الأمة الثقافية

كل يوم آية.. مع الدكتور أحمد عبد اللطيف

د. أحمد عبداللطيف

 

 

 

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ..)

إن القرآن أُنزل (هدى) لمن أقالوا عقولهم فكانوا أتباعًا لكل ناعق، والذين عبدوا مالا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، إنه الهدى لأولئك الذين عكفوا على بهيمة الأنعام من أبقارهم ودوابهم؛ يتبركون بروثها وأبوالها وأشعارها يبتغون عندها القرب والنفع،

 

 إنه (هدى) للغارقين في شهواتهم المنبهرين بزخرف الحياة الدنيا، اللاهثين خلف ملذات بطونهم ومتع فروجهم، ولأولئك الذين نَحَّوا عقولهم فعبدوا مايشتهون من درهم ودينار وملبس ومأكل ومنكح، وفي المقابل هو (هدى) لمن عبدوا العقل كعبادة بني إسرائيل العجل، وعظمو الرأي أشد تعظيمًا من كلام الله؛ فزين لهم الشيطان أفكارهم وأفكار الذين يضلونهم بعلم، أوبغير علم، فاتخذوا من العقل مشرعًا وحَكَمًا حتى على الوحيين كتاب الله وسنة نبيه (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)(114 – الأنعام) ، (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ) (120 – البقرة) الذي ليس بعده إلا الغي والضلال ،

 إن الغاية من إنزال القرآن هداية الناس جميعًا إلى الحق الأوحد الذي لا يتعدد ، والنور المشرق بين آفاق الظلم الظلمات (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (1 – الأنعام) فجمع الظلمات لأن طرق الضلالة شتى متعددة مختلفة، وأفرد النور لأن سبيل الحق وطريق الهداية واحد لا يتعدد ولا يختلف عليه العقلاء العالمون (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: 43) .

 

وقف الناس جميعًا تجاه هذا القرآن منذ نزوله حتى يوم الناس هذا ثلاثة مواقف

الأول: موقف قوم قبلوه فانتفعوا به ونفعوا الناس من حولهم وهم من عَلِموا فعَمِلوا وعَلَّموا ونشروا الهدى .

الثاني: موقف قوم قبلوه فنفعوا به كل من حولهم وما حولهم، وانتفعوا هم ولكنهم لم ينشروا الهدى ولم يعلموه الناس، فهم على سبيل النجاة إلا أنهم لم يصلوا إلى همة وبذل الأولين الذين أضاؤوا الطريق لغيرهم .

الموقف الثالث: موقف قوم لم يقبلوا القرآن فلم ينتفعوا به ولم ينفعوا الناس به فلم يرفعوا بالعلم رأسًا فيبرزوا به للناس، يعملون به ويبلغونه فحُرِموا بإعراضهم عن الهدى والعلم وعنادهم للقرآن وأهله.

وثلاثتهم هم من عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ” إن مَثَلَ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلمِ ؛ كمثلِ غيثً أصابَ أرضًا، فكانت منها طائفةٌ طيبةٌ قَبِلَتِ الماءَ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادبُ أمسكت الماءَ فنفعَ اللهُ بها الناسَ؛ فشربُوا منها وسقَوا ورعَوا، وأصاب طائفةً منها أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً ، فذلك مثلُ من فَقُهَ في دينِ اللهِ، ونفعه بما بعثني الله به فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولم يقبلْ هُدَى اللهِ الذي أُرْسِلْتُ بِهِ” (متفق عليه)

فانظر أي المواقف وقفت، وفي أي الطوائف أنت؟.

—————————————

د. أحمد عبد اللطيف المطروحي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى