الأمة الثقافية

لغويات: هل كلمة “قاموس” عربية؟

من الجذور اللغوية الموثَّقة الأصالة والقِدم والاستعمال؛ الجذر “ق. م . س”، يقول المعجم: قَمَسَ في الماء – يَقْمِس يَقْمُس (بكسر الميم وضمها)- قُموسًا: انْغَطَّ ثم ارتفع، وكل شيء يَنْغَطُّ في الماء ثم يرتفع، فقد “قَمَسَ”، وكذلك الإكام (التلال) إذا اضطرب السراب حولها “قَمَسَتْ” أي: بَدَتْ بعد ما تَخْفَى، يُقال: قَمَسَت الإكام في السراب: إذا ارتفعتْ فرأيتها كأنها تطفو، قال ابن مُقْبِل (ت ٣٧هـ = ٦٥٨م):

حتى اسْتَتَبْتَ الهدَى والبيدُ هاجمةٌ/ يَقْمُسْنَ في الآل غُلْفًا أو يُصَلِّينا

وقال شَمِر (ت ٢٥٥ هـ): قَمَسَ الرجلُ في الماء: إذا غاب فيه، وقَمَسَت الدلوُ: إذا غابت في الماء. وفي الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-صلَّى على رجل رُجِمَ في حَدٍّ، وقال: إنه الآن لَيَنْقَمِسُ في رياض الجنة، ورُوِي: في أنهار الجنة، وفي حديث وَفْدِ مَذْحِج: في مفازة تُضْحِي أعلامها قامِسًا، ويمسي سرابها طامسًا، أي: تبدو جِبالُها للعين ثم تغيب. و”القامِسُ” و”القَمَّاسُ”: الغَوّاصُ، قال أبو ذُؤَيب (ت ٢٧هـ):

كأنّ ابنةَ السهْمِيّ دُرَّةُ قامِسٍ/ لها بعد تقطيع النُّبوح وَهيجُ.

و”القَمْسُ: الغَوْصُ. و”القاموسُ: قَعْرُ البحر، وقيل: وسطه ومُعْظمه، وهو “فاعول” من “القَمْس”، وفي الحديث: قال قولًا بَلَغَ به قاموسَ البحر، أي: قَعْره الأقصى، وقيل: وسطه ومعظمه، قال أبو عُبَيْد (ت ٢٢٤هـ) “القاموس: أَبْعَدُ مَوْضعٍ غَوْرًا في البحر، وأَصْلُ القَمْسِ الغَوْصُ.

وهكذا نرى الجذر اللغوي “ق.م.س” في الحديث النبوي الشريف، وعلى لسان الشعراء، وفي مَرْوِيّات اللغويين، (وتسجله المعاجم في العصر الجاهلي، وفي كلام ابن عباس- رضي الله عنهما، فإذا جاء الفيروزآبادي (ت ٨١٧هــ) وجعل عنوان كتابه “القاموس”؛ لِغَوْصِه في اللغة، وانْغِطاطه فيها، ثم طَفْوِه بمفرداتها على صفحاته- صَحَّ أن يوصَف ما فعل بأنه عربيّ أصيل، لا شائبة فيه لنقل أو تعريب. والتشابه الصوتي- إن تحقق- بين كلمة يونانية، أو لاتينية، أو فارسية، وكلمة عربية، لها جذرها العربي، لا يعني ارتداد مُشْتَقّ عربيِّ الجذر، والدلالة إلى غير ما تَخَلَّقَ منه، وصِيغَ عليه.

———

مجمع اللغة العربية بالقاهرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى