تقاريرسلايدر

ماذا قال وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية في ذكرى تفجير الحفار الإسرائيلي؟

 

كتب- أبوبكر أبوالمجد| أرسل اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات العامة الأسبق، رسالة تهنئة من على صفحته الرسمية بـفيسبوك، إلى من أسماهم مجموعات العمل التي شاركت في عملية تفجير الحفار الإسرائيلي (كيتنج)، والذي تواكب ذكرى تفجيره اليوم بحسب اللواء.

وكتب، رشاد، على صفحته: “اليوم ذكري تفجير الحفار الاسرائيلي (كيتنج)، والذي تم التصدي له وتدميره في ابيدجان يوم ٢٨ مارس ١٩٦٨، تخطيطًا وتنفيذًا بمعرفة المخابرأت العامه المصرية، وبالاشتراك مع الصاعقة البحرية، بعد تصديق المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر علي العملية”.

وأضاف، وكيل جهاز المخابرات العامة الأسبق: “بناء علي تقرير معلومات مرفوع لسيادية من الإدارة العسكرية قيادتي، والإدارة الاقتصادية قيادة الوكيل نبيل الشافعي، بهيئة المعلومات والتقديرات بالمخابرات العامة، وبناء قاعدة المعلومات عنه وتحركاته، وتم تحويلها لهيئة العمليات الخاصة للتنفيذ، علمًا بأن الضابط الميداني للعملية، هو المرحوم الوكيل محمد نسيم، مع العلم أيضًا أن هذا الحفار مستأجرًا من شركة كنديه وأبحر من كندا.

ثم ختم منشوره بتحية لزملائه قائلًا: “تحياتي لكل مجموعات العمل التي شاركت في هذه العملية”.

وفي تصريح سابق له، أفاد رشاد، أنه كان له زميل بالمخابرات في الإدارة الاقتصادية في مجموعة إسرائيل يدعى «نبيل الشافعي»، التقط ذات يوم خبرًا خاصًا باستئجار إسرائيل الحفار للحفر في قناة السويس، فبدأت المخابرات على الفور بكتابة مذكرة مشتركة، منبهة خطورة هذا الموضوع وطالبت بضرورة التعرض لهذا الحفار قبل وصوله إلى منطقة خليج السويس.

ولفت، أنه تم رفع مذكرة لرئاسة الجهاز، ثم قامت رئاسة الجهاز برفعها إلى رئاسة الجمهورية، ثم حصلت المخابرات على تصديق من الرئيس جمال عبد الناصر، لمواجهة هذا الحفار ومنعه من الوصول عن طريق تدميره في أي مجال على الساحل الإفريقي، ثم تم البدء في متابعة الحفار، وعندما اكتملت قاعدة المعلومات تم التوجه بها إلى جهاز العمليات الخاص بمواجهة هذا الحفار في الميادين المختلفة.. فنجاح مشروع مثل الحفار الإسرائيلى كان بمثابة استنزاف لكل موارد حقول البترول في خليج السويس، ربما يؤثر بشكل كامل في مخزون البترول الموجود في الخليج، حيث يعتبر هذا المخزون جزءًا من الأمن الاقتصادي الذي هو بالضرورة جزء من الأمن القومي.

جدير بالذكر أن اللواء محمد رشاد، هو وكيل جهاز المخابرات العامة الأسبق ورئيس ملف الشؤون العسكرية الإسرائيلية في الجهاز منذ حرب الاستنزاف حتى توقيع معاهدة السلام في كامب ديفيد.

حكاية الحفار

في نهاية عام 1969.. وبعد عامين من نكسة 1967، أعلنت إسرائيل عن عزمها التنقيب عن بترول سيناء، وقامت بالفعل باستئجار حفار كندي لهذه المهمة.

الحفار وإن كان سيقوم بمهمة اقتصادية للمحتل وقتئذ؛ غير أن في الإتيان به والتنقيب عن بترول مصر يحمل دلالة سياسية كبرى، باستقرار الوضع للمحتل وإذلاله لمصر، وإظهارها أمام العالم بمظهر العاجز عن حماية أرضه وموارده الطبيعية، والضغط علي مصر من ناحية أخري للتخلي عن دورها الريادي في مناصرة القضية الفلسطينية.

وصلت المعلومة إلي المخابرات الحربية بوجود حفار بالفعل واسمه كينتنج 1 ، وأنه يعبر المحيط الأطلنطي في طريقه للساحل الغربي لإفريقيا، ليتوقف في أحد موانيها للتزود بالوقود، ثم اتخاذ طريقه إلي الجنوب ليدور حول القارة الإفريقية ويتجه إلي البحر الأحمر ثم إلي خليج السويس.

وكان القرار من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتدمير الحفار قبل وصوله إلي خليج السويس أيا كان الثمن وبأية وسيلة.
وكان لابد من التحرك الفوري لمعرفة الميناء الذي سيتجه إليها الحفار للعثور عليه وتدميره، وكانت المشكلة أن تدمير الحفار سيثير أزمات سياسية مع أكثر من دولة، فالحفار قامت ببناؤه شركة إنجليزية، وتملكه شركة أمريكية، ومؤجر لإسرائيل، وتقوم بسحبه في مياه المحيط قاطرة هولندية، والمفروض أن يتم تدميره في ميناء إفريقي! أي أن إسرائيل خططت لكي يكون الحفار إنجليزي أمريكي هولندي إسرائيلي! ولكن كان القرار قد اتخذ بالفعل وكان لابد من تدمير الحفار أياً كان الثمن.

عملية تدمير الحفار كانت من أروع وأعظم العمليات التي تمت من خلال سيمفونية رائعة الجمال تم عزفها بتناغم وانسجام جميل بين كل من المخابرات العامة والمخابرات الحربية والقوات البحرية ووزارة الخارجية، عملية متكاملة أدي فيها كل شخص دوره علي أكمل وأجمل ما يكون.

روى العقيد متقاعد أنور عطية، قائد عملية تدمير الحفار الإسرائيلي كينتنج 1، أنه في نهاية عام 1969 كان برتبة رائد بالمخابرات الحربية ومسئولًا عن البحرية الإسرائيلية في فرع المعلومات، ووصلت له معلومة أن إسرائيل قامت باستئجار حفار بترول من شركة أمريكية ليقوم بالتنقيب عن البترول المصري في خليج السويس، وأن هذا الحفار يعبر المحيط الأطلنطي في طريقه إلي الساحل الغربي لإفريقيا، وبدأ يتتبع أخبار هذا الحفار حتي علم أنه قد رسا بميناء “دكار” بالسنغال، وأن هذا الحفار تقوم بسحبه قاطرة هولندية.

علي الفور أبلغ عطية، اللواء محرز.. مدير المخبرات الحربية وقتها والذي أمره أن يذهب لإلقاء محاضرة عن الحفارات البحرية في هيئة الخدمة السرية بالمخابرات العامة، وحينما ذهب اكتشف أنها لم تكن محاضرة، ولكنه اجتماعًا علي أعلي درجة من السرية، وكان يضم رئيس هيئة الخدمة السرية في المخابرات العامة ورئيس هيئة المعلومات والتقديرات وأحد ضباط المخابرات الحربية، وكان متخصصًا في أعمال النسف والتدمير.

بعد التعارف بدأ رئيس هيئة المعلومات والتقديرات في افتتاح الاجتماع، وقال تقرر التعامل مع الحفار كينتنج 1، الموجود في دكار، وسألني رئيس هيئة الخدمة السرية ما هي خطة المخابرات الحربية، فقلت له إني غير جاهز بالخطة الآن، وأن لي تحفظًا علي تدمير الحفار في هذا لوقت، وفي هذا المكان (وكنا وقتها في شهر يناير 1970)، وشرحت له وجهة نظري، وهي أننا سنستكمل دفاعنا الجوي في شهر مارس عام 1970، وأننا حاليًا غير قادرين علي استيعاب رد فعل إسرائيل للتصعيد البترولي، كما أننا في غني عن استعداء دول أخري مثل السنغال وهولندا مالكة القاطرة.

وبحسب، العقيد متقاعد أنور عطية، قال له رئيس هيئة المعلومات، إن تدمير الحفار قد تقرر علي المستوي الأعلى ومطلوب خطة المخابرات الحربية لتدميره، فرجع عطية لإدارته وقابل مدير المخابرات الحربية، وروى له ما حدث، ووافقه علي ما قاله وبدأ بعدها في التخطيط لعملية التدمير.

خطط متعددة

كان لابد من وضع عدد من الخطط لتدمير الحفار كي يتم ضمان نجاح العملية، فإذا فشلت خطة يتم الانتقال للخطة التالية، والخطط كانت تعتمد علي التعاون والتنسيق الكامل بين المخابرات الحربية والمخابرات العامة، والضفادع البشرية ووزارة الخارجية.

كانت الخطة الأولي هي أن يتم اختيار مجموعة من الضفادع البشرية، والاستعانة بألغام قامت بتطويرها القوات البحرية المصرية بإضافة ساعة توقيت لها علي أن تسافر مجموعة التنفيذ تحت سواتر مختلفة، وكل فرد فيها يسافر بصفة تختلف عن الآخر، ويتم التسلل إلي الميناء الموجود به الحفار، ويتم وضع الألغام تحت جسم الحفار لتفجيره، والخطة كانت تعتبر بدائية جدًا وساذجة؛ ولكنها هي التي نفذت.

وقام عطية، بوضع ثلاث خطط أخري بديلة للخطة الأولي في حالة فشلها. وكانت الخطة الثانية هي القيام باستدعاء أحد سفن الصيد المصرية من أعالي البحار وتضع عليها طاقم الضفادع البشرية والألغام ويتم تتبع الحفار لاسلكيًا في المحيط وحينما يدخل أي ميناء يدخلوا وراءه ويتم تلغيمه وتدميره.

وكانت الخطة الثالثة هي أن استئجار يخت في الميناء الموجود بها الحفار وإقامة حفلة ماجنة فوق اليخت، وأثناء الحفلة ينزل أفراد الضفادع لتلغيم الحفار ثم يرحلون باليخت.

أما الخطة الرابعة فتقرر تنفيذها في حالة هروب الحفار، وهي أن يتم ضرب الحفار بالمدافع في الآر – بي – جي عند دخوله البحر الأحمر، وكان لدى الصاعقة البحرية والضفادع البشرية أفرادًا مدربين علي هذه المدافع تدريبًا عاليًا جدًا، وكان المقرر أن تُحمل المدافع علي قوارب الزود ياك.

وأضاف رئيس هيئة المعلومات والتقديرات خطة خامسة وهي أن تخرج طائرة مصرية تتمركز في ميناء عدن ويتم ضرب الحفار بالطيران في حالة هروبه من كل المراحل السابقة.

والمخابرات العامة المصرية في هذه العملية لعبت دورًا عظيمًا لا يستطيع أي شخص أن ينكره، وفي كل مراحل العملية كان هذا الدور بارزًا .

لم يكن لدى العقيد متقاعد أنور عطية، معلومات متوفرة عن هذه الحفارات وهيكلها، وبناؤها فخطرت له فكرة وقام بتنفيذها علي الفور فارتدى الزي العسكري، وذهب إلي المهندس علي والي، رئيس هيئة البترول في ذلك الوقت وقلت له إني مهندس بحري وأعد رسالة ماجستير عن بناء السفن وينقصني جزء خاص بالحفارات البحرية وليس لدي أي فكرة عنها، فساعده في الحصول علي كل المعلومات التي أرادها ليس عن الحفارات البحرية فقط؛ بل عن الحفار كينتنج 1 الذي يبحث عنه، والعجيب، بحسب عطية، أن من أمده بتلك المعلومات هو شخص “أمريكي الجنسية”! فقد اتصل المهندس علي والي، وهو جالس معه بمدير شركة “إسو” للبترول بالقاهرة، وكان أمريكي الجنسية وطلب منه أن يساعد عطية فيما يطلبه، وذهب له بالفعل وأدخله إلي مكتبته فوجد كتابًا عن كل الحفارات الموجودة بجميع أنحاء العالم ومنها الحفار (كنيتنج 1) بمواصفاته ومقاساته وصوره.

وبدأ عطية، بعد ذلك في جمع المعلومات عن المناطق التي يتوقع أن يتواجد فيها الحفار، فتوجه إلي مكتبة القوات البحرية بالإسكندرية، وجمع معلومات عن منطقة الساحل الإفريقي الغربي بأكمله بكل موانيه وجغرافيته والتيارات البحرية فيها والأعماق وكل شيء حتي العملة السائدة واقتصادها.

وبدأ في حساب الوقت الذي يمكن أن تستغرقه القاطرة والحفار حتي تصل لأقرب ميناء، وقدر أن القاطرة لن تسير بسرعة أكثر من 1.8 كم في الساعة لأنها تسحب وراءها حفارًا ضخمًا وكان هذا هو توقعه وتقديره.

تدمير الحفار

بدأ العقيد عطية، مع النقيب فتحي أبو طالب المتخصص في النسف والتدمير وضع خطة تدمير الحفار وتلغيمه، وقرر النقيب فتحي وضع لغم علي كل رأس مثلث من رؤس الحفار، ووضع لغم رابع تحت البريمة؛ لكن عارضه عطية، وقال له: “لو أننا وضعنا ثلاثة ألغام علي نفس الخط ووضعنا اللغم الرابع في المنتصف فسوف يساعد ذلك في انقلاب الحفار علي أحد جوانبه وهذا ما نريده، ووافقه فتحي أبو طالب علي ذلك.

وبدأ عطية في خطوة من أهم خطوات العملية وهي اختيار الرجال الذين سيقومون بتدمير الحفار من رجال الضفادع البشرية، وأدوات التنفيذ من ألغام ومواد متفجرة.

وبدأ يذهب إلي لواء الضفادع البشرية، وهو الذي كان واحد منهم حتي عام 1967 قبل عمله بالمخابرات الحربية، وعلم أن الضفادع البشرية من شدة حرصهم علي مصر يحاولون تطوير نوع من الألغام كان موجودًا بمصر منذ فترة وكان اللغم يحتوي علي 16 كيلوجرام من مادة T.N.T المفجرة وكانوا يحاولون إضافة ساعة له، وعلم أن لديهم أربعة ألغام تم تجهيزها بالفعل وبدأ في اختيار الرجال.

معيار الاختيار

كان من المقرر أن يختار ستة من ضباط الضفادع البشرية، وبدأ أولاً في اختيار قائد الضفادع، ووقع اختياره علي الرائد (خليفة جودت)، وهذا الرجل كان بطلًا بكل ما في الكلمة من معني، وكان أستاذه وقت أن كان يعمل في الضفادع البشرية، وذهب له في منزله وسأله عن أخباره، فقال له أنه لم يخرج في عمليات منذ فترة لأن يده كانت في الجبس، فقال له لو جاءت لك عملية غدًا هل تخرج فيها، فكان رده أن مد يده ونزع الجبس عن يده الأخري، وقال: “أذهب فورًا، وبدون تردد”، فطلب منه أن يقسم علي المصحف علي ألا يعلم إنسانًا بهذا الموضوع، وقد اختار خليفة جودت، لأنه كان شخصية فذة، بالإضافة إلي أنه شارك في تطوير الألغام التي تحدث عنها وذهب بعدها للواء محمود فهمي، قائد القوات البحرية وقتها، وأبلغه بالمهمة، وسلمه خطاب اللواء محرز، الذي يطلب منه فيه ستة ضباط؛ ولكن اللواء محمود فهمي أصر علي أن يقوم بالمهمة ثلاثة ضباط وثلاثة جنود.

تنفيذ العملية

بعد اختيار مجموعة التنفيذ تم الانتقال إلى القاهرة ووضعهم في منزل آمن لحين تنفيذ العملية، وبدأ عطية في تلقينهم الأسماء الجديدة التي اختيرت لكل منهم والشخصية التي سينتحلها عند سفره، وكان منهم من كان سيسافر علي أنه مستشار بالخارجية ومنهم من سيسافر علي أنه من مؤسسة دعم السينما وذاهب إلي تلك الدولة لتصوير فيلم سينمائي مصري، واثنان منهم كمدرسين، ومنهم من انتحل صفة موظف بشركة النصر للتصدير والاستيراد، وظلوا في البيت الآمن لمدة ستة أيام عاشوا فيها وتعاملوا بشخصياتهم الجديدة، وكان معه السيد محمد نسيم والسيد أحمد هلال من المخابرات العامة، يتعاملوا معهم علي أساس شخصياتهم الجديدة، وكان من المقرر أن يحملوا معهم أربعة ألغام وستة أجهزة تفجير من القاهرة إلي دكار مع الوقوف ترانزيت بمطار امستردام لعدم وجود خطوط طيران مباشرة بين القاهرة والدول الإفريقية.

كان العقيد عطية، من سيحمل الألغام علي أن يسافر الباقون علي دفعات، ويسبق إلي دكار محمد نسيم وأحمد هلال.

نقل الألغام

كانت هذه النقطة هي أخطر ما في العملية، فالألغام داخل كل واحد منها 16 كيلوجرام من مادة T.N.T وهي أربعة وكان معي ستة أجهزة تفجير (أقلام تفجير) وهي حساسة جدًا يمكن أن تنفجر من أي احتكاك، بالإضافة إلي ملابس الضفادع البشرية، وهنا يأتي دور المخابرات العامة التي وضعت الألغام والملابس والمعدات في حقائب قامت بتغطية الألغام بمادة تمنع أي أجهزة للكشف عن الحقائب من كشف ما بداخل الحقيبة ووضعت أقلام التفجير داخل علبة أقلام أنيقة جدًا داخل جيب الجاكيت الذي ارتداه عطية، ووضعت في جيبه الآخر كتاب الله. وصل العقيد عطية، إلي دكار ومعه المتفجرات وفوجئ بمحمد نسيم يستقبله في المطار ويقول له إن الحفار غادر دكار، وكانت صدمته لا توصف.

وتقرر عودته إلي مصر مرة أخري في اليوم التالي ومعه الألغام، ولسوء الحظ في هذا اليوم حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان، فقد تم تفجير طائرة تابعة للخطوط الجوية الألمانية ومات فيها 137 فرد واتهم فيها العرب خاصة أن تلك الفترة كانت المقاومة الفلسطينية تقوم بعمليات اختطاف وتفجير للطائرات، وبالطبع تكون شعور عام معادي جدًا لكل من هو عربي، وكان المقرر أن أسافر من دكار إلي فرانكفورت، ومنها إلي القاهرة؛ ولكن لسوء الحظ وصلت خطابات تهديد لمكتب مصر للطيران بفرانكفورت بنسف المكتب وأغلق المكتب في ذلك اليوم وألغيت رحلة فرانكفورت القاهرة.

كان عطية، قد وصل بالفعل إلي فرانكفورت، وفوجئ بعدم وجود رحلة طيران، ولم يكن لمصر في ألمانيا وقتها تمثل دبلوماسي، فظل واقفًا بالمطار بجوار الحقائب حتى تأتي طائرة مسافرة لأي دولة لمصر فيها ممثلية دبلوماسية، وكانت المخابرات العامة قد منحته تذكرة مفتوحة لأي مكان بالعالم، وكان من الممكن أن يذهب لأي فندق بالمدينة؛ ولكن خوفه علي الألغام ربطه بأرض المطار حتى لاحظ أحد جنود المطار وقفته فاقترب منه في شك وقال له أنك تقف هنا منذ فترة طويلة وهذا ممنوع، فإما أن تستقبل أحد أو تودع أحد وترحل خارج المطار، فأجابه أنه من دولة ليس لها تمثيل دبلوماسي في ألمانيا، وأنه يحمل أوراقًا هامة جدًا للخارجية المصرية، وأن مصر في حالة حرب مع إسرائيل، وأنه لديه حجز في فندق خمس نجوم؛ لكنه لا يستطيع أن يغادر المطار ومعه الأوراق لأنه يخاف أن يضربه أحد علي رأسه وتضيع الأوراق، فسأله الضابط وما الحل؟

وكان لا بد من التصرف بسرعة للخروج من هذا المأزق، فقال له هناك أحد حلين، إما أن تدعوني إلي فنجان من القهوة في مكتبك حتى تصل أية طائرة تابعة لأي دولة لنا فيها تمثل دبلوماسي لأسافر عليها أو أن تطردني خارج المطار فيضربني أي شخص وتضيع الأوراق، فقال الضابط، أنا لا أستطيع دعوتك في مكتبي لأن ذلك ممنوع، وذهب لإجراء اتصال برؤسائه، ثم عاد وأبلغه أنه حصل علي موافقة بأن يظل تحت حراستهم في كافيتريا المطار حتي الصباح.

وظل بالفعل في الكافتيريا حتى حان موعد قيام طائرة من فرانكفورت لأثينا فركبها ونزلت بمطار أثينا وكانت تنتظره هناك مفاجأة غير سارة، فبعد ثلث ساعة من وصوله وجدهم يعلنون عن وصول طائرة شركة العال الإسرائيلية، فانزعج وخشي أن يحدث عن طريق الخطأ أو الصدفة أو العمد أن تذهب حقيبة من الحقائب لطائرة العال، فقرر أن يذهب لمخزن العفش ويجمع الحقائب ويجلس وسطهم، وهذا كان ممنوعًا فأعطى حارس المخزن مبلغ من المال ودخل وجلس بالفعل بين الحقائب، ويبدو أنه قد غفا قليلًا ففوجيء بعدها بشخص يضربه علي وجهه وبمسدس يوضع في جانبه فاستيقظ مفزوعًا ووجد حارس المخزن يقول له أنهم رجال مخابرات، وذكر لهم أنه سمح له بالدخول لأهمية الأوراق التي يحملها فسألوه هل تتصور أننا لن نستطيع حماية حقائبك؟ فقال لهم أنه يعلم أنهم يستطيعون أن يحموه وحقائبه؛ لكنه رجاه أن يتركه حتى يصعد لطائرة القاهرة، وقد كان وظل معه شخصان حتى صعدت الطائرة.

عقد اجتماع في المخابرات العامة وسألوه أين يتوقع أن يجدوا الحفار، فأحضر عطية خريطة بحرية، وقام بحساب سرعة الحفار واقترح مكان معين، فتقرر أن يبدأ البحث من شمال إفريقيا متجهًا للجنوب في كل الموانيء، وأن يبدأ محمد نسيم البحث من الجنوب للشمال حتى يتم إيجاد الحفار.

وبدأ البحث وسافر عطية، علي أنه مستشار بالخارجية، وكان لابد له أن يدخل كل الحانات ويتعرف علي كل الناس ويقيم علاقات معهم حتى أنه في أحد المرات تعرف علي مدير الحركة في ميناء فري تاون ودعاه لمكتبه وذهب ورأى السفن الموجودة بالميناء، ولم يجد بينها الحفار، وفي مرة أخري ذهب لأحد الموانيء وقال أنه مندوب لشركة مصايد أعالي البحار ويبحث عن ميناء لتدخل فيه سفنها فكانوا يجعلوه يري الميناء بكل مناطقه.

رجال الخارجية

وصل عطية إلي لاجوس، وكان هناك السفير (كمال زادة)، ويبدو أنه شعر بأن عطية مكلف بمهمة ذات طبيعة خاصة، (وكانت المعلومات هي ألا يعطي السفير أي معلومات عن المهمة إلا إذا وجد الحفار وكان سينفذ بالفعل) وتعامل معه السفير كمال زادة بعطف وتعاون شديد ودعاه إلي الغذاء في منزله وأثناء جلوسه في تراس كبير يطل علي المحيط قال لزوجته بطريقة لطيفة جداً هل تذكري الصورة التي صورناها لسفينة شكلها غريب جدًا، فأحضرت زوجته الصورة ووجدها الحفار، وكان هذا الرجل يأخذه للميناء ليراها من الداخل، وكان يريد أن يساعده دون أن يشعره بذلك، وهو لا يستطيع أن ينكر الدور الذي لعبته وزارة الخارجية ورجالها في العملية.

انتقلت بعد ذلك إلي (ابيدجان) بساحل العاج ووجد هناك السفير (إحسان طلعت) ولحسن حظ عطية كان قبل عمله بالخارجية يعمل كضابط بحري وكان هو الضابط الإداري لهم في الكلية البحرية، وكان يعرف عطية جيدًا، وحينما دخل إليه قال له إنه المستشار فلان، فرحب به، ولم يظهر أنه يعلم مهمته الحقيقية، وخرج للبحث عن الحفار، وأخيرًا وجده موجودًا بميناء أبيدجان، فكشف للسفير عن شخصيته الحقيقية، وأوضح له طبيعة المهمة، فرحب به وسأله عن أخباره وأخبار أصدقائه المشتركين بينهم، وقال له إني أبحث عن السيد محمد نسيم، فقال له محمد نسيم وصل قبله، ومقيم في أحد الفنادق، فاتصل به، فحضر، وكان معه خليفة جودت، وكانت وجهة نظره أن يقوموا بتفجير الحفار في نفس اليوم؛ لأن هذا اليوم بالتحديد كان يزور أبيدجان (آلان شبرد) رائد الفضاء الأمريكي، وبالتالي سيكون جزء كبير من أفراد الشرطة مشغولين في التشريفة والاحتفال به.

وكانت هناك 3 مجموعات من أفراد العملية قد وصلوا بالفعل إلي أبيدجان ومعهم الألغام بعد أن استدعاهم محمد نسيم، وتبقت مجموعة واحدة في مصر، وجمعتم كلهم في فندق وقرروا العمل قبل أن يرحل الحفار، وأقاموا حفلة ماجنة وأحضروا خمورًا وسيدات في الحفل للتمويه علي العمل، وأبلغ عطية المجموعة أن المهمة ستتم اليوم.

تفجير الحفار

وبدأوا في تجهيز الألغام وطلب عطية من خليفة جودت، أن يكون هو نقطة الإلتقاط، وهي أكثر نقطة معرضة للخطر في العملية؛ لأنها تقوم بإنزال الضفادع وتنتظرهم وتلتقطهم، فرفض خليفة تمامًا وأصر أن يكون نقطة الالتقاط، وكان قبل التنفيذ قد طلب من السفير إحسان طلعت، أن يخلي المكان ليقوموا بدفن الألغام وملابس الضفادع ومعدات الغوص في حديقة السفارة حتى يبدأوا العمل، وطلب منه أن يرشح له من عنده شخص ذو ثقة ليذهب إلي المطار لانتظار الطائرة القادمة من القاهرة وعليها الفردين الآخرين من أفراد العملية ليبلغهم بضرورة السفر إلي باريس وانتظارهم هناك لأنهم لن يلحقوا بهم قبل تنفيذ العملية لأنهم كانوا سيصلوا في الفجر وكان قد تقرر التنفيذ في الفجر والاكتفاء بالأفراد الذين معه وبالألغام الثلاثة التي أحضروها.

وبدأوا التنفيذ بعد تجهيز الألغام وذهبوا إلي الميناء في سيارة ومعهم الألغام في الساعة الخامسة فجر يوم 7 مارس 1970 وكان الضفادع يرتدون ملابس الغوص وفوقها الملابس المدنية وبدءوا في النزول إلي المياه للسباحة حتى مكان الحفار وقاموا بتلغيمه وضبط توقيت الانفجار علي الساعة الثامنة صباحاً وكان محمد نسيم قد قام بالحجز لهم علي الطائرة التي تغادر أبيدجان في الساعة الثامنة والثلث ليضمن سفرهم قبل أن ينتبه أحد إليهم وقبل غلق المطار.

وكان المفترض أن يظل أعطية وخليفة علي رصيف الميناء في مكانين متباعدين حتى يرجع الرجال وكان خليفة يمسك في يده ببطارية ليوجه ضوء يهتدي علي أثره الرجال إلي طريق العودة.

وأنهي الرجال المهمة وعند عودتهم فوجئوا بما جعلهم يسرعون للتصرف ما أمكن.

فعلي بعد 30 متر فوجئ خليفة بضوء أقوي من الضوء الذي بوجهه هو إلي الماء وكان هذا الضوء يتوجه إلي الماء والضفادع تتجه إليه وكان خليفة أكثر شجاعة ورباطة منه فأخذ في التسلل ببطء حتى وصل إلي مصدر الضوء فوجد أحد المواطنين يقوم بقضاء حاجته في ذلك المكان، وفوجئ الرجل بأشياء تتحرك في الماء، فوجه لها ضوء بطاريته ليري ماذا يتحرك، فوضع خليفة بسرعة خنجره في جانب الرجل وقام بخبطه علي كتفه وقام بعمل صفارة الضفادع ليعودوا للشاطئ بسرعة وعادوا بالفعل وأسرعوا إلي السيارة واتجهوا إلي السفارة ومنها للفندق لتغير ملابسهم واتجهوا علي الفور إلي المطار.

وذهبوا للمطار وحضر نسيم لتوديعهم وأشار لهم من بعيد ولوح لهم بثلاثة أصابع من يده ليقول لهم أن الألغام الثلاثة قد انفجرت وكانت فرحتهم في تلك اللحظة لا توصف!

واتجهوا إلي باريس وتقابلوا مع عادل السحراوي، ومن معه وعادوا للقاهرة وبعدها أرسلت المخابرات مجموعة منهم خليفة جودت لكي يروا الحفار لأنه لم يغرق غرقًا كاملًا ولكي يكملوا العملية إذا كانت تحتاج للإكمال فوجدوا الحفار موجودًا بالحوض الجاف يباع علي أنه خردة.

وبعد فترة كتب محمد حسنين هيكل في الأهرام خبرًا يقول فيه أن هناك حفار إسرائيلي تم تفجيره في أبيدجان وأن أصابع الاتهام تشير إلي الضفادع المصرية ولا أحد يستطيع القيام بهذه العمليات طويلة المدى إلا الضفادع البشرية المصرية. ولكن الاتهام كان بلا أي دليل يؤكده وتم تكريم أبطال العملية بعدها.

اقرأ المزيد

زيارة رئيس المخابرات البريطانية أهم عناوين صحف القاهرة

الكونجرس يمهل المخابرات الأمريكية شهرًا للكشف عن قتلة خاشقجي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى