الأمة الثقافية

كيف نزل القرآن على سبعة أحرف؟

كتاب الإبانة عن معاني القراءات لمكي بن أبي طالب
                        كتاب الإبانة عن معاني القراءات لمكي بن أبي طالب

 

 

 

معنى أُنزل القرآن على سبعة أحرف
من كتاب الإبانة عن معاني القراءات لمكي بن أبي طالب

ما الذي نعتقد في معنى قول النبي “صلى الله عليه وسلم”:
“أُنزل القرآن على سبعة أحرف”؟ وما المراد بذلك؟


إن هذا المعنى قد كثر اختلاف الناس فيه.
والذي نعتقده في ذلك، ونقول به، وهو الصواب إن شاء الله:
أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن: هي لغات متفرقة في القرآن، ومعان في ألفاظ تسمع في القراءة:
مختلفة في السمع متفقة في المعنى.
ومختلفة في السمع وفي المعنى.


نحو: تبديل كلمة في موضع أخرى وصورة الخط متفقة، أو مختلفة نحو:
يسيِّرُكم، وَيَنْشُرُكُمْ. ونحو: صيحة وزقية.
وزيادة كلمة ونقص أخرى.
وزيادة حرف ونقص آخر.
وتغيير حركات في موضع حركات أخر.


وإسكان حركة.
وتشديد، وتخفيف.
وتقديم، وتأخير.
وشبه ذلك مما يسمع ويميز بالسمع.
وليس هو مما يحتوي على المعاني المستترة، كقول من قال: الأحرف السبعة: حلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، وأمر ونهي، وشبه هذا.


هذه معان في النفس مستترة، لا تعلم إلا بسؤال من يعتقدها دليل ذلك:
أن عمر إنما سمع هشاما يقرأ غير قراءته، فأنكر عليه ولم يره يغير حكما، ولا يحرف معنى في القرآن.
ويدل على ذلك: أن النبي “صلى الله عليه وسلم” لما تخاصموا إليه في القراءة أمرهم بالقراءة، فلما سمعهم صوب، قراءتهم، ولم يسالهم عن معان مستورة في أنفسهم، أنما سمع ألفاظهم فصوبها.
وأيضا فإنها لو كانت في حلال وحرام، وأمر ونهي، وناسخ ومنسوخ وشبهه لم يقل: اقرءوا بما شئتم، وأي ذلك قرأت أصبت.


قال بعض القراء:
هي سبع أحرف منطبقة المفهوم، مختلفة المسموع، وهو معنى ما قلناه.
وقال مالك وغيره:
هو قراءة القارئ: عزيز حكيم. وفي موضع: غفور رحيم.
وهذا الذي يخالف الخط، لا تجوز به اليوم لمخالفة خط المصحف، وهو المنهي عنه.
والذي يشتمل عليه معنى القراءات: أنها ترجع إلى سبعة أوجه:
الأول:
أن يختلف في إعراب الكلمة، أو في حركات بنائها بما لا يزيلها عن صورتا في الكتاب، ولا يغير معناها

نحو:
البُخْل والبَخَلَ، وميسَرة وميسُرة.
وما هن أمهاتهم، وما هن أمهاتهم.
وهو كثير. يقرأ منه بما صحت روايته، وصح وجهه في العربية؛ لأنه غير مخالف للخط.
الثاني:
أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركات بنائها بما يغير معناها، على غير التضاد، ولا يزيلها عن صورتها في الخط وذلك نحو قوله:
“ربُّنا باعد بين أسفارنا”، و”ربِّنا بَعِّدْ بين أسفارنا”.


و”إذ تَلَقَّوْنَه” وتُلْقُونَه”.
و”ادكر بعد إمة”، و”بعد أمه”.
الثالث:
أن يكون الاختلاف في تبديل حرف الكلمة، دون إعرابها بما يغير معناها، ولا يغير صورة الخط بها في رأي العين نحو:
نُنْشِرها، ونُنْشِزُها.
وفزع عن قلوبهم. وفزع عن قلوبهم.
ويقص الحق، ويقض الحق.


وهو كثير، يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط في رأي العين.
الرابع:
أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، نحو: إن كانت إلا صيحة واحدة، وإلا زقية واحدة.
وكالصوف المنفوش، والعهن المنفوش.
فهذا يقبل إذا صحت روايته، ولا يقرأ به اليوم لمخالفته لخط المصحف؛ ولأنه إنما ثبت بخبر الآحاد.


الخامس:
أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط، ويزيل معناها نحو:
ألم تنزيل الكتاب. في موضع: ألم ذلك الكتاب.
فهذا لا يقرأ به أيضا، لمخالفته للخط، ويقبل منه ما لم يكن فيه تضاد لما عليه المصحف.
وهذه الأقسام كلها كثيرة لو تكلفنا أن نؤلف في كل قسم كتابا مما جاء منه، وروى، لقدرنا على ذلك لكثرته.


السادس:
أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحون ما روي عن أبي بكر “رحمه الله” أنه قرأ عند الموت:
وجاءت سكرة الحق بالموت. وبذلك قرأ ابن مسعود.
وهذا يقبل لصحة معناها إذا صحت روايته. ولا يقرأ به لمخالفته المصحف؛ ولأنه أتى بخبر الأحاد.
والسابع:
أن يكون الاختلاف بالزيادة، أو بالنقص في الحروف والكلم، فهذا يقبل منه ما لم يحدث حكما لم يقبله أحد.
ويقرأ منه بما اختلفت المصاحف في إثباته وحذفه، نحو:
“تجري تحتها” في براءة عند رأس المائة، و {مِنْ تَحْتِهَا} “فإن الله الغني الحميد” في الحديد، و {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد} .


ونحو ذلك اختلف فيه المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار، فيقرأ به إذا لم يخرج عن خط جميع المصاحف.
ولا يقرأ منه بما لم تختلف فيه المصاحف: لا يزاد شيء لم يزد في شيء من المصاحف، ولا شيء لم ينقص في شيء من المصاحف.
وأما ما اختلفت فيه القراءة من الإدغام، والإظهار، والمد، والقصر، وتشديد، وتخفيف، وشبه ذلك فهو من القسم الأول؛ لأن القراءة بما يجوز منه في العربية، وروى عن أئمة وثقات: جائزة في القرآن؛ لأنه كله موافق للخط.


وإلى هذه الأقسام في معاني السبعة، ذهب جماعة من العلماء.
وهو قول ابن قتيبة وابن شريح وغيرهما.
لكننا شرحنا ذلك من قولهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى