الأمة الثقافية

لغويات: مفهوم الفصاحة والبلاغة في لغة العرب

 

مفهوم الفصاحة والبلاغة وبيان التفرقة بينهما
من كتاب الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ليحيى بن حمزة العلوي
——————

اعلم أنّ هذا الباب من أجل علوم البيان وأعلاها، وأرسخ قواعده وأسماها، وفيه تتفاوت القيم، وتتفاضل الهمم، والذى يتعلق بغرضنا منها هو الكلام فيما يتعلق بالبلاغة على الخصوص، وفيما يتعلق بالفصاحة على الخصوص، ثم نذكر التفرقة بينهما فهذه مطالب ثلاثة.


المطلب الأول فى بيان ما يتعلق بالفصاحة على الخصوص.
الفصاحة فى اللغة عبارة عن البيان والظهور، يقال أفصح العجمى إذا خلص كلامه عن اللكنة واللحن، وأفصح اللبن، إذا ذهب عنه اللباء وزالت عنه الرغوة، وأفصحت الشاة، إذا صفا لبنها عمّا يشوبه، وأفصح الصبح إذا ظهر وعلا ضوؤه، وفيه المثل «أفصح الصبح لذى عينين» .


وفى مصطلح علم البيان خلوص اللفظ عن التعقيد فى تركيب الأحرف والألفاظ جميعا، فمتى سلمت اللفظة الواحدة عن تنافر تركيبها ولم تكن من قبيل قولنا: عقجق، ولا من قولهم: «الهعخع» وهو شجر. وسلم تركيب الألفاظ عن التنافر أيضا كما قيل:
«ليس قرب قبر حرب قبر»


لأن التنافر فى الأول إنما كان من أجل تقارب مخارج تلك الأحرف، وحصل التنافر فى الثانى من جهة تركيب الألفاظ المتقاربة، فحصل من أجل ذلك عثار فى اللسان، وتوعر فى المخارج، فلأجل ذلك كان متنافرا فالألفاظ فى سهولة تركيبها وعثورته وسلاسته ووعورته بمنزلة الأصوات فى طنينها ولذة سماعها، ولهذا فإنه يستلذ بصوت «القمرىّ» ويكره صوت «الغراب» ويستظرف صهيل «الفرس» ويستنكر نهيق «الحمار» فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن مقصودنا من الفصاحة يحصل بالبحث عن أسرارها.


البحث الثانى فى بيان ما يجب مراعاته من حسن التركيب
اعلم أن هذا النظر إنما يختص بالمفردات فإنها وإن كانت مختلفة أعنى مفردات الحروف فى العذوبة والسلاسة فإن شيئا منها غير مستكره، لكن الاستكراه إنما يعرض من أجل التأليف لما يحصل بسببه من التنافر والثقل، فلأجل هذا كانت العناية فى أحكام التركيب والتأليف لأنه ربما حصل على وجه يفيد رقة اللفظ وحلاوته فيكون حسنا، وربما حصل على وجه يفيد ثقلا وتعثّرا فى اللسان فيكون قبيحا، فإذن العناية كلها فى التركيب فنقول:
قد بان من حسن تصرف واضع اللغة امتناعه من الجمع بين العين والحاء، وبين الغين والخاء، ومن الجمع بين الجيم والصاد، وبين الجيم والقاف، وبين الذال المعجمة والزاى، وما ذاك إلا لما يحصل من تأليف هذه من البشاعة والثقل على الألسنة فى النطق، وليس ذلك من أجل ما يحصل من تقارب مخارج الحروف وتباعدها كما يزعمه ابن سنان وغيره من أرباب هذه الصناعة، فإنهم عوّلوا على أن القرب منها يكون سببا فى قبح اللفظ،

 

والتباعد فى المخرج فيها يكون سببا فى حسن اللفظ، وهذا فاسد فإنه ربما يعرض لما كانت حروفه متباعدة استكراه فى النطق، وهذا كقولنا: «ملع» أى عدا فالعين من حروف الحلق، والميم من الشفة، واللام من وسط اللسان، ومع ذلك فإنها ثقيلة على اللسان ينبو عنها الذوق ولا تستعمل فى كلام فصيح، وربما عرض لما تقاربت حروفه حسن الذوق فى اللسان فكان حسنا ومثاله قولنا: ذقته بفمى، فإن الباء والفاء والميم كلها أحرف متقاربة شفوية وهى رقيقة حسنة يخف محملها على اللسان، فبطل ما عول عليه هؤلاء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن مستند الإعجاب فى حسن تأليف اللفظة من هذه الأحرف العربية، إنما هو الذوق السليم، والطبع المستقيم، لا من أجل ما زعموه ويؤيد ما قلناه من ذلك وهو أن مستند الحسن والقبح والإعجاب والنفور فى تأليف الكلام إنما هو سلامة الطبع وتحكيم الذوق، هو أن الكلمة الواحدة إذا ألّفت تأليفا مخصوصا كانت فى غاية الركة على اللسان يزدريها كل من سمعها فإذا عكست صارت أرق ما يكون على الألسنة وألطف وأعجب، ومثاله قولنا: ملع فإنها ركيكة كما أشرنا إليه فإذا قلب تأليفها قلبا مخففا وقيل فيها «علم» من العلم كانت أوقع ما يكون فى الفصاحة وأدخل ما يكون فى الرقة واللطافة، والأحرف فيهما واحدة من غير اختلاف،

 

وما وقع الاختلاف إلا فى التأليف لا غير، وربما وقع فى الألفاظ ما يكون هو ومقلوبه فى غاية الحسن والرقة لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا كقولنا «غلب» إذا قهر، فإذا قلبته قلت «بلغ» فهاتان اللفظتان سواء فى الفصاحة، وهذا كقولنا «ملح» الشىء من الملاحة، فإذا قلبته قلت فيه: «حلم» من الحلم والرجاحة، فكل واحد منهما لا مزيد على حسنه، وكل هذا يدلك على أن المعول عليه فى ذلك هو ما يجده الإنسان عند التأليف من الذوق والرقة، ولهذا فإنك ترى الكلمات المستعملة فى كلام الله تعالى والسنة النبوية مؤلفة تأليفا معجبا على نهاية اللطافة والرشاقة والرقة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من مراعاة أمور فى تأليف الكلمة لتكون فصيحة.


«أولها» : أن لا تكون تلك الأحرف متنافرة فى مخارجها فيحصل الثقل من أجل ذلك.


«وثانيها» : أن تكون معتدلة فى الوزن فإن الأوزان ثلاثة: ثلاثية ورباعية وخماسية، فأكثرها استعمالا هو الثلاثى، وما ذاك إلا لخفته، وأبعدها فى الاستعمال الخماسى لأجل كثرة حروفه، وأوسطها الرباعى لحصوله بين الأمرين، والتعويل فى ذلك على الذوق، فإنها ربما كثرت وهى خفيفة على اللسان كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[البقرة: 137] وكقوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
[النور: 35] ، ولهذا عيب على امرىء القيس فى قوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا … تضل العقاص فى مثنّى ومرسل


وثالثها: توالى الحركات فإذا حصل سكون الوسط كان أعدل ما يكون وأرق وإن توال ثلاث فتحات فهو أخف من حصول الضم فى وسطه، فلهذا فإن فرسا، أخف من عضد، والمعيار فى ذلك هو عرضه على ما قلنا من تحكيم الذوق، ولهذا فإنه قد يتوالى ضمتان وهو غير ثقيل كقوله تعالى ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47)
[القمر: 47] وقوله: فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52)
[القمر: 57] فالتعويل على ما ذكرناه فى كل أحواله وبالله التوفيق.


البحث الثالث فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمفردات الألفاظ
اعلم أن هذا البحث متعلقه اللفظة الواحدة على انفرادها، وهو مخالف لما سبق مما أودعناه البحث الثانى، لأنه نظر يختص مفردات الحروف، وكيفية تأليفها فلا جرم كان مخالفا لما قبله، واعلم أن من الناس من زعم أنه لا قبيح فى الألفاظ وأنها كلها حسنة لأن الواضع لا يضع إلا الحسن، وهذا فاسد لأمرين أما أولا فلأنه لو كان الأمر كما زعموه لكان لا تقع التفرقة بين الألفاظ فى الأبنية، والأوزان، والخفة، والثقل، ولما عرفنا تفاوتها فى ذلك تحققنا أن منها ما يكون فى غاية الرقة واللطافة، ومنها ما يكون فى نهاية الثقل والبشاعة، وأما ثانيا: فلأنه كان يلزم أن لا تقع التفرقة بين الشاذ، والمألوف، والنادر، والمستعمل، من جهة الوضع، فلما كان الأمر فى ذلك ظاهرا بطل ما توهموه. ولنضرب فى ذلك أمثلة ثلاثة توضح المقصود:


المثال الأول: أسماء الخمر كثيرة ترتقى إلى خمسين اسما كلها متفاوتة فلفظ الخمر أحسن من قولنا زرجون وإسفنط، ولفظ السلافة أعجب من قولنا قرقف وخندريس.


المثال الثانى: فى أسماء الأسد وهى كثيرة فقولنا: أسد أحسن من قولنا: فدوكس، وهرماس، وقولنا: ورد، وهزبر، أحسن من قولنا غضنفر وما ذاك إلا من أجل اختصاص بعض الألفاظ برقة ورشاقة تخالف اللفظ الآخر.
المثال الثالث: فى أسماء السيف فإن لفظ الصارم، والمهند، والسيف، أحسن من لفظ خنشليل فمثل هذا كيف يمكن دفعه، وأنت إذا تأملت جميع ما ورد من ألفاظ التنزيل والسنة الشريفة وجدتهما على نهاية الكمال فى مراعاة الألفاظ الرقيقة والخفيفة والمألوفة، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الفصاحة فى الألفاظ المفردة يجب أن تكون مختصة بخصائص:


الخاصة الأولى: أن تكون اللفظة عربية قد تواضع عليها أهل اللغة، لأن الفصاحة والبلاغة مخصوصان بهذا اللسان العربى دون سائر اللغات من الفارسية والرومية والتركية فلا مدخل لهذه الألسنة فى فصاحة وبلاغة، نعم ليس بمنكر استعمال شىء من هذه اللغات على جهة التعريب له، وقد ورد فى القرآن الكريم استعمالها، وحسن موقعها لما عربت واستعملها العرب كما ورد فى «السجيل» و «الإستبرق» و «المشكاة» وورد فى اللغة العربية «كاللجام» و «الفرند» و «الإسفنط» وغير ذلك، وقد أنكر أبو بكر الباقلانى أن يكون فى القرآن شىء من غير لغة العرب، وهذا خطأ. فإن هذه الألفاظ لا يمكن إنكار ورودها فى القرآن ولا يسمع جعلها من لغة العرب، فإنها غير جارية على قياسها فى الأوزان والأبنية.


الخاصة الثانية: أن تكون جارية على العادة المألوفة فلا تكون خارجة عن الاستعمال، فتكون شاذة عن الاستعمال المطرد فى معناها، وبنائها، وإعرابها، وتصريفها، لأن كل واحد من هذه الأمور له قياس يحصره، ومعيار يضبطه يجرى على مطرد القياس والعادة المألوفة، ولأن الفصاحة إنما تكون إذا كان اللفظ جاريا على ما ذكرناه فلأجل هذا وجب مراعاة ما ذكرناه وأنت إذا تصفحت آى القرآن وألفاظ السنة النبوية وجدتها كلها جارية على المعيار الذى لخصناه ولا تخرجان عنه بحال، فما خالف أوضاع اللغة فهو مردود، كمن يضع لفظ السماء يريد به الأرض، وما خالف الأبنية المقيسة فهو مردود أيضا، وما كان أيضا مخالفا للأقيسة الإعرابية فى رفع الفاعل ونصب المفعول ومخالفا للأقيسة التصريفية من قلب الواو والياء المفتوح ما قبلها ألفا، فهو لحن مردود، والكلام الفصيح مجنّب عما ذكرناه.


الخاصة الثالثة: أن تكون تلك اللفظة خفيفة على الألسنة لذيذة على الأسماع حلوة فى الذوق، فإذا كانت اللفظة بهذه الصفات فلا مزيد على فصاحتها وحسنها، ولهذا فإن ألفاظ القرآن يخف جريها على اللسان وتلذها الأسماع ويحلو مذاقها، وما كان على خلاف ما ذكرناه فلا مزيد على قبحه، ومخالفته لمنهاج الفصاحة والبلاغة جميعا فيما يكون ثقيلا على الألسنة كريها وحشيا فى غاية البشاعة، ولنضرب له أمثلة:


المثال الأول: لفظة «جحيش» فإنه وقع فى شعر «تأبط شرا» فى أبيات الحماسة فى قوله:
يظل بموماة ويمسى بغيرها … جحيشا ويعرورى ظهور المهالك
فإنها قبيحة جدا، ونظيرها قولنا: «فريد» فإنه بمعناها، وبينهما بون لا يدرك بقياس.


المثال الثانى قولنا: «اطلخمّ الأمر كما وقع لأبى تمام حيث قال «قد قلت لما اطلخم الأمر» فإن هذه اللفظة منكرة قبيحة مجانبة للكلم الفصيحة.
المثال الثالث قولهم جفخت كما وقع فى شعر أبى الطيب المتنبى قال:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم
والمراد فخرت وهذه اللفظة من مستقبحات الألفاظ ومستهجناتها فما هذا حاله ينبغى تجنبه.


الخاصة الرابعة: أن تكون اللفظة مألوفة فى الاستعمال فلا تكون وحشية، ويقرب معناها فلا يبعد تناوله، فيكون سهلا بالإضافة إلى لفظه، سريع الوقوع فى النفوس بالإضافة إلى معناه، وقد زعم بعض النظار من أهل هذه الصناعة أن الكلام الفصيح ما كان فى ألفاظه عنجهية الغرابة وبعد عن الأفئدة الإحاطة بمعناه وعز عن الأفهام إدراكه، فما هذا حاله يصفونه بالفصاحة، وهذا جهل بمحاسن الفصاحة وأوضاع البلاغة فإنك ترى ألفاظ القرآن والسنة النبوية مع بلوغهما كل غاية من الفصاحة بحيث لا يدانيهما كلام فى غاية البيان والظهور بالإضافة إلى ألفاظهما، وفى نهاية القرب بمعانيهما، وقد وصف الله كتابه الكريم بأنه بيان وتبيان، ولهذا فإنه لا يكاد يشكل من ألفاظ القرآن والسنة على أحد إلا من جهة التركيب لا غير، فأما مفرداتهما ففى غاية الوضوح والبيان والظهور، فمتى حصلت هذه الخواص التى ذكرناها لكل لفظة كانت الغاية، وعد الكلام فصيحا بلا مرية.


الخاصة الخامسة: أن يكون اللفظ مختصا بالجزالة والرقة ولسنا نعنى بالجزالة فى الكلام أن يكون وحشيا فى غاية الغرابة فى معانيه والوعورة فى ألفاظه، ولا نريد بالرقة أن يكون ركيكا نازل القدر سفسافا، ولكن المقصود من الجزالة أن يكون مستعملا فى قوارع الوعيد، ومهولات الزجر وأنواع التهديد، وأما الرقة فإنما يراد بها ما كان مستعملا فى الملاطفات واستجلاب المودة والبشارة بالوعد، والقرآن العظيم وارد بالأمرين جميعا، ولنورد من ذلك أمثلة ثلاثة موضحات مقصودنا مما نريده ههنا.


المثال الأول: فى الجزالة وما ورد فيها وهى مخصوصة بذكر أهوال القيامة، والتحفظ على الأوامر والمناهى عن الحدود، وحكاية إيقاع المثلات بالأمم الماضية وغير ذلك مما يكون خطابا جزلا وقولا فصلا لا هزلا قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
[الكهف: 47] إلى آخر الآية، وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[الزمر: 68] إلى آخر السورة وقوله تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ
[الأعراف: 133] وقوله تعالى: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)
[الأنعام:
44] وقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
[التوبة: 5] .


وأما الرقة فهو ما كان مستعملا فى الملاطفة والاستعطافات، وأنواع الترحم، ومحادثة القلوب، بذكر الله تعالى إلى غير ذلك، وذلك نحو قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)
[الشرح: 1، 2] إلى آخرها وقوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
[البقرة: 186] إلى آخر الآية وقوله تعالى: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3)
[الضحى: 1، 2، 3] إلى غير ذلك من مواقع الملاطفة والإبذان بالرحمة والتقريب للعباد وإعلامهم بعظيم الرحمة والمغفرة.


المثال الثانى: ما ورد فى السنة النبوية على مثال ذلك وحذوه، أما الجزالة فكما قال عليه السلام: «يا بن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك وتطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أما رأيت المأخوذين على الغرة المزعجين بعد الطمأنينة، الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات، حتى أتتهم رسلهم، فلا ما أمّلوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، قدموا على ما عملوا، وندموا على ما خلفوا، ولن يغنى الندم، وقد جف القلم» فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من جزالة اللفظ.


وأما الرقة فكقوله صلّى الله عليه وسلّم «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، واعدد نفسك فى الموتى، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «رحم الله امرأ تكلم فغنم، أو سكت فسلم، إن اللسان أملك شىء للإنسان» إلى غير ذلك من الرقائق فى كلامه وأنواع الملاطفات.


المثال الثالث: ما ورد من كلام أمير المؤمنين، كرم الله وجهه فإنه قد تفنن فى أساليب الكلام، واستولى منه على بدائعه وغرائبه، وقد نبهنا على ذلك فى شرحنا لكلامه فى نهج البلاغة.
فأما الجزالة فمنها قوله لأصحابه: تجهزوا رحمكم الله فقد نودى فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا، وأخرجوا منها قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم، فقدموا بعضا، يكن لكم قرضا، ولا تخلفوا كلّا، فيكون عليكم كلّا.


فانظر إلى هذا الكلام ما أجزله وما أوضحه لبيان ما اشتمل عليه وتناوله.
وأما الرقة، فمنها قوله عليه السلام: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به، وقوله عليه السلام فى بعض مناجاته: اللهم صن وجهى باليسار ولا تبذل جاهى بالإقتار، فأفتن بحب من أعطانى، وأبلى ببغض من منعنى، وأنت من وراء ذلك كله ولى الإعطاء والمنع، إنك على كل شىء قدير.
وله عليه السلام فى تعليم الحرف، والوعظ، وتذكير الآخرة من الفخامة والجزالة، وفى الرقائق فى تعليم معالم الدين، وإرشاد الخلق إلى مكارم الأخلاق، كلام بالغ، ووعظ زاجر، ما لا يوازيه كلام، ولا يساوى نظمه وإن انتظم أى نظام.


البحث الرابع فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمركبات الألفاظ
وهذا نحو التجنيس كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: 55] والترصيع، كقول عبد الرحيم بن نباتة الواعظ فى بعض خطبه:


الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره.
والتصريع: وإنما يكون فى المنظوم الشعرى وغير ذلك من فنون البديع، فإن هذه الأمور كلها سنوردها فى فن المقاصد، ونظهر أسرارها وما اشتملت عليه من المحاسن.
فصار تأليف الألفاظ والكلم المفردة فى إفادتهما للفصاحة بمنزلة تأليف العقد وانتظامه، فلا بد فى ذلك من مراعاة أمور ثلاثة.


أولها: اختيار الكلم المفردة كما فصلناه من قبل، كاختيار مفردات اللآلىء وانتقائها فى حسن جوهرها وصورتها.
وثانيها: نظم كل كلمة مع ما يشاكلها أو يماثلها كما يحسن ذلك فى تركيب العقد ونظمه، لأنها إذا حصلت مع ما يشاكلها وقعت فى أحسن موقع وجاءت فى أعجب صورة.


وثالثها: مطابقة الغرض المقصود من الكلام على اختلاف أنواعه وتباين فنونه فلا بد من أن يكون موافقا لما أريد به بعد اختصاصه بالتركيب، وهو غرض عظيم، لابد من رعايته ونظيره فى العقد، فإنه بعد إحكام تركيبه وإتقان تأليفه لابد من مطابقته لما صيغ له فتارة يجعل إكليلا على الرأس، ومرة يجعل طوقا فى العنق، وقد يجعل شنفا على الأذن، وإذا خالف فى ذلك بطل المقصود وفات الغرض، فإذا جعل إكليل الرأس على غيره، أو جعل طوق العنق فى غيره بطل المقصود وفات الغرض، والكلام بعد تركيبه إذا وضعته فى غير موضوعه ولم تقصد به ما هو موضوع له انخرم المقصود به وكان خاليا عن البلاغة.


فالأمر الأول والثانى من هذه الأمور الثلاثة يتعلق بالفصاحة، لأنها من عوارض الألفاظ، ومجموع الثلاثة كلها هو المراد بالبلاغة، لأنها من عوارض الألفاظ والمعانى جميعا كما سنوضح التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى فهذا ما يتعلق بخصوص الفصاحة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى