الأمة الثقافية

لغويات: “وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ”

د. هادي حسن حمّودي

هذا الموضوع ذو علاقة عميقة بالتركيب اللغوي للآية. فلنبدأ مع القدماء:
* روى المفسرون: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.

* ولمّا كانت اللغة العربية لا تعرف (الخبيثات من القول) فالقول مذكّر والخبيثات مؤنّث، التفت الزجّاج (241هـ/311ه) إلى هذا الخلل فحاول تعديله بقوله: معناه: الكلمات الخبيثات للخبيثين من الرجال والنساء، والرجال الخبيثون للكلمات الخبيثات، أي: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء.
** المناقشة: لم يقدم القائلون بهذا القول أيّ دليل على صحة قولهم، وهم بحاجة إلى هذا الدليل لأن قولهم يناقض آخر الآية. ولا يصحّ إطلاق القول في القرآن جزافا. فأين دليلهم؟

* وانعكس المعنى في قول آخرين: (الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيث من الرجال والنساء، فأما الطاهرون والطاهرات فلا يلصق بهم السبّ). وهذا يعني أن الكلمات الخبيثات (؟) لا تنطلق من الطاهرين والطاهرات بل يطلقها آخرون عليهم وعليهنّ ولكنها لا تلصق بالطاهرين والطاهرات.
** ما الدليل على صواب هذا القول؟ ما معنى: لا يلصق بهم السبّ؟ وكم من الطيبين والطيبات لصقت بهم الكلمات الخبيثة حتى أسقطتهم أو قتلتهم ظلما وعدوانا!

*** هذه الاختلافات نتيجة افتقاد الأدلة المأخوذة من الآية، وعدم الالتفات إلى تركيبها اللغوي.
* وقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال. وكذلك الطيبات للطيبين.

** هذا هو الصواب، ومن الأدلة على صوابه ما يلي:
أ‌- تتمة الآية (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فهل تنسجم هذه التتمة إذا كانت الخبيثات والطيبات كلمات؟ إن الآية تقول: الطيبات والطيبون (أولئك) مبرّؤون مما تقوّله عليهم الجبيثون والخبيثات. و(أولئك) إشارة أفادت التعظيم، هنا، كما في قول الشاعر:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم // إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المجامعُ

ب‌- (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ) لا تدلّ إلا على العقلاء من الرجال والنساء. هم مبرؤون وهنّ مُبرّءات. ولا يمكن القول: كلمات مبرّؤون، ولا: كلمات مبرّءات.

ت‌- (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) والمغفرة والرزق الكريم للعقلاء نساء ورجالا. وهل رأيتم مغفرة ورزقا للكلمات سواء كانت طيبة أم خبيثة؟

ث‌- الخبيثون، للذكور مفردها خبيث، والخبيثات، للإناث مفردها خبيثة. أما الأفعال الخبيثة فجمعها خبيثة وخبائث. والثانية وردت في أكثر من آية، منها: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ). هل تعني: التي كانت تعمل النساءَ الخبيثات، أم الأعمالَ الخبيثة؟

ج- معنى الخبيث في المعجمات أنه ضدّ الطيب. لك أن تقول: هم مشهورون بالأفعال الخبيثة (جمع)، أو: هم مشهورون بالخبائث. فكلمة الخبائث جمعت (الأفعال ووصفْها).

ح- وقد تعترض بامرأة نوح وامرأة لوط، فتقول: كانا طيبين وكانت امرأتاهما خبيثتين. وجواب هذا في الذي كتبناه عن مفهوم الإرادة الإلهية والمشيئة الإلهية ودور الإنسان في الخروج عمّا أراده الله له، أو عدم الخروج. وأكتفي هنا بالتذكير بالآيتين: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)(سورة الأنفال 67)
(يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ)(سورة النساء 60) وبناء على فحوى هاتين الآيتين وغيرهما كثير نرى أن امرأتي نوح ولوط أراد الله لهما الخير وهيّأ لهما أسبابه بزواجهما من نبيين، ولكنهما أرادتا الميل عن ذلك: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(سورة التحريم 10).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى