديب “كليز”: أتُسَمّي هذه (الشخبطة) مدرسة جديدة؟ وهذه اللوحات التي لا قيمة لها فنـًا.. (دا احنا دافنينه سوا)، فوضع الرسام الفاشل غليونه في فمه ونفخ الدخان في وجه صديقه وهو يقول: هل تأملت في حياتك نهرًا؟!

تحضرني دائمًا هذه الرواية التي قرأتها منذ سنوات.. كلما نظرتُ إلى الساحة السياسية المصرية، وطائر العبث بجناحيه: سياسة وإعلام.. وأرى الذين يكذبون ويصدّقون أنفسهم بعد أن (عاشوا في الدور) ونسوا أنهم صناعة (بير السلّم) وأن المتغطي بالوهم عريان..

– شخصيا ، تعاملتُ مع معظم ببغاوات الفضائيات المصرية، عندما كانوا يتسوَّلون ويتاجرون وينافقون في صحف أكشاك المعارضة، ومطبوعات الحكومة، وأعرف أسرار وتفاصيل أستحي أن أذكرها عن هؤلاء المنافقين الكذابين الضالين المضلين.. وعبر رحلتي في مكاتب المجلات والصحف العربية بالقاهرة، ودهاليز الصحف الحزبية والمستقلة المصرية، وأضابير بعض الأحزاب المصرية التي شهدتُ مَوْلد بعضها، واغتيال العديد منها في سيرك السياسة الرهيب.

تأكدتُ أنه في مصر فقط … الشرفاءُ لا يصلحون لشيء!

فالنفاق صناعة مصرية، وتأليه الحكام اختراع مصري، وصناعة الآلهة بدأت على ضفاف النيل منذ فجر التاريخ.

(أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) 52 الزخرف..

(مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) 29 غافر

– عندما كان علماء الآثار يلتفون حول جثة “رمسيس الثاني” في 1898، ويحاولون حل الضمادات من على جثته، انفردت ذراعاه فجأة، وبطريقة جعلت علماء الآثار يهرولون مسرعين خارج الحجرة، ظنا منهم أن الحياة عادت إليه، ومرت الدقائق، ولم يحدث شيء، وعاد إلى العلماء المذعورين، بعض الأمان المفقود، إنه الخوف من الماضي.. من التاريخ.. المرض المزمن الذي عقمت الأيام أن تداويه، ولكن الجبابرة لا يتعظون.

ونعود إلى حكايتنا، وما قاله علماء الآثار، في جثة “رمسيس الثاني” التي أفزعتهم، فقد أجمعوا أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى.. وهناك أدلة قرآنية وعلمية على ذلك.

وعندما غرق هذا الفرعون كما يحكي القرآن الكريم، يقول علماء الآثار: إن كهنة الملك لم يستخرجوا الجثة إلا بعد فترة من غرقه، وكانت ذراعاه قد انفردتا وكأنه يدرأ خطرا.. وهذا ما حدث بالفعل وهو يحاول العوم والنجاة من الغرق، وأثناء التحنيط ضم الكهنة المُحنِّطون، ذراعيه المفرودتين بالقوة إلى جسده.. وعندما حل العلماء بعد آلاف السنين الضمادات من على جسده، عادت ذراعاه إلى حالتها بعد الموت مباشرة، مفرودة تقاوم الخطر.

{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} 92 يونس

ولكن الطغاة الجبابرة لا يتعظون، هم وأذنابهم، وما أدراك ما أذنابهم، فهم الأحقر والأخطر والأشرّ.

ولكن سُنّة الله في الأرض تتجدد كلما ظهر طغاة متألهون؛ ينذرهم أولًا.. ويحذّرهم.. ثم تأتيهم ضربات السماء القاضية.

– فعندما قال قارون {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} القصص78 ، كانت العاقبة {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} القصص 81.

– وقال النمرود {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} 258 البقرة ، فكانت النهاية {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} البقرة 258.

– وقال إبليس {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} 76 ص ، فكانت العاقبة {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} 77 ص.

– وقال صاحب الجنتين {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} 34 الكهف ، فكانت العاقبة {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} 42 الكهف.

– وقال فرعون {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} 24 النازعات ، فكانت العاقبة {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} 40 القصص.

وما زال الطغاة الجبابرة يقولون ويقتلون ويكذبون ويسرقون وينهبون ؛ وإنّـا لعاقـبـتـهم لمـنـتـظرون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى