آراءمقالات

لماذا ينجح الموساد؟

Latest posts by د. صالح النعامي (see all)

تباهى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو مساء الاثنين الماضي بما أسماه “الانجاز الهائل” الذي تمثل في تمكن جهاز الموساد في جلب الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران إلى إسرائيل، لكي يمثل دليلا على أن القيادة الإيرانية ضللت العالم بشأن طابع برنامجها النووي.

على الرغم من حرص نتنياهو المعهود على المبالغة، فإنه لا خلاف على أن ما فعله الموساد يعد بالفعل إنجازا استخباراتيا عملياتيا كبيرا.

لكن السؤال الذي يتوجب أن يطرح هنا: هل كان لجهاز الموساد ليحقق ما خطط له في أي ظرف وبمعزل عن طابع الدولة التي كانت مسرحا لعملياته؟

الإجابة بكل تأكيد بالنفي. فنجاحات الموساد لا تتوقف على قدراته وخبراته الذاتية، بقدر ما يتعلق الأمر بنجاحه على استغلال الثغرات لدى الطرف الآخر.

ومن الواضح أن أكبر ثغرة تسمح للموساد بالعمل تتمثل في ضعف المنظومة الأمنية في البلد الذي يعمل فيه.

فعلى سبيل المثال، بالنسبة لعملية السيطرة على الأرشيف النووي الإيراني، فإنه يرجح بأن هناك العشرات من عناصر الموساد قد شاركوا بهذا الدور أو ذاك في تنفيذ العملية، سواء على صعيد البحث والرصد والمراقبة، والاقتحام والنقل، وتأمين المتطلبات اللوجستية وغيرها من مهام.

فعندما يتمكن هذا العدد الكبير نسبيا من عناصر مخابرات دولة عدو للعمل بهذه الحرية، فإن هذا يفصح فقط عن مظاهر قصور الجهاز الأمني الإيراني.

فمن الواضح أن الموساد لم يكن له ليقتحم الأرشيف النووي الإيراني لو كانت هناك حماية أمنية مناسبة. فلا يعقل أن تكون مؤسسة على هذا النحو من الأهمية بدون حماية وتأمين كافيين.

إلى جانب ذلك، فإن من الواضح أن الموساد استغل حالة ترهل أمني كبير داخل إيران، حيث إن هذا العدد الكبير من رجالات الموساد يعتمد في وجوده داخل إيران على شقق سرية للإقامة ووسائط نقل وغيرها من الأدوات.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن عمليات الموساد داخل إيران باتت جلية وواضحة منذ عقد من الزمان، حيث تم اغتيال عدد من علماء الذرة الإيرانيين، وتم تفجير الكثير من مستودعات السلاح وتم استهداف طائرات؛ الأمر الذي كان يفرض على السلطات الإيرانية استخلاص العبر عن مواطن الخلل.

صحيح أن عناصر الموساد يتحركون في إيران عبر انتحال شخصيات مزيفة وتحت واجهات مهنية مختلف، وباستخدام جوازات سفر مزورة يصعب اكتشافها. لكن هذا يوجب الاستعداد والاستنفار لمواجهة هذه الوسائل، ولا سيما عندما يكون قد مضى وقت طويل على استخدامها.

فعلى سبيل المثال، يقيم الموساد شركات تجارية وهمية تسمح لعناصره بالتحرك داخل دول العدو على اعتبار أنهم يمثلون هذه الشركات. وهذه الطريقة ظل يستخدمها الموساد منذ خمسينيات القرن الماضي.

من هنا، فلو أقدمت السلطات في إيران وفي غيرها من البلدان التي يعمل فيها الموساد بالتحقق من هوية الأشخاص والجهات التي تقدم نفسها على أنها تمثل شركات تجارية والحصول على كل التفاصيل المتعلقة بها وتوظيف الجهاز الدبلوماسي الإيراني في الخارج في التحقق في هوية هذه الشركات، لما كان بالإمكان للموساد أن ينجح على هذا النحو.

وبالمناسبة ثبت أن الموساد يلجأ إلى وسائل أشد تعقيدا تتمثل في أن بعض رجال الأعمال اليهود الأمريكيين والأوروبيين والأستراليين يسمحون لعناصر الموساد بالاندماج نظريا في شركاتهم، التي تعمل في العالمين العربي والإسلامي، من أجل تحسين قدراتهم على تنفيذ العمليات.

ومن الواضح أن هناك قصورا إيرانيا في مواجهة مكافحة التجسس، حيث إن كل المؤشرات على أن شعبة تجنيد العملاء في الموساد المعروفة بـ “تسوميت” تحقق انجازات كبيرة في مجال تجنيد الإيرانيين، ولا سيما أولئك بعض الكفاءات التي تتواجد في الخارج.

صحيح أن كل الدول يمكن أن تكون عرضة لاختراقات من هذا القبيل، حيث عادة ما يكون هناك مجموعة من الناس مستعدة للتعاون مع المخابرات الأجنبية لهذا السبب أو ذاك، لكن هناك الكثير مما يمكن عمله لتقليص الأضرار الناجمة عن تجنيد العملاء.

وبالمناسبة، ما ينطبق على إيران ينطبق على ماليزيا وعلى تونس وغيرها من الدول التي عمل فيها الموساد.

قصارى القول: نجاحات الموساد نتاج قصور الآخرين.

  • السبيل الأردنية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى