آراءمقالات

المتفذلكون في الأرض

Latest posts by كارم عبد الغفار (see all)

كنا نجلس في ليالي العيد في ميضة «جامع صادق» الصغير نخطط لدورة العيد الكروية وكيف نستطيع التغلب على أعتى الفرق بخطة محكمة «متفذلكة» مغرقة في التفاصيل، لدرجة أننا كنا نسهر نحدد من سيرمي “الآوت” ويضرب “الركنية” حتى إذا ما أصبح الصباح ونزلنا الملعب تلقينا هزيمة ساحقة.

الفذلكة مصطلح لا أدري من أين جاء تحديدًا، وهو مذكور في كتب قديمة بمعنى الخلاصة والاختصار، لكنه معلوم في البداهة المصرية ومقصود به البهرجة والتهريج والتسطيح والتزيين الفارغ للمفاهيم والسلوكيات من خلال الإغراق في تفاصيل تافهة تلوي عنق الأشياء وتفرض أشياء غير مفروضة.

سؤال اليهود عن البقرة، كان تأسيسًا لـ«الفذلكة» المهلكة التي إذا دخلت أذهان قوم سحبتهم من مناخرهم إلى تشقيقات وتفصيصات قاتلات وخنقت فيهم روح الحياة.

تفذلك الشيخ الأستاذ فلان على نفسه عندما غير اسمه الذي كان «محمود سعد كذا»، فحذف «سعد» من اسمه، وذلك لنفي الارتباط بسعد زغلول الذي لم يكن يحبه، ثم أسس كثيرًا من أفكاره على فذلكات شبيهة.

وتفذلك الداعية فلان عندما أراد أن يلخص عبقرية الاقتصاد الإسلامي في تصويرهم مجموعة من العصابات تسعى وراء الغنائم والجواري والجزيات، فأعماها من حيث أراد أن يكحلها.

والفذلكة تجدها صارخة في عشرات من مسائلنا الفقهية المغرقة في التفاصيل، والتي صارت عورات بعد ذلك يستثمرها الساقطون في تشويه التراث.

وكثير من طرح السلفيين كان، ولا يزال، في أساسه فذلكات موغلات في التسطيح والتلفيق، خاصة في حقول التنطعات والتشديدات على خلق الله في أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.

أما فذلكات اليسار والشيوعيين والعلمانيين العرب فعصية على الإحصاء، وهي السبب الأساسي في انطفاء شموعهم مبكرًا، وتحول غالبهم إلى جوارب في أقدام الحاكمين ولم ينتشر فكرهم إلا على فوهات الدبابات.

أما فذلكات «الفيس» وتسطيحاته فستتعثر بها في كل ضغطة «رفرش» لغالب صفحاتنا، نفس الفكرة بنفس المعاني وأحيانًا نفس الصياغات، وأقربهم دليلًا الصفحة التي تقرأ فيها هذا المنشور.

ونندفع للفذلكة ابتداء بسبب فراغ جرابنا من مضامين معرفية وافية عن الحياة والأحياء، وبسبب العجلة في إبداء الآراء والشهوة العارمة في الظهور على السطح، فينشغل الذهن المتعجل بقشور تسحبه إلى سطحيات والسطحيات تجره إلى توافه الأشياء ثم يعتنق تلك التوافه على أنها «أفكار»؛ فيتفذلك فيهلك.

فاحذر الفذلكة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى