آراءمقالات

على جناح الفن (1).. «المشايخ وشاشة السينما»

كارم عبد الغفار
Latest posts by كارم عبد الغفار (see all)

♦ في لقائه الفريد الشهير مع فتى شاشة السينما حينها؛ دخل الشيخ حسن البنا وفي ذراعه صديقه د. عساف إلى حجرة مدير البنك.. فوجدا رجلًا وسيمًا جالسًا مع المدير.. انتفض الوسيم واقفًا مرحبًا بالشيخ:

– أهلًا أهلًا حسن بك..

 

ابتسم البنا للرجل الوسيم ووقف ثواني يدير محرك ذاكرته التي لا تنسى أحدًا، لكن لم تسعفه الذاكرة؛ فتقدم نحو الرجل يصافحه بترحاب، فبادره الرجل:

 

– أنا أنور وجدي المشخصاتي!

هز البنا رأسه وشد على يدي وجدي بامتنان:

–  أهلًا أهلًا بالفنان..

قال وجدي:

–  طبعًا أنتم شايفنا كفرة، بنعمل كل يوم معاصي، في حين أنا والله أقرأ القرآن، وأصلي.

ابتسم البنا:

– يا أخ أنور، أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم أعمالكم.. فالتمثيل ليس حرامًا في حد ذاته.. ولكن الحرام هو الموضوع الحرام.. وأنت وإخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام.. بل قد تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة من كثير من وعاظ المساجد إذا التزمتم مكارم الأخلاق.

 

هز أنور وجدي رأسه ممتنًّا ومعجبًا بصياغة الكلام، ثم أردف البنا:

– أنا أرحب بك.. وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين..

 

♦ ورغم تقليدية الحوار بين الطرفين، وكونه لم يظهر كثيرًا حول إدراك البنا لطبيعة الفن، إلا أنه مؤشر واضح على استيعاب مؤسس أكبر جماعة إسلامية لمهمة الفن في مراحله التمهيدية، وقد انعكس ذلك على الصف الإخواني المحيط به حينها وبالتالي على المتدينين بشكل عام؛ فكان للإخوان والملتزمين مشاركة واضحة في الأعمال الفنية، بل ظهرت ظلال التدين وإعلاء القيم بشكل واضح في الأعمال الفنية حينها حتى بدت خطابية بعض الشيء، والفنان حسين صدقي شاهد رئيسي على هذا.

 

♦ وهذا الاستيعاب للفن والإبداع بشكل عام، ودورهما من قبل جيل التأسيس في جماعة هي الأكبر في أجنحة الإسلاميين لم ينعكس بالدرجة نفسها على الجيل الثاني للإخوان وبالتالي على المتدينين بشكل عام، ولم يتحول هذا التصور إلى مشاركة حقيقية مؤثرة فاعلة بعيدًا عن غطاء الجماعة أو الإسلاميين، أو حتى مجرد دعم من بعيد للفن والإبداع الملتزمين بقضايا الدين وهم الوطن والإنسان.

 

♦ ولعل هذه الفقرة في مذكرات أ.عمر التلمساني (المرشد الثالث) توضح تكوين أحد أعلام الإخوان والفارق الهائل بينه وبين جيله حينها والجيل الذي تلاه والجيل الحالي؛ حيث يقول: “إن في حياتي ما لا يرضي المتشددين من الإخوان أو غيرهم!!”، ثم يذكر من ضمن هذه الأشياء: “لما كنت أباشر عملي كمحام وأنزل يوم الجمعة لأشاهد بعض الأفلام السينمائية، كنت أنتهز فرصة الاستراحة لأصلي الظهر والعصر مجموعين مقصورين في أحد أركان السينما التي أكون فيها” [ذكريات لا مذكرات 3 ، 26]، وبعيدًا عن محاكمة الواقعة بالهجوم أو بالدفاع التي سيسارع إليه البعض كعادتنا؛ فهي لا تعدو أن تكون ذكرى للرجل؛ لكن المقصود هنا هو لفت النظر إلى التكوين النفسي والذهني لأكبر رجل في الإخوان حينها، وكيف كان لذلك التكوين بعده الإيجابي على شخصه وعلى حضوره الطاغي وعلى استيعابه العالي للحياة في عصره، والذي لم ينتقل إلى إخوان عصره أو الذين هم من بعده بالدرجة نفسها، فضلًا عن انتقاله للإسلاميين بشكل عام.

 

♦ أما الرئيس مرسي – رحمه الله – فقال مؤكدًا اطلاعه واستيعابه للسينما ودورها: “هناك أفلام في التاريخ في العالم صنعت ثقافات في الدول أوجدت حالة من الإرادة الشعبية عالية جدًا، شوف الأمريكان لما حبوا ينسحبوا من فيتنام عشان ما يتقالش عليهم منهزمين عملوا The Deer Hunter (صائد الغزلان)، هذا الفيلم 4 ساعات يعالج مشكلة اجتماعية نشأت بسبب الحرب يهيئ المجتمع كله لقرار الانسحاب من فيتنام”، ويضيف في حواره مع الإبراشي: “بص لفيلم Gone with the Wind (ذهب مع الريح) يعالج مشكلة اجتماعية قائمة في المجتمع” ويضيف: “عندما شاهدنا الرصاصة لا تزال في جيبي أوجد حالة من الثقة والإحساس بالاعتزاز”.. وبالطبع حالة الرئيس مرسي كانت استثناء أيضًا مثل استثناء التلمساني.

 

♦ كل ما سبق يعنى أن المستوعبين للفن وقضاياه ونماذجه والمتعاطين معه والفاعلين فيه كانوا شريحة صغيرة جدًا وسط الإخوان ولا يزالون، بالتبعية هم قلة لا تكاد تُذكر وسط عموم المتدينين ولا يزالون.

 

فعودوا..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى