آراءمقالات

لماذا لم يعد التعليم أداة للحراك الاجتماعي؟

Latest posts by د. سعيد إسماعيل علي (see all)

عندما طرق (على مبارك) -أبو التعليم الحديث في مصر- باب داره في الدقهلية في عهد محمد على، بعد غياب طويل، قضاه في التعليم، بالداخل المصري، وخارجه، فوجئ أهله، الذين كانوا من الفقراء، بإنسان لم يعرفوه لأول وهلة، فالواقف، من ملابسه وهيئته، بدا من أهل السلطة والحكم والجاه..

 

كان التعليم، يمكن أن يصعد بالمتعلم إلى طبقات وشرائح اجتماعية عليا، لأن وسيلة التنافس هي قدرة على الاستيعاب والاجتهاد والفهم، دون عوائق اجتماعية واقتصادية، حيث كان التعليم يُقَدّم لطالبيه (بالسوية)، حسب مصطلحات ذلك العصر..

 

ومن نِعم الله على كاتب هذه السطور، مثله مثل مئات الألوف من أقرانه، أنه أدرك عصرا مشابها، من حيث الاعتماد أساسا على ما يبذله الطالب من جهد واجتهاد، خاصة وقد كانت المدارس مُهَيِّئة بالفعل لحسن الخدمة التعليمية، وكذلك المعلم، كان يبذل كل طاقته للتعليم والشرح والإفادة، دون دروس خاصة..

 

وصدق المثل الذي كنا نحفظه: من طلب المعالي، سهر الليالي..

 

كان حولي أقارب وأصدقاء من عائلات ميسورة، تفوق ظروفي العائلية كثيرا، لكنهم لم يجتهدوا في تحصيل العلم، مع التساوي في ظروف التعليم، فلم يستطيعوا أن يرتقوا في السلم الاجتماعي، وأتاح المولى عز وجل لنا أن نكون فيما أصبحنا فيه من مكانة اجتماعية طيبة( بغير مقاييس الثروة المادية).

 

لم يعد هذا قائما الآن..

 

أصبح لدى المحظوظين في الثروة المادية، فرصة أن يفتح لهم آباؤهم أبواب مؤسسات تعليم متميزة، وفق ما يُدفع لها من عشرات الألوف من الجنيهات، وربما مئات الألوف.. فضلا عن فرص لا حصر في مستواها لتلقى الدروس الخصوصية التي ( تُشَرب) متلقيها ما يجب أن يعرف؟!!

 

ويجد مئات الألوف من أبناء الفقراء أنفسهم داخل مدارس حكومية، (كأن) فيها تعليم، لكنها أصبحت لمجرد الإيواء..

 

وهم لا يملكون ما يعوضون به افتقاد التعليم الحقيقي في المراكز الخاصة والدروس، إلا بالكاد، لمن كان من الشرائح الوسطى..

 

وهكذا أصبح التعليم أداة (لتثبيت) الأوضاع الطبقية، ليظل ابن البواب على نفس المستوى، حتى ولو غيّر عمله، ويجد أبناء أصحاب الثروات الكبيرة الأبواب مفتوحة، بعد مرحلة التعليم، كي يتبوأ الواحد منهم موقعا متميزا في العمل ..

 

وبالتالي فإن من طلب المعالي، لا يسهر الليالي بالضرورة، وإنما يكفى انتفاخ الجيوب بالأموال التي لا يعلم إلا الله مصدرها: عرق وكد وسهر ليالي، أم القرب من أصحاب الكراسي العالية، والسلطة والنفوذ، وأداء الخدمات، أيا كانت، حلالا أم حراما..

 

الظلم الاجتماعي هو الخطر الحقيقي الذي يهدد أي مجتمع، وهو المفرخة التي توَلد الشرور ونوازع الحقد والرغبة في الانتقام..

 

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى