أقلام حرة

كريم النگادي يكتب: على ضوء الانتصارات والفتوحات الأخيرة في أفغانستان

جاء في تاريخ الطبري والبداية والنهاية لابن كثير أن الصحابة لما فتحوا تستر بعثوا بالهرمزان إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بالمدينة، فلما لقيه قال له عمر رضي الله عنه:  (يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال يا عمر: كنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا)

طالبان

فتأمل قول عمر رضي الله عنه (إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا)، هذه العبارة تظهر بجلاء السنة الكونية التي لا تحابي أحدا، مسلما كان أو كافرا، سنيا كان أو مبتدعا، برا كان أو فاجرا،

فلما تخلخلت صفوف المسلمين في غزوة  أحد بسب عدم انضباط جيش المسلمين وعصيان أوامر القيادة العليا من جانب كتيبة الرماة كانت الهزيمة من نصيبهم، رغم أن القيادة كانت متمثلة في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذه القاعدة الكونية عمل عليها المسلمين في غزة الخندق وبسببها انفضت الأحزاب عن المدينة عبر قيام النبي، صلى الله عليه وسلم، بالعمل على خلخل تماسكهم الداخلي،

ولما حصل خلاف بين المسلمين زمن خلافة عليه رضي الله عنه وانقسام المسلمين بين معسكرين (علي – ومعاوية) توقفت الفتوحات وطمع الروم في بلاد المسلمين، وما استأنف المسلمين فتوحاتهم إلا بعد عام الجماعة، والتاريخ ملئ بمحطات قوة الدول وأفولها، حيث ارتباط القوة والتمكين بالتماسك الداخلي، والأفول بالشقاق والتصدع الداخلي، قال الله تعالى (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)،

فالفرقة أحد أهم موجبات الهزيمة، وحركات التحرر في العالم الإسلامي اليوم تحققت فيها هذه القاعدة ، فلما قامت الثورة الإسلامية في الجزائر سنة  (1412) 1992 بدأت الثورة تحقق تفوق عسكري على النظام خصوصا بعد الوحدة بين الفصائل الثورية،  إلى أن دب الخلاف و الشقاق الداخلي في أواخر سنة (1414) 1994 مما جعل النظام يتنفس الصعداء ويلحق الهزيمة بهم،

ولما كانت المقاومة العراقية منذ سنة (1423) 2003 رغم اختلاف توجهاتها تقاتل جنبا إلى جنب المحتل وأعوانه، كانت الانتصارات تلوح في الأفق إلى غاية سنة (1426) 2006 يوم بدأ الخلاف والشقاق والتصدع بينهم، حينها بدأت المقاومة العراقية في تراجع مستمر،

وكذا الحال في سوريا، ففرق بين سنوات التنسيق بين الفصائل بمختلف توجهاتها  يوم كان الثوار يفتحون المدينة تلو الأخرى، وبين  يوم دب الخلاف والشقاق والذي لحقه سقوط المناطق بيد الطغاة والغزاة، هذه الخلافات هي بارقة أمل للطغاة والغزاة، وهي ما تزيد من صبرهم وجلدهم في صد جهاد الثوار.

واليوم نرى انتصارات وفتوحات الطلبة القائمين على الإمارة الإسلامية في أفغانستان، هذه الانتصارات لم تأتي من فراغ، بل جاءت من خلال تحقيق السنة الكونية المطلوبة شرعا وهي التماسك الداخلي وتحقيق الاصطفاف الإسلامي، البعيد كل البعد عن الاصطفاف الضيق الذي ينبني حصرا على أساس المذهب أو الفكر، فحركة الطلبة استوعبت في صفوفها عدد من التيارات الإسلامية باختلاف مذاهبها وأيديولوجياتها،

فرغم مذهب الطلبة الحنفي في الفقه والماتريدي في العقيدة وجنوحهم  للتصوف، إلا أنهم استوعبوا في صفوفهم مختلف المدارس من سلفيين وجهاديين بل وحتى الشيعة، محققين بذلك الاصطفاف الإسلامي تحت قيادة واحدة، وهذا ما مكنهم من إجبار المحتل الأمريكي وحلفاؤه على التفاوض من أجل الانسحاب في إعلان صريح للهزيمة بعد قرابة 20 سنة من الاحتلال الغاشم  بعد أن فقد الأمل ورهانه على تصدع حركة الطلبة القائمين على الإمارة الإسلامية، حيث بدأت حكومة الاحتلال تتداعى أمام انتصارات وتمكين جنود الإمارة الإسلامية.

وفي الختام أقول: فعلا صدق الفاروق عمر رضي الله عنه لما قال للهرمزان: (إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم و تفرقنا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى