آراءمقالات

لماذا يستظل الاستبداد بحماية خارجية؟!

Latest posts by د. سعيد إسماعيل علي (see all)

في مختلف التجارب في الحكم، في عديد من البلدان، وعبر حقب التاريخ المتعددة، مع استثناءات قليلة، يشعر الاستبداد ببرودة انعدام الشعبية الحقيقية، مهما تواجدت مظاهر تأييد، وتعددت صيحات مؤازرة، إذ يشعر المستبد في قرارة نفسه، أن هذا التأييد وتلك المؤازرة يظللهما زيف قح، وقناع نفاق مخز، وأنه لولا القهر واستخدام العنف المفرط في مواجهة المعارضين، لذهب الحكم والنظام أدراج الرياح..

 

ومن ناحية أخرى فإن قوى الهيمنة الإمبريالية الكبرى، إذ تدرك أن الاستعمار بشكله التقليدي الذي يتبدى في احتلال عسكري، وهيمنة سياسية مباشرة، وتحكم اقتصادي علني، قد ولّى زمانه، وأصبح هناك ما يشبه ما توصل إليه التربويون من صيغة تعليم ” من بعد”، لإتاحة فرصة التعليم للفئات التي تحول ظروفها بينها وبين التعلم المباشر، أصبحت هذه القوى تعي تزايد وعى الشعوب ورفضها الصور التقليدية للامبريالية، فكان التعدد والتنوع في أشكال الهيمنة ، والتسيير من خارج، في الطريق إلى تعزيز الهيمنة..

 

هنا تتلاقى الرغبتان: قوى الاستبداد في الداخل، وقوى التحكم والهيمنة في الخارج..وفي أشكال التحكم من خارج ما يحتاج إلى صفحات طويلة لبيانها وتفصيلها، لكن تكفينا إشارة إلى مجال واحد ..

 

فعندما تشعر قوى الامبريالية الجديدة بعجزها عن التحكم المباشر في نظام، ترفع “كارت حقوق الإنسان” -مثلا- والذي هو بالتأكيد حقيقي ومؤلم ، لكنها لا تهتم بالقدر نفسه بمثل هذه الحقوق، عندما يكون النظام المستبد طيعا لها، ممتثلا لما يعزز سيادة هذه القوى، بغير جيوش احتلال، ذلك أن مثل هذه القوى لا تؤمن في الحقيقة بمطلق حقوق الإنسان، بل ترى أن من هم خارجها من مواطني العالم الفقير، والمتأخر، غير مستحقى هذه الحقوق، ولا غرابة في ذلك، فبذور الحضارة الغربية، التي تمثلت في أثينا القديمة، كانت ترى أن الأحرار فقط ، هم الذين يستحقون ممارسة هذه الحقوق ، وهم موطنو أثينا الأحرار، أما غيرهم فهم عبيد..

 

ونموذج هذا الاتجاه في زمننا المعاصر، أن تكثر المؤشرات ، والدلائل، المصورة ، والمؤكدة لحالات سجن واعتقال وتعذيب وقتل بغير حق ، ومع ذلك يتغافلون عنها، ويُظهرون تصديقهم لما تردده النظم المستبدة، بأن ما يقال بهذا الشأن، إشاعات، وترويج لقوى معادية للوطن، وحرب لا هوادة فيها على الإرهاب، وهم أول ما يعلم كذب كثير من ادعاءات الاستبداد، لكنهم يستثمرون هذا في ” كسر عين” المستبدين، وإلزامهم ب” سماع الكلام” …وإلا ؟؟

 

ولعل ما صرح به زعيم قوى الامبريالية المعاصرة علنا، (ترامب) ، وبوضوح ” فاقع” يندى له الجبين، من أنهم يحمون نظما ، وعليهم أن يدفعوا..؟!! وأذيع هذا عدة مرات ، دون تكذيب من المصدر المعنية.

 

ويتبدى الدفع في صورة مهمة شهيرة ، وهى دفع أموال طائلة لشراء الأسلحة من الدول الكبرى، وفي مقدمتها أمريكا، خاصة أن هذه الدول، لم تعد تتهيأ لأي احتمال حروب بينها، فبانهيار منظومة ما كان يسمى بالدول الاشتراكية، فضلا عما يسمى “توازن الرعب النووي”، أبعد شبح التحارب بينها، وفي الوقت نفسه ، فهناك مئات الألوف ، وربما ملايين من مواطني هذه الدول الكبرى، يعيشون على وجود هذه الصناعات الحربية، التي تحتاج إلى تسويق خارجي، لتستمر عجلة الإنتاج وتدفع بالمليارات في شرايين الاقتصاد..

 

هنا يتقدم ممثلو الاستبداد بدفع مليارات لشراء الأسلحة، يقتلون بها بعضهم بعضا، من خلال نزاعات يختلقها لهم الشيطان الأعظم، مثل تشكيلات تبدت في ” القاعدة، و” داعش “…وأمثالهما ، وكذلك يرهبون بها مواطنيهم..

 

وهكذا يستمر تدفق دم الحياة للاستبداد، الذي قد يتمثل في نظم حكم في دول ما عُرف بالعالم الثالث، وتستمر تجارة السلاح في دول التحكم والهيمنة.. ويستمر قهر شعوب ابتليت بسرطان الاستبداد..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى