تقاريرسلايدر

كازاخستان.. أبرز ما في مسيرة استقلالها منذ 1991

كتب- أبوبكر أبوالمجد
يوافق 16 ديسمبر لهذا العام الذكرى التاسعة والعشرين لاستقلال كازاخستان.. تلك الدولة الإسلامية الواقعة في آسيا الوسطى ويربطها بمصر والعالم العربي تاريخًا مشتركًا حيث كانت منبع المماليك الأشاوس وعلى رأسهم الجد الأكبر لهم الظاهر بيبرس.

زمن الرئيس الأول

يعد الرئيس الأول لجمهورية كازاخستان نور سلطان نزارباييف، حالة قيادية فريدة في تاريخ البلاد، وربما في تاريخ الدول في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تحمل الرجل على عاتقه أعباء النهوض ببلد “كان على حافة الهاوية”.

فقد شهد القرن العشرين شهد سلسلة قفزات لكثر من الدول نحو الحداثة، في مناطق متفرقة من العالم، كان من بينها ظهور النمور الآسيوية ثم نجاح الصين، وفي العشرينيات تطور بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، وحاليًا ما شهدته دول كالبرازيل وأندونيسيا والمكسيك وبلدان أخرى.

وتزامنت ولادة النهضة الكازاخية التي قادها نزارباييف مع المرحلة التاريخية الصعبة في التسعينات، حيث تفكك الاتحاد السوفيتي، وسيطرت الولايات المتحدة على السياسة الدولية، وكانت الدول المستقلة وعلى رأسها كازاخستان مهددة بالتشرذم والتشظي نظرًا لتعدد القوميات والثقافات والأديان فيها، إضافة لأحداث هددت الأمن الدولي والطاقة وأسواق النفط، علاوة على تشكل منطقة أوراسيا.

إضافة لهذه الصعوبات كانت صعوبات أخرى سببها موقعها الجغرافي، حيث كانت تقع بين القوى العظمى مثل روسيا والصين، والجنوب غير المستقر، بعيدًا عن المياه الدولية على الجانب الداخلي للقارة.
هذا الموقع الجغرافي شكل تهديدًا جيوسياسيًا وصعوبة اقتصادية.

لكن شخصية القائد الأول كانت هي العامل الأهم في تاريخ الجمهورية الناشئة، والدور الذي لعبه في تاريخ كازاخستان يمكن مقارنته بالدور الذي قام به أدوار شارل ديغول في فرنسا، ومهاتير محمد في ماليزيا ولي كوان يي في سنغافورا ودينغ شياو بينغ في الصين، ومصطفى كمال أتاتورك في تركيا، على صعيد تطوير بلدانهم.

فوضع كازاخستان كان سيئًا للغاية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وخاصة في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، حيث استغلها الروس كمخزن للزراعة والمواد الخام في عهد الاتحاد السوفيتي.

ومع تفكك الاتحاد السوفييتي، تدهور الوضع الاقتصادي لكازاخستان، حيث انخفض حجم الإنتاج الصناعي فيها بين عامي 1990 و 1994 إلى النصف، والزراعة إلى 30 بالمائة، والنقل إلى ثلثي المستوى السابق، وتوقفت أعمال عمالقة الصناعة في مجال الفحم والتعدين والقطاعات الأخرى، وزادت البطالة، وبدأت الهجرة الاقتصادية الجماعية”.

وكان على قيادة كازاخستان التغلب على كل هذه الصعوبات، في ظل مؤسسات حكومية هشة أو متقاعسة، للانتقال إلى اقتصاد السوق.
لكن كانت أولى أولويات القيادة الكازاخية، الحفاظ على السلام المجتمعي الذي يتكون من أكثر من 130 مجموعة عرقية، وما يزيد عن 30 طائفة دينية.

واستطاعت كازاخستان الفتية المرور بجميع هذه الطرق الشائكة تحت قيادة رئيسها الأول، والتغلب على كل الصعاب والتحديات التي واجهتها في السنوات الأولى، وتحولت العديد من الأزمات إلى فرص، حيث اتخذ زعيم كازاخستان ومؤسسها، القرارات الصحيحة في الوقت المناسب ونجح في نقل البلاد من وسط متأزم إلى مستوى جديد من التنمية.

استعان الرئيس الأول بتجارب دول ناجحة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والصين، وراقبها عن كثب، ومع ذلك لم تقم أبدًا باستنساخ نماذج التنمية الأجنبية، سواء كانت آسيوية أو أوروبية أو أمريكية، فليس ضمن هذه النماذج ما يناسب واقع كازاخستان، فتم خلق نموذج فعال للإصلاح والتطوير والحوكمة بمذاق كازاخي خالص.

منذ أوائل التسعينات، طور نور سلطان نزارباييف برنامجًا للإصلاح السريع في جميع مجالات تنمية الدولة ونفذ بنجاح التحديث الوطني، حيث وضع صيغة التنمية الخاصة به “الاقتصاد أولاً، ثم السياسة”، وبعبارة أخرى، من أجل تطوير مؤسسات ديمقراطية، ينبغي أن تتحقق التنمية الاقتصادية أولاً، وتُعرف هذه التجربة اليوم باسم “نموذج نزارباييف” أو “طريق كازاخستان”، حيث يرتكز هذا النموذج على هيكل الدولة الذي تم إصلاحه بشكل مدروس وتدريجي.

إن تاريخ التنمية في كازاخستان طوال ثلاثين عامًا التي قاد فيها نزارباييف البلاد، يمكن اختصاره في مراحل ثلاث أساسية للتحديث والتطوير.

المرحلة الأولى

المرحلة الأولى من التحديث، بدأت في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وكان هدف تلك المرحلة هو إعادة بناء نظام الإدارة العامة، وإرساء الاقتصاد والاندماج في المجتمع الدولي.

وفي تلك المرحلة حققت كازاخستان طفرة على الأصعدة الثلاث، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واختارت الديمقراطية كنموذج في التطوير السياسي لجهاز الدولة.

وفي عام 1995، تم إعداد النظام السياسي القائم على مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بموجب الدستور، وشهدت بعد ذلك كازاخستان، تحولات اقتصادية كبيرة، ونجحت في تحقيق الاستقرار والحفاظ على الانسجام العرقي والديني في المجتمع.

وأعلنت كازاخستان نفسها دولة مسالمة، وتخلت عن رابع أكبر ترسانة نووية موروثة من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.

وبدأت الدولة الفتية بعد ذلك بتأسيس علاقات دبلوماسية مع العديد من الدول حول العالم، وأصبحت معترف بها كعضو في المجتمع الدولي.
وخلال هذه الفترة، اتخذت كازاخستان خطوة غير متوقعة ووضعت استراتيجية لتطوير الدولة على المدى الطويل، ففي عام 1997، كشف نزارباييف عن استراتيجية بلاده لعام 2030.

فبينما كانت الدول التي انشقت عن الاتحاد السوفيتي تصارع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قام نزارباييف بتحديد رؤية بلاده لما هو أكثر من 30 عامًا.

المرحلة الثانية

أما مرحلة التحديث الثانية لكازاخستان فبدأت في أواخر تسعينات القرن الماضي، واكتملت في منتصف عام 2010.

وفي هذه الفترة، بدأت كازاخستان، التي ظهرت عليها معالم الدولة بشكل واضح واستطاعت الوقوف على قدميها، بجني ثمار سياسات الإصلاح الصارمة التي اتبعتها أوائل التسعينات.

وبقيادة الرئيس الأول، حقق اقتصاد البلاد نموًا مستدامًا، فقد تشكلت المؤسسات الحكومية الحديثة وظهرت الطبقة الوسطى في البلاد.
ونتيجة للإصلاحات التي شهدتها كازاخستان، زاد مستوى الرفاهية للمجتمع، حيث وصلت حصة الفرد من إجمالي الناتج المحلي إلى 12 ألف دولار عام 2013، بعد أن كان هذا الرقم عند حدود 700 دولارًا في تسعينيات القرن الماضي.

وبسبب هذه القفزة النوعية، أدرج البنك الدولي كازاخستان بين البلدان المتوسطة الدخل، واستطاعت الدولة أن تنقذ نفسها من الأزمتين الاقتصاديتين العالميتين 1998/ 2008 بأقل الخسائر.

الإنجاز الآخر الذي تحقق في كازاخستان خلال المرحلة الثانية للتحديث، هو إنشاء عاصمة جديدة للبلاد حملت اسم مؤسس الجمهورية “نور سلطان نزارباييف”.

في عام 2012 ، دخلت كازاخستان قائمة الدول الـ50 الأكثر تنافسية في العالم، ليعلن بعدها نزارباييف استراتيجية بلاده لعام 2050، التي تمثلت في إدراج كازاخستان على قائمة الدول الثلاثين الأكثر تطورا وتقدما في العالم.

المرحلة الثالثة

وفي عام 2017، كشف الرئيس نزارباييف عن المرحلة الثالثة من التحديث، وبفضل سياساته، ارتفع إجمالي الناتج المحلي للبلاد من 22 مليار دولار إلى 184 مليار دولار.

وبفضل جهوده الرامية لتحسين ظروف النشاط التجاري في البلاد، قفزت كازاخستان من المرتبة 86 إلى المرتبة 25 في مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال التابع للبنك الدولي.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف التنموي الجديد، كان لا بد من إنشاء دولة مسؤولة ومهنية لتلبية متطلبات المجتمع، فكان من بين أولويات هذا العصر الجديد، التنمية الفعالة للاقتصاد، وجذب الاستثمارات من الخارج، والتصنيع المبتكر، والمزيد من التحديث الاجتماعي وحماية وحدة الشعب.

وخلال هذه الفترة، تقوم التنمية الوطنية على تنمية رأس المال البشري في إطار البرنامج الخاص “التحديث المعنوي”، حيث تشكل هذه المراحل الثلاث من التحديث التي لا تتداخل أهدافها، عملية التحديث والتطوير الشاملة.

فهيكلة الدولة المستقرة، والنظام الرئاسي القوي، أتاحا تحقيق الإصلاحات في البلاد، وبشكل عام يمكن القول الآن أن كازاخستان الحديثة تجاوزت بالفعل فترة التسعينات حيث كانت تكافح من أجل البقاء، ودخلت المنافسة العالمية لتحتل مكانها بين أكثر البلدان تقدمًا.

وبفضل نهج نزارباييف المتوازن في السياسة الخارجية حيث يعرّف هذه السياسة بأنها “تعدد التوجهات”، ضمنت كازاخستان أمنها، وتحولت إلى عضو يحظى بالاحترام في المجتمع الدولي.

كما تم تنفيذ معظم الأفكار والمبادرات التي طرحها الرئيس الأول على الساحة الدولية، وأصبحت كازاخستان واحدة من الدول الرئيسية في مجال الأمن النووي عالميًا، وحققت بعض النتائج في سياسات حفظ السلام وفي حل النزاعات في العديد من المناطق من قبيل قره باغ، والأزمة النووية الإيرانية، وأوكرانيا، وسوريا ودول أخرى.

وساهمت سياسات كازاخستان الموجهة نحو السلام في اختيارها لعضوية منظمات دولية مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة التعاون الإسلامي، والعضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي للدورة 2017-2019، ورئاسة منظمات دولية أخرى.

وتم إنشاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بناء على أفكار نزارباييف، فأصبحت كازاخستان عضوا في منظمة التجارة العالمية، إضافة إلى أنها أصبحت الدولة المركزية من حيث ممرات النقل والتجارة بين الشرق والغرب، بفضل تنفيذ مشاريع البنية التحتية الرئيسية.

ونتيجة لمراحل التحديث الثلاث التي قادها نزارباييف، تمكنت كازاخستان من صنع قفزة زمنية، انتقلت البلاد خلالها من فترة سياسية تاريخية إلى فترة جديدة، ومن نظام اقتصادي إلى آخر.

وهذا النموذج يشكل اليوم نموذجًا يحتذى في منطقة آسيا الوسطى بالكامل.

استقالة الرئيس الأول

قبل أكثر من عام علي انتهاء فترة رئاسته القانونية والدستورية، وفي 19 مارس 2019، فاجأ الرئيس الأول نور سلطان نزارباييف العالم كله وليس شعبه فقط بتقديم استقالته من منصبه الرفيع كرئيس للبلاد!

وجاءت استقالة نزارباييف؛ بالرغم من أن الجمعية الوطنية (مجلس سينات كازاخستان) منحته حق رئاسة البلاد مدي الحياة، إلا أنه آثر تقديم استقالته بعد استشعاره أنه أدى رسالته وأن بلاده وصلت لمرحلة الاستقرار الشامل على كل الأصعدة، ليفسح المجال لكادر قيادي جديد يثق في قدرته على استكمال مسيرة الوطن الخالد.

وأسفرت الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو 2019، عن تولي الرئيس قاسم-جومارت توقاييف، القيادة، خلفًا للرئيس الأول، ليستكمل مسيرة كازاخستان الناجحة في طريق البناء والإصلاح، وتحقيق طموحات شعب كازاخستان.
فشخصية توقاييف تمتلك الكثير من الجوانب الجديرة بالاحترام، واكتسب العديد من المهارات من خلال ملازمته للرئيس الأول أثناء مسيرة مأسسة الدولة، إضافة لعمله كوزير للخارجية لعشر سنوات، ثم رئيسًا للوزراء، فرئيسًا لمجلس الشيوخ، فرئيسًا مؤقتًا للبلاد.

كل هذه المناصب أهلته دون أدنى شك لاستكمال مسيرة كازاخستان الفريدة كنموذج يحتذى للكثير من دول العالم وخاصة بلاد آسيا الوسطى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى