آراءمقالات

عن القيادة ولها (9).. الطاعة التي صارت «عورة»

Latest posts by كارم عبد الغفار (see all)

♦ أراد عمر بن الخطاب يومًا أن يختبر حساسية الصحابة والتابعين تجاه الخطأ والاعوجاج من قبل القائد، يعني ماذا سيكون رد فعلهم لو حاد الخليفة أو تهاون؛ فقال، وكان حوله الأنصار والمهاجرون: «أرأيتم لو ترخّصت (يعني تهاونت) في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟» فسكتوا، فعاد مرتين، فقال بشير بن سعد: «لو فعلت قومناك تقويم القدح (السهم)»، قال عمر (مبتهجًا مطمئنًا لرجاله): «أنتم إذن أنتم» (التاريخ الكبير بسند رجاله ثقات).

 

♦ لكن بعد عشرين عامًا أو أكثر قليلًا، تغيرت تلك الحساسية، أو نقول ضمرت تجاه الاعوجاج بسبب حوادث الفتنة وما بعدها، لدرجة السكوت التام خوفًا من العواقب، وفي ذلك يروي الطبراني (بسند صححه الألباني) واقعة لمعاوية شبيهة أراد أن يختبر بها هو الآخر تلك الحساسية.. قال أبو قبيل: خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: “إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا, ومن شئنا منعنا”، فلم يرد عليه أحد! ثم كررها في الجمعة التالية فلم يرد أحد، وفي الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل فقال: كلا, بل المال مالنا والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا (وبينت الرواية بعد ذلك أن معاوية ابتهج بالرجل أيضًا).

 

♦ الشاهد أن الجمهور رد على الفاروق – وهو من هو – في نفس المجلس وبقوة وصراحة، أما في زمن معاوية، أي بعد جيل تقريبًا؛ فقد انتظر ثلاثة أسابيع حتى قام رجل يعارضه في الكلام.

 

♦ ركن (السمع والطاعة) في لائحة العمل الحركي، قانون اجتماعي بدهي في أي منظومة أو مؤسسة، لكن تم تشويه فحواه بشكل كبير من قِبل خصوم الإخوان ومن قبل الإخوان أنفسهم، أما من قبل الخصوم فمعروف ومناقشته ليس محلها..

 

♦ أما من قِبل الإخوان، فقد تحول هذا الركن من مجرد آلية بدهية يتم تفعيلها عند تنفيذ قرار مؤسسي أو إنجاز مستهدفات يومية، إلى مزاج عام وحالة نفسية، بل صار لها بعد أخلاقي وأخروي أكثر من كونها مسألة إدارية، وعليه صار التابع يريح نفسه من عناء المناقشة والتفتيش عن معلومة في الغالب لن يصل إليها، وصار القائد أو القائد الوسيط أكثر أريحية في إصدار الأوامر أو نقلها؛ لأن أحدًا لن يناقشه فيها أو يناكف في تنفيذها أو حتى يسأله عن أسئلة عميقة عن سبب صدورها، وتحوّرت هذه الصورة حتى تجسدت أحيانًا في تأييد قرارات غيـبية، أي قبل العلم بمضمونها وبالتالي قبل صدورها.

 

♦ قد يقول البعض: ما المشكلة ما دام العمل سيتم على أكمل وجه، وما دامت دورة القرار اتخذت شكلها المؤسسي الطبيعي حتى وصلت للجنود؟! بصرف النظر عن مسألة “دورة القرار” لأنها تحتاج تعليقًا، لكن سنفترض ذلك، فإن الإشكالية هنا أنه مع مرور الوقت يتحول المجتمع الذي هذه طبيعته أو أهم سماته، يتحول من دائرة «عمر» المتيقظة المتحفزة إلى دائرة معاوية الوجلة الخائفة، يتحول الجمهور من صاحب مصير مشترك مع القائد ينبهه ويوقظه ويناكفه ويناقشه ويدفعه إلى القرار الأصوب أو إعادة النقاش مع قائده الأعلى، إلى شيء شبيه بعسكري نفر يسمع ويطيع وله الأجر والثواب، فيتحول الأمر إلى كسل عقلي وتسليم كامل بكل معطيات رأس الهرم، فيظل القائد على استرخائه في اتخاذ القرارات المعرضة بطبيعة الحال للخطأ والصواب، والنتيجة الأخطر أن “الفرد الطائع” سيصير بطبيعة الحال قائدًا في يوم من الأيام، ولكن ستكون جاهزيته أقل للقيادة.

 

♦ من ناحية أخرى يملك الإخوان هندسة توظيف للعناصر في أجندة العمل اليومي أكثر من رائعة؛ فلا يوجد فرد إلا وهو عضو في لجنة أو مسئول عنها، وبالتالي مشارك صغير في قرارات صغيرة، لكن هذه الصورة البهية يعكرها أنها لا تفيد كثيرًا في تفادي ما ذكرناه أعلاه؛ لأن 90 بالمائة من الأفراد يظلون نحلة صغيرة في خلية، لا يتم تفعيل إرادته ورأيه سوى في لجنته وجدول أسرته الصغيرة.

 

♦ باختصار نريد أن نخرج من هذا التنظير العاجل إلى أن نقول إن الطاعة بشكلها القديم تحولت إلى عورة يتصديها الخصوم، وإلى خلل يجب تصحيح تصوره وتفعيل منهج تربوي جديد يكون شأنه تخليق أكبر قدر ممكن من القادة الحقيقيين حتى وهم يقومون بدور الجنود، ويتم استثمار المواقف الكبيرة والقرارات الخطيرة في تمكين الجميع من النقاش والمناكفة والأخذ والرد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى