آراءمقالات

ما أبشعَ الضعف في دنيا القساة!

Latest posts by مجاهد ديرانية (see all)

يرى بعض النقّاد أن أنطون تشيخوف هو أعظم مؤلفي القصص القصيرة في التاريخ، وهو معدودٌ في الطبقة العالية من الأدباء الروس، مات سنة 1904 تاركاً وراءه مئات القصص والمسرحيات، منها قصة “المغفلة” الشهيرة التي نشرها سنة 1883، وقد أُدرجت ضمن المقررات الدراسية في كثير من الدول بلغات شتّى.

هذه القصة ذات المغزى العميق قرأ ترجمتَها العربيةَ كثيرون من القراء العرب ولم يقرأها كثيرون، فلهؤلاء الآخَرين أحببت تقديمها هنا (وقد اقتصر عملي فيها على تحرير النص العربي ومراجعته على الأصل الأجنبي) أنشرها بلا تعليق، فإن في جملة الختام ما يغني عن أي تعليق.

•••

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّيةَ أولادي “يوليا فاسيليفنا” لكي أدفع لها حسابها. قلت لها: اجلسي يا يوليا، هيّا نتحاسب. أنت بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة لدرجة أنك لن تطلبيها بنفسك. حسناً، لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر.

قالت: أربعين.

قلت: لا، بل ثلاثين، هذا مسجل عندي. لقد كنت أدفع دائماً ثلاثين روبلاً للمربّيات.

قالت: حسناً.

قلت: لقد عملتِ لدينا شهرين.

قالت: شهرين وخمسة أيام.

قلت: شهرين بالضبط، هذا مسجل عندي. إذن تستحقين ستين روبلاً. نخصم منها تسعة أيام آحاد، فأنت لم تعلّمي “كوليا” في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط، ثم ثلاثة أيام أعياد…

تضرّج وجه يوليا فاسيليفنا وعبثت أصابعها بأهداب ثوبها، ولكنها لم تنبس بكلمة.

واصلتُ قائلاً: نخصم ثلاثة أعياد، المجموع اثنا عشر روبلاً. وكان كوليا مريضاً أربعة أيام فلم يدرس، كنت تدرّسين “فاريا” فقط. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء. إذن اثنا عشر زائد سبعة، المجموع تسعة عشر. نخصمها فيبقى واحد وأربعون روبلاً. صحيح؟

احمرّت عينا يوليا فاسيليفنا وامتلأت بالدموع وارتعش ذقنها وسعلت بعصبية، ولكنها لم تنبس بكلمة.

قلت: قُبَيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً، فسوف نخصم روبلّين. الفنجان أغلى من ذلك، فهو من إرث العائلة، ولكن فليسامحك الله. وبسبب تقصيرك تسلّق كوليا الشجرة ومزق سترته، نخصم عشرة. وبسبب تقصيرك أيضاً سرقت الخادمة حذاء فاريا، وكان من واجبك أن ترعي كل شيء، فأنت تتقاضين راتبك من أجل ذلك. وهكذا نخصم خمسة روبلات. وفي الشهر الماضي أخذت مني عشرة روبلات…

همست يوليا فاسيليفنا بصوت خافت: لم آخذ!

قلت: لكن هذا مسجَّل عندي.

قالت: حسناً، كما تشاء.

قلت: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين، الباقي أربعة عشر روبلاً.

فاضت عيناها بالدموع، يا للفتاة المسكينة! قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة، أخذت من زوجتك ثلاثة روبلات، لم آخذ غيرها.

قلت: حقاً؟ تصوري أنني لم أسجل ذلك! نخصم ثلاثة من الأربعة عشر، الباقي أحد عشر. ها هي نقودك يا عزيزتي، تفضلي.

قدمت لها أحد عشر روبلاً، فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة وهمست: شكراً.

انتفضتُ واقفاً وأخذت أروح وأجيء في الغرفة وقد بلغ بي الغضب والانفعال أقصاه. سألتها: شكراً على ماذا؟

قالت: على النقود.

قلت: ولكني نهَبْتك، سلبتك! لقد سرقت مالك، فعلامَ تشكرينني؟

قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً.

قلت بانفعال: لم يعطوكِ؟! أليس هذا غريباً؟ لقد أردت أن ألقّنك درساً ولم أكن جاداً. والآن سأعطيك نقودك كاملة، ثمانين روبلاً، ها هي هنا في الظرف، لقد جهزتها لك. ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة لهذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجّين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن أن لا تكوني حادّة الأنياب في هذه الدنيا القاسية؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة لهذه الدرجة؟

ابتسمَت بعجز، فقرأتُ في تعابير وجهها: نعم، يمكن!

اعتذرتُ عن الخدعة القاسية التي عرّضتها لها، وسلّمتها -وهي في غاية الدهشة- الروبلات الثمانين، فشكرتني بخجل وانصرفت.

نظرتُ إليها مُدْبرةً وفكّرتُ: ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا القاسية!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى