آراءمقالات

لا ترموا بسهامكم في الاتجاه الخطأ

Latest posts by د. فتحي أبو الورد (see all)

لا تصنفوا الناس في إطار تصنيفات ضيقة من منطلق حزبي أو فئوي، ولا تقيموا الناس من منظور حزبي أو معيار فصائلي فتخطئوا التقدير، وتخسروا الميزان، ولا تنظروا إليهم نظرة مستعل أو محتقر أو متكبر أو مزدر .

ولكن قيموا الناس بمقياس الإسلام فهو العباءة الواسعة التي لا يخرج عنها إلا شقي، وهو المظلة العريضة التي لا يشذ عنها إلا هالك. وحسب الناس أن يجتمعوا على ما يصير المسلم به مسلما كما قال الإمام زيد.

إن الناس يختلفون في نظرتهم إليك حسب ما وصل إليهم عنك، واختلافهم فيك أو حولك لا يعني أنهم اختلفوا في الإسلام او حول الإسلام وإنما اختلفوا حول تمثيلك للإسلام واجتهادك في فهمه وتطبيقه وتبليغه للناس، إلا أن يكون الأمر واضحا لا لبس فيه ولا تأويل مستساغ.

فأنت محسن ومناضل إن كان ما وصلهم عنك أنك كذلك، وأنت مترخص أو منحرف إن كان ما تنامى إليهم عنك كذلك. ويبقى أن تستثمر الفرص لتوضيح فكرتك وتبيان دعوتك في حكمة وتلطف.

اعرفوا للناس سابقتهم وفضلهم، واعرفوا لهم قدرهم، وأنزلوهم منازلهم، وإن لم يكونوا من مشربكم، أو ينزعون منزعكم، ولا تهيلوا عليهم التراب لوقوعهم في زلة، أو لانزلاقهم في هفوة، أو كانت منهم هنات، ولا تكونوا عونا للشيطان على إخوانكم، فمن وقع في زلة أو بدرت منه هفوة شفعت له سوابقه وسوالفه ومحاسنه، وتمثلوا قول النبي الأمين «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» وفي رواية «زلاتهم». واسألوا أنفسكم:

من ذا الذي ما ساء قط *** ومن له الحسنى فقط

أو كهذا السؤال الذي أبداه الشاعر وأجاب عنه في قوله:

من ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفي المرء نبلا أن تعد معايبه

فلا ينبغي أن يجحد فضل من كان له سبق في الدعوة أو تعليم الناس الخير، أو دفاع عن الحق، وتذكروا قول النبي صلي الله عليه وسلم في حاطب وقد وقع منه ما كان: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم». وقديما قيل «من زاد فضله على نقصه وهب نقصه لفضله» وفي الحديث “إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».

لا تفت في عضدك، وتضعف قوتك بالنيل ممن يدافعون عن الإسلام لمجرد اختلافك معهم في جزئيات أو فرعيات لا تروق لك، فإن لهم فيما ذهبوا إليه دليلا وتأويلا وأسلافا، فإن نلت منهم فإنما تكسر عظامك، وتفت في عضدك، وتضعف ساعدك؛ فإن في قوتهم قوة لك، وفي ضعفهم — او إضعافهم — ضعف لك، إن كنت تعمل للإسلام بصدق، وترفع رأيته بحق، وإن لم تفهم ذلك، فأنت تعمل لمجد شخصي، أو تتمحور حول ذاتك، أو أعماك التعصب عن رؤية الحقيقة، فراجع حساباتك.

ارحموا بعضكم، والتمسوا الأعذار لبعضكم، وفوتوا على الأعداء فرصة أن يحرش بينكم، أو يوقع بينكم البغضاء، فتأكلوا بعضكم، ويشغلكم بأنفسكم، ويجعل بأسكم بينكم، ويجلس هو ليشاهد المعركة مبتسما، فقد كفيتموه ما أراد.

لا تصدوا الناس عن الدعوة والدعاة بسوء تصرفكم وسوء صنيعكم، وتحرروا من التعصب للأشخاص والأحزاب والفئات، وابحثوا عن الحق مجردا، فقد صد بعض المتعصبين كثيرا من الناس عن قراءة كتب وفتاوي علماء مصلحين أمثال ابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم، وكذلك صد بعضهم كثيرا من الناس عن قراءة كتب وأعمال القرضاوي والغزالي وعمارة وغيرهم، لا لشيء إلا لأنهم من المتعصبين منتهجي التنفير من الطرفين، ممن ينتسبون زورا إلى هؤلاء أو أولئك.

لا تأخذوا الناس في أوقات استضعافهم، ولا تحكموا عليهم حكما أبديا في أزمنة المحن وهم تحت سوط الجلاد، فقد يكونون مكرهين أو مترخصين، وقد عذرهم الله، وجعل لهم مخرجا «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان»، وإن الرجل ليس بأمين على نفسه إذا أخفته وأجعته، كما قال عمر، ومن الناس أهل عزائم، ومنهم أهل رخص، وليس كل الناس كابن مسعود وبلال، وليس كلهم كعمار، وفي الناس أحمد بن حنبل، وفيهم يحيى بن معين. وفي تاريخ التشريع الإسلامي عرف ما أطلق عليه رخص ابن عباس وعزائم ابن عمر وهذا قريب المعنى بما ذكرنا.

ستظل هذه القاعدة المنارية «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضنا فيما اختلفنا فيه» ستظل هذه القاعدة الذهبية مظلة واسعة تضمنا جميعا، وتقرب بيننا ولا تباعد، وتجمعنا ولا تفرقنا ما وجدت طريقها في واقعنا تفعيلا وترشيدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى