الأمة الثقافية

لـن أمــــــوت.. قصة قصيرة.. كتبها: صلاح المكاوي

صلاح المكاوي

الجو يبدو صحوًا بعد انصرام يوم باردٍ ملبّدٍ بالغيوم وأمطار صنعت صنيعها بالشوارع فصارت أشبه بالبِرَك في قرية ريفية بسيطة ؛ منازلُها لا تتجاوز الطابقين يعلو معظمها أسوارٌ مُحكمةٌ من روث البهائم قد صُنع بطريقةٍ متقنة ، تجاورها أكوامٌ من الحطب والقش ، تتلوّى أزِقَّتُها كالثعابين لتنتهي إلى شارع المدرسة الذي يضيق حينًا ويتّسع آخر ، يكاد الشارع يخلو من المارة سوى (سعيد) الذي يعلو كتفي أمه مُحتضنةً ساقيه المرتخيتين على صدرها بيدٍ ، وباليد الأخرى تتحسّس الجدران متخذة منها عكازًا كي لاينفرط في الطين عقدُها الثمين (غلامها المُعاق) الذي اعتاد على هذه الركوبة ذهابًا إلى المدرسةٍ وإيابًا منها ، تجرجرُ ثوبها خلفها ولا أحد يأبهُ لها ، تلوكُ بأقدامها في الطين حافيةً ، تترنّحُ حينًا وتعتدلُ حينًا آخر ، (سعيد) يُطوّق رأسَ أمه ، يحتضنُها وكتبَه ، ما أثقل الحمل على الظهر وما أقساه في الصدر!

تكاد تقع ولكن خوفها على (سعيد) يجعل من أصابع أقدامها المتجمدة من البرد أوتادًا في الأرض ، تغرسُ واحدةً وتنزِعُ أخرى ، تتلاحق أنفاسُها ، يعلو وينخفضُ صدرها ، يخفِقُ بشدةٍ قلبُها ، يشعرُ سعيد ، يحاول النزول ؛ لتلتقطَ أنفاسَها لكنها تأبى وتتجلّد إلى أن تصلَ إلى الدار ؛ منزل مبنيٌ بالطوب اللبن في نهاية زقاقٍ طويل قد أكل عليه الزمان وشرب ، الجيرانُ ألزمهم الشتاءُ دورَهم ، يلتفُّون حول مواقدهم ، وعلى بابٍ خشبيٍّ خفيضٍ طرقت أم سعيد بكلتا يديها ، هرول زوجها (عم محمود) يتعلّق في الباب ليفتحه فقد امتدت إليه يد الشتاء لتسقيه بعد ظمأ صيفٍ طويل حتى تمدد وانتفخ ، يحُكُّ الرجلُ يديه ، ينفخ فيها مُستدفئًا ؛ فقد تسلل البردُ إلى جسده الواهن فكسا شفتيه زُرقةً ووجهه شحوبًا.

تضع الأم سعيدًا برفق ، تأخذُ نفسًا عميقًا ، تستلقي على الحصيرة هُنيهة لتستدعي بعض الراحة بعد معركتها مع الطين ، ثم تنتفضُ قائمة لتصعد سلمًا خشبيًا وفوق رأسها طبق معدني مضعضع ، تشمر يدها وتغمسها في جرّةٍ كبيرة لتخرجَ قطعةً من الجبن المُعتّق ومن نظيرتها بعض المخلل من قرون الشّطةِ وأوراق الكرنب ، تنتزع بعض أعواد الحطب ، تنزل مسرعة ، تشعل النار ، تضع الطبلية ، تحتضن خديجةُ بعضَ أرغفة الخبز الجاف ، تطرحُها على الطبلية ، يلتهم جميعهم الطعام في نهم ، يتسلل الدفءُ إلى أجسادهم : الأبوين وخديجة ، والصغيرين أحمد وعليّ ، يسرقهم النوم فيستسلمون له سوى سعيد فقد غالبه مُنتفضًا يتأرجح مُتكئًا على الجدار مُمسكًا بالطبلية ، يندسُّ في كومة من الكتب متخذًا ضوءه من لمبة الكيروسين ،لايأبه ببرد الشتاء ولاتؤلمه معركة الأمعاء ؛ فلم يبق إلا أيامٌ قلائل على الامتحان، شخير الأب يُعانق السطور، الطين العالقُ على أقدام أمِّه يزيد همَّه ،الصغار يتزفزفون تحت غطاءٍ بُنيٍّ مُهلهل قد تكوّموا تحته ، خديجة تحلُم بقُرطٍ ذهبيٍّ ليحلَّ محل الخيط الذي سلخ أذنيها ، عم محمود يحلم باستخلاص الجاموسة من شريكه ، يرمقهم سعيد بعينين بائستين ، يقرأ صفحة ويحلم صفحة ؛ يحلم لأبويه وإخوته ، يُحدِّث نفسه، يمنيها: أنت الكبير ياسعيد، ولكن مازلت صغيرا، يطبطب على ساقه قائلا : والإعاقة؟! وما الإعاقة؟! مثلى الكثير اعتلوا المناصب وحققوا النجاحات.

أغلق سعيد باب الأحلام مؤقتًا ، انكفأ على الكتب يأكلها ،يشربها علّه يجد ضالته ، يجري ريقُه يشعر بالبرد يزيل الحُرقة من حلقه ، لم يدر بنفسه .. صوت الأذان يعانق نسيم الفجر ، يبشر بالخير ، يوقظ والده ، والدته تحلب الجاموسة ثم يسحبها عم محمود إلى الحقل ليروي الأرض فالساقية قد تكون شاغرة في هذا الوقت ، مازال الصغار نائمين يحلمون ، يمصمصون شفاههم ثم يحلمون ، بم يحلمون ؟ ربما بشيء من الحلوى ، فليحلموا وليحلم سعيد .

تدور الساقية في الحقل ويدور سعيد في ساقية الامتحانات ،

الأرض تطفئ غُلّتها ، وسعيد يطفئُ لهيب الحلوق.

نجحت ياأبي .. رويتُ الأرضَ ياسعيد .

أول الشهادة الإعدادية ياأبي ..

تحتضنه أمه ، يذوب في ثناياها ، يقتاتُ من حناياها ،

الصغار يفيقون من حلمهم ، يقفزون ، يصفقون سنأكل الحلوى..

خديجة تتحسس أذنيها وتنتزعُ خيطًا كم أدمى شَحْمَتيْها!

ترغرغ عينا سعيد بعبرتين لامعتين ، يُغمضهما فتسقطان على خدّيْه ساخنتين ثم يشرق ُوجهُه وتعلوه ابتسامةٌ يملؤها عزمٌ وإصرارٌ أكيدان.
——–

هامش

كتبتُها عام ( 1996) أي ما يقارب من واحدٍ وعشرين عاما ،
وفقدتُها وغيرها في غمرةِ الأوراق ،حتي عثرتُ عليها بعد زمنٍ غابر
؛ فعددْتُ ضالتي كَنزًا!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى