الأمة الثقافية

لغويات: “كأنَّ”..كلمة مستقلة، أم لفظ مركَّب من أكثر من كلمة؟

“كأنَّ”.. كلمة مستقلة، أم لفظ مركَّب من أكثر من كلمة، أم لها قصة أخرى؟

مما يشيع خطأً استعمال الواو قبل “كأنَّ” في مواضع الحال والخبر والنعت.

يُقال مثلًا: صديقك وكأنه أخوك – يلهث وكأنه خائف – يحارب وكأنه أسد…

والصواب في كل هذا أن نحذف الواو: صديقك كأنه أخوك – يلهث كأنه خائف – يحارب كأنه أسد…

جاء في “مغني اللبيب”: (كأن): حرف مركب عند أكثرهم، حتى ادعى ابن هشام وابن الخباز الإجماع عليه، وليس كذلك (أليس ليس مُجمَعًا عليه)، قالوا: والأصل في (كأن زيدا أسد) إن زيدا كأسد، ثم قُدّم حرف التشبيه اهتمامًا به، ففُتحت همزة أن لدخول الجارّ عليه، ثم قال الزجاج وابن جنى: “ما بعد الكاف جُرَّ بها”.

(مغنى اللبيب – ابن هشام الأنصاري – ج١ – ص١٩١)

وقول الزجاج وابن جني “ما بعد الكاف جُرّ بها” يؤكدّ أن عبارة مثل “كأن زيدًا أسد” هي شبه جملة، ولكنها غير متعلقة بشيء؛ يقول ابن جني في المصدر السابق نفسه: “وهي حرف لا يتعلق بشيء، لمفارقته الموضع الذي تتعلق فيه بالاستقرار”.

فالحاصل رأيان:

الأول أن “كأنَّ” وما بعدها عند أكثر العلماء حرف جر دخل على “أن” التي تؤوَّل مع ما بعدها إلى مصدر، فتكون الكاف مع ما بعدها جارًّا ومجرورًا، ويكونان معًا شبه جملة لا جملة، ويكون شبه الجملة متعلّقًا بمحذوف مفهوم بداهةً، هو الحال أو الوضع أو الأمر أو الشأن…

والثاني أن “كأنَّ” تتألف من كاف تشبيه منتقلة من نهاية الجملة إلى بدايتها اهتمامًا بالتشبيه، ودخلت على “إن” فحوّلتها إلى “أن”، وفي هذه الحالة -حسب ابن جني- “ما بعد الكاف جُرَّ بها”، أي إن الكاف وما بعدها شبه جملة.

لهذا فإنك لن تجد “كأنَّ” مسبوقة بواو إذا جاءت في موضع الحال أو الخبر أو النعت، لأن واو الحال تسبق الحال الجملة فقط، والنعت والخبر لا يُسبقان بواو.

– فلا يصح أن نقول: “كان يعدو وكأنه خائف”.

– بل نقول: “كان يعدو كأنه خائف”.

– ولا نقول: “كان يضحك وكأنه جُنَّ”.

– بل نقول: “كان يضحك كأنَّه جُنَّ”.

ولم ترد الواو قبل كأنَّ في القرآن الكريم في أي موضع، وفي الوقت نفسه وردت “كأن” مشدَّدة النون ومخفَّفتها في أكثر من ثلاثين موضعًا في القرآن الكريم، لم تُسبَق في أي منها بالواو:

١- وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ [كَأَنَّهُ] ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ﴿١٧١ الأعراف﴾

٢- جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ [كَأَنَّهُ] هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا ﴿٤٢ النمل﴾

٣- طَلْعُهَا [كَأَنَّهُ] رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥ الصافات﴾

٤- ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ [كَأَنَّهُ] وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤ فصلت﴾

٥- [كَأَنَّهُ] جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴿٣٣ المرسلات﴾

٦- أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ [كَأَنْ] لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ ﴿٧٣ النساء﴾

٧- الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا [كَأَنْ] لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴿٩٢ الأعراف﴾

٨- قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ [كَأَنْ] لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَلِكَ ﴿١٢ يونس﴾

٩- عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا [كَأَنْ] لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴿٢٤ يونس﴾

١٠- وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [كَأَنْ] لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ ﴿٤٥ يونس﴾

١١- [كَأَنْ] لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴿٦٨ هود﴾

١٢- [كَأَنْ] لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿٩٥ هود﴾

١٣- تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا [كَأَنَّ] فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ ﴿٧ لقمان﴾

١٤- وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا [كَأَنْ] لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ ﴿٧ لقمان﴾

١٥- يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا [كَأَنْ] لَمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٨ الجاثية﴾

١٦- الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ [كَأَنَّهَا] كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴿٣٥ النور﴾

١٧- وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ [كَأَنَّهَا] جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ ﴿١٠ النمل﴾

١٨- أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ [كَأَنَّهَا] جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ ﴿٣١ القصص﴾

١٩- فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ [كَأَنَّهُمْ] لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١ البقرة﴾

٢٠- مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ۚ [كَأَنَّهُمْ] يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا ﴿٣٥ الأحقاف﴾

٢١- وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ [كَأَنَّهُمْ] لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴿٢٤ الطور﴾

٢٢- خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ [كَأَنَّهُمْ] جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴿٧ القمر﴾

٢٣- تَنْزِعُ النَّاسَ [كَأَنَّهُمْ] أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴿٢٠ القمر﴾

٢٤- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [كَأَنَّهُمْ] بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴿٤ الصف﴾

٢٥- ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ [كَأَنَّهُمْ] خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ ﴿٤ المنافقون﴾

٢٦- سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى [كَأَنَّهُمْ] أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿٧ الحاقة﴾

٢٧- يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا [كَأَنَّهُمْ] إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴿٤٣ المعارج﴾

٢٨- [كَأَنَّهُمْ] حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴿٥٠ المدثر﴾

٢٩- [كَأَنَّهُمْ] يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿٤٦ النازعات﴾

٣٠- [كَأَنَّهُنَّ] بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴿٤٩ الصافات﴾

٣١- [كَأَنَّهُنَّ] الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٥٨ الرحمن﴾

٣٢- السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ [كَأَنَّكَ] حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا ﴿١٨٧ الأعراف﴾

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى