آراءمقالات

اصنع بطلك

كارم عبد الغفار
Latest posts by كارم عبد الغفار (see all)

♦ القرن الأول الهجري: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فزع الكون وما فيه وارتبكت عقارب الزمان وسقطت سيوف الفرسان، ولم يبق للعاصفة في صدمتها الأولى إلا «أبو بكر»، الذي صنعه النبي على عينه فترقى للصديقية ومن ثم ترقى لبطولة لم يكن ليصل أعتابها لولا أنه شرب من معين الرسول.

 

♦  غرز أبو بكر قدمه النحيلة في الأرض وعلق عنقه الطويل بالسماء وصد بصدره الرياح وأكمل مسيرة صاحبه؛ فحرس الأرض وأمن حماها وحرثها وسقاها وسلمها للعبقري «عمر» ليستأنف رعايتها ويضاعف خيرها.. فلولا (دلو) أبي بكر ما كانت (دلاء) البطل عمر، والله قدير.

 

♦ القرن الثاني الهجري: وتحديدًا في نهاية الأول وبدء الثاني، وسط عائلة بني أمية المتوغلة بمخالب حكم عاض متجبر، استطاع سليمان بن عبد الملك أن يكسر سلسلة التوريث البغيضة مؤقتًا بانحناءة شجاعة بعيدة قليلًا عن المسار وفريدة في تاريخنا الإسلامي ما بعد الراشدين؛ فرشح للأمة بطلًا ذا كفاءة، وأهدى للتاريخ رجلًا نادرًا هو عمر بن عبد العزيز.. فلولا استفاقة سليمان ما كانت معجزة عمر، والله قدير.

 

♦ القرن الخامس الهجري: بعد قرون شبه معتمة في بلاط حكام المسلمين ووسط واقع شعبي صخري جاف وتناحر وتقاتل، أشعل الرباني الفذ عبد الله بن ياسين شمعة في غرب أفريقيا وسلمها لتلميذه التقي أبي بكر اللمتوني فاتخذ طريقه في بحر أفريقيا سربًا وصنع اللمتوني لنفسه ودينه مجدًا فأشعل قناديل الإسلام التي أطفأتها غباوة الطباع وطول العهد، ثم أهدى لأفريقيا والأندلس ابن عمه يوسف بن تاشفين، وترك له عرش الملك طواعية مؤثرًا بطله الذي رباه على نفسه في حادث ليس له في تاريخنا شبيه.. فلولا ابن ياسين ثم تلميذه اللمتوني ما كان ابن تاشفين، والله قدير.

 

♦ القرن السادس الهجري: على بعد بضعة عقود من ابن تاشفين وبضعة آلاف الأميال منه، فوجئ العالم بسنابك فرس عماد الدين زنكي تضرب أرض المسلمين لتوقظ الغافلين؛ ليصطفوا من جديد خلف فارس مجيد، ثم سلم زنكي الراية لنجله النجم المنير نور الدين؛ فكان رجلًا بإيمان يشبه إيمان أبي بكر وعزيمة كعزيمة عمر وزهد كزهد ابن عبد العزيز وقوة كقوة ابن تاشفين؛ فجمع شتات الأمة ولملم ضفائرها وهيأ الدولة وزينها للنبيل قمر التاريخ وباعث روح الإسلام في عصره (يوسف صلاح الدين).. فلولا ضربة فرس زنكي ما كانت جذوة نور الدين وما اهتدى البطل صلاح الدين، والله قدير.

 

♦ القرن السابع الهجري: وبعد عقود أصاب الأيوبيين ما أصاب السابقين من وحل الاستبداد وتناحر العروش؛ فخرج إلينا قطز من ثقب جدار التاريخ دون سابق إنذار أو تمهيد لمهمة ثقيلة مستحيلة ليقول: أنا لها. فوقّع البطل حضورًا سريعًا في ديوان الحكام الكرام وفلتات الزمان، ثم أعطى مفتاح بوابة دولة المماليك للعملاق بيبرس.. فلولا مفتاح قطز ما ولج الظاهر، والله قدير.

 

♦ القرن التاسع الهجري: وعلى بعد رمية قوس من الجغرافيا والتاريخ، وفي الوقت الذي كانت تتساقط فيه شرفات الأندلس وتحترق أراضيه وتحتضر روحه المتعبة بمحاكم التفتيش، كان السلطان العثماني مراد الثاني يرسم لولده الشاب مسلكًا في أروقة الخالدين دافعًا إياه إلى أبواب القسطنطينية، فلولا دفعة مراد ما فتح محمد الفاتح، والله قدير.

 

♦ القرن الثالث عشر الهجري: وفي الوقت الذي تسرب فيه المرض وتوغل بين أضلع (عثمان الأسيوي العجوز) ظهر (عثمان أفريقي فتيٌّ)، هو عثمان بن فودي، فارس مجيد سقاه شيخه “جبريل” من نهر العلم وصنعه على عينه ورتب عقله وهيأ قلبه ثم دفعه للميدان وبايعه وطاوعه، حتى قال فيه عثمان شعرًا: (إن قيل فيّ بحسن الظن ما قيلا.. فموجةٌ أنا من أمواج جبريلا)، فلولا مدد الشيخ جبريل ما جدد المجدَ عثمانُ، والله قدير.

 

♦ في تاريخنا، صناعة البطل أو تمهيد الواقع له «بطولة تفوق بطولة البطل» بل هي أرقى وأرجى وأتقى من حرق الوقت في عد معايب الشائهين المشوهين؛ وبطولة صناعة البطل نحتاجها في التربية والدعوة والسياسة والفنون، وكل شأن فيه قدوة ومقتد؛ فإن لم تكن بطلًا فاصنع بطلك، وقد يكون بطلك ابنك أو ابنتك أو أي شخص يحتاج ريَّك ورأيك ودعمك وضيَّك؛ فلعله يعلو بمددك وسندك؛ فيعلو – عند الله – مجدك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى