آراءمقالات

حسبة عويس

Latest posts by كارم عبد الغفار (see all)

♦ خبر عادي: «باشرت النيابة العامة المصرية تحقيقاتها في وفاة المواطن عويس الراوي، موضحة أنها كانت قد أذنت بضبط المتوفَّى وآخرين من ذويه لاستجوابهم فيما نُسب إليهم من جرائم (إرهابية!) على ضوء ما أسفرت عنه تحريات «قطاع الأمن الوطني»، إذ أُخطرت «النيابة العامة» بوفاته بعد محاولته (مقاومة!) قوة الشرطة التي توجَّهت إلى مسكنه وذويه المطلوب ضبطهم نفاذًا لإذن «النيابة العامة»، وذلك بـ(سلاح ناري آلي!) ضُبِط جوارَ جثمانه بقصد الحيلولة دون تنفيذ الإذن».

 

♦ في لحظة تلقيه الرصاصة برأسه، تخلص عويس من ألم الإهانة التي ذبحته؛ فهو بذلك مات مرتين مرة برصاصة الإهانة ومرة برصاصة الضابط، وإذا اعتبرنا أن رده الصفعة للضابط انتقامًا في محله، إذن فقد مات عويس مرة واحدة التي يموتها الجميع، وخرج الرجل كسبانًا على الأقل أمام نفسه.

 

♦ لكن للأمر وجه آخر وحسبة أخرى تحتاج تدقيقًا؛ فالعجوز المسكين أبو عويس المُهان، سيموت ست مرات.. مات عندما أُهين من بلطجي بدبورة، ومات عندما فجروا رأس ابنه أمامه، ومات عندما زوّروا سبب موت ابنه، ومات عندما أجبروه على مشاركتهم التزوير، والخامسة موتته التي يعيشها مضطرًا وسط هذه الموتات، والسادسة التي ينتظرها الجميع.

 

♦ السؤال هنا: أمام هذا الواقع الأسود الكئيب الذي نعيشه، هل ما فعله «الراوي» كان الأصوب أم كان الأولى أن يتغاضى، كما نتغاضى عربًا ومصريين عن صفعنا وركوبنا منذ عشرات السنين؟! إما سياسة وصبرًا أو «غصبًا نأخذه بجميلة!»؟

 

♦ ندقق في المشهد: رجل يرى أباه يصفعه بلطجي ببدلة بوليس أمام جنود وشهود وفي لحظة ساخنة ستنقلها الألسنة، الحسبة التي حسبها عويس أنه سأل نفسه في فيمتوثانية: هل أرد الصفعة وأتلقى رصاصة تنقلني بعيدًا عن هذا المشهد المذل، وأكون قد شفيت غليلي قبل رحيلي، وكلنا سنرحل؟ أم أسمع صوت الحكمة و«أُماين» لأني أعرف أن ما سيجري لأبي وأسرتي بعد موتي سيكون أكبر بكثير من صفعة الضابط له!

 

♦ اختار عويس الخيار الخطأ – ظاهريًّا – لكنه الصواب الفطري الموافق تمامًا للحظة، بل في الحقيقة هو لم يختر، هو دُفع إليه دفعًا؛ لأن التكوين البشري السليم جنح به لهذا، بالضبط عندما تهاجمك عصابة ويخيرونك بين (انتهاك عرض زوجتك وتركك حيًّا) أو (قتلك وانتهاك عرض زوجتك)، أي العرض في الحالتين منتهك! الحسبة المنطقية تقول أن تترك عرضك يُنتهك وتعيش لأسرتك، لكن حسبة الفطرة التي أودعها الله في خلقه تقول الخيار الثاني، هو أن تقاوم حتى يذبحوك، رغم أنها الحسبة الخاسرة، ورغم أنها مقاومة يائسة بائسة!

 

♦ رغم ميلي شخصيًّا إلى الخيارات الأكثر سياسة في مشاهد أخرى، لكن لماذا كان خيار عويس هنا هو الخيار الأعلى مكسبًا؟ لأن الفطرة لا بد أن تظل محروسة أمام الخلق بنفر أو بأنفار، لا بد أن تظل قيمة «النخوة» لها ناصر، لا بد أن تظل هناك حكاية استثنائية تضبط إيقاع ضمير الإنسان، لا بد لفروض الكفاية من قائم بها، شيء من قبيل «ليعلم أبناؤنا أن آباءهم (أو بعض آبائهم) كانوا رجالًا لا يقبلون الضيم»، شيء من قبيل تضحية الفتى محمود البنا بنفسه دفاعًا عن فتاة، شيء من قبيل الحجارة الضعيفة التي تُلقى في وجه الصهاينة، شيء من قبيل الـ(لا) الصامدة خلف قضبان المجرمين.. فـ«حراسة فطرة الإنسان» كرامة يختص الله بها بعض خلقه..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى