الأمة الثقافية

كل يوم آية… مع الدكتور أحمد عبد اللطيف

د. أحمد عبداللطيف

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (186: البقرة)

 

(بين يدي الدعاء)

 

إن التكبير والتحميد والثناء على الله قبل الدعاء، سنة قرآنية نبوية متبعة فإن سورة الفاتحة قد بدأت بالحمد والثناء على الله بما هو أهله وتمجيده وتوحيده بالعبادة؛ ليكون العبد أشدَّ تأدُّبًا والدعاءُ أحرى بالقبول.

 

 

فما إن فرغ الصائمون من صومهم، وكبروا ربهم وسبحوه وعظموه؛ شكرًا له على ما هداهم إليه من نعمة الصيام والقيام، والانقياد لله بالطاعات واجتناب المنكرات المفطرات، من اللغو والرفث والفسوق، وشكروه على ما وفقهم إليه من إخراج زكاة فطرهم، حتى أقبلوا فرحين بيوم فطرهم ونيل جائزتهم، متواضعين بطاعاتهم غير بطرين بها ولا مانِّينَ، بل أقبلوا منكسرين يسألون نبيهم صلى الله عليه وسلم على لسان الأعرابي؛ فإن لم يسأل الأعرابي فسيسأل غيره من الصحابة؛ لأنهم تربوا جميعًا على الاتباع والعمل على علم وبصيرة (أَرَبُّنَا قَرِيبٌ فَنُنَاجِيه ، أم بعيدٌ فَنُنَادِيه ؟)

 

 

إنهم يسألون عن كيفية الدعاء سرًّا هو أم جهرًا؛ رغم أنهم كانوا في طاعات متواليات فهم يدعونه، بل يدعونه إثر كل عبادة، فإذا فرغوا من حجهم دعوا، وإذا فرغوا من صلاتهم دعوا، وإذا فرغوا من صومهم دعوا، ولسان حالهم: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك؛ إنهم يشعرون بتقصيرهم وبأنهم ما أدوا عباداتهم على أكمل وجه يرضي ربهم، كما أنهم يريدون أن يعبدوا الله على بصيرة فإن (الدعاء هو العبادة) إنهم يتحرون شروط القبول؛ لذا فإن الله لم يعنفهم ولم ينكر عليهم النبي سؤالهم، بل سمع الله سؤالهم وأجابهم ورفع شأنهم وأعلى قدرهم؛ فنسبهم إليه وأضافهم لجنابه فقال: (وإذا سألك عبادي) فلما انقادوا له بالطاعة نالوا شرف العبودية، وقربهم منه ؛ فليسألوا ما شاؤوا (فإني قريب أجيب) إنهم لا يسألون إنكارًا أو تعالمًا واستكبارًا، ولا تعجيزًا ولا فضولًا، ولا سؤالًا عن علم لا ينفع وجهل لا يضر.

 

 

وكان من الممكن ألَّا يسألوا وأن يبتدعوا مايستحسنونه من الدعاء، وبالطريقة التي يرونها؛ ولكنهم سألوا لأن الدعاء عبادة ، وأعمال العبادة توقيفية أي: لا يقوم بها العبد إلا إذا وقف على دليلها . فأجابهم الله تعالى، ولم يعط لنبيه إلا دور المبلغ؛ لأنه لا واسطة ولا وسيلة بين العبد ومولاه في الدعاء، فلا مكان لـ (قل ) مثل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: 189) و(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (86: الإسراء) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (105: طه) فنحّى (قل) ليدخل العبد على مولاه ويتلذذ بالمناجاة ويذوق لذة الأنس بالله، ولينعم بمعية الله (وهو معكم أينما كنتم)؛ ليبث حزنه وشكواه وأمله ومرتجاه لمولاه وسيده فهو أقرب إليه ممن سواه (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (16: ق).

 

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)

———————————-

 

د. أحمد عبد اللطيف المطروحي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى