آراءمقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (12)

يقول تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ}

آية جليلة القدر، من آيات القرآن، بها مخزون عجيب من الحكمة الصالحة للاستلهام المعاصر.. الآية تتكلم عن حفظ الذرية بمادة صلاح الآباء.. وتتكلم عن الرحمة المتجاوزة العابرة للأجيال.. وتتكلم عما به حفظ الأولاد من طريق إيمان الآباء.

الآية نص بالأمر بضرورة رعاية مناطق الضعف الإنساني ممثلة في اليتامى. وهي نص في ضرورة صيانة أموالهم من عوادي الزمن. وربما ألمحت إلى ضرورة تنميتها.. والأيتام مجرد مثال على مناطق الضعف الإنساني. وهو ما يعني أن الحكومات المسلمة يلزمها القيام بهذه الرعاية من الجوانب جميعا.

الآية الجليلة تنبه على ضرورة تجاوز رعاية مناطق الضعف الإنساني في مادة ثروته إلى رعايتها بدنيا وصحيا وعقليا. وذلك كله كامن في التعبير العجيب ( يبلغا أشدهما) . وهو تعبير عن الصحة والقوة وبناء البدن. وهو تعبير عن اكتمال العقل ووفورة نشاطه وقدرته على الحكم على الأشياء. وذلك يكون من صحة البناء وصحة التربية وصحة العلم والثقافة.

الآية تعالن بأن رحمة الرب في الأرض يستنبتها صلاح الآباء وسعيهم بموجب الإيمان في العمل والسلوك والأخلاق جميعا.

لقد قررت الآية أن رحمة الرب بالغلامين معللة بسبب صلاح الأب. وهو ما يدعم الذي قررناه.

الآية الكريمة نص جلي في ضرورة ترميم الآثار حفظا لثروات الأمم ولاسيما إن أمكن استثمارها معرفيا واقتصاديا وتنمويا.. الآية تتكلم عن أن الحضارة تنهض بالعمل اليدوي. وقد أوقفتنا على نبيين عملا بالبناء والتشييد.. وهو أمر للأمة أن تتوسع في حفظ تراث الأمة المادي والمعماري.

والآية الكريمة تعالن بالتفنن في صناعة البناء والتشييد وعده من الصناعات الإستراتيجية في الأمة وتدريب قطاع من الناس عليه. لقد عمل إبراهيم وإسماعيل بنائين (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) .وها هو ذا موسى والعبد الصالح يعملان بنائين. ويتوسلان بالبناء إلى حفظ ثروة غلامين يتيمين.

حفظ الكنوز والثروات والموارد

والآية تشير إلى ضرورة حفظ الكنوز والثروات والموارد. وربما ألمحت إلى ضرورة العناية بالمحميات الطبيعية وتقنين ما به صيانة ثروات الطبيعة.

وربما ألمحت الآية إلى ضرورة قيام الحكومات بحفظ حق الأجيال القادمة من الموارد بحفظ ما يعينهم على مواجهة الحياة .

الآية تعالن بأن الأنظمة مسئولة عن تأمين حياة الأجيال في المستقبل. وتوشك أن تعالن بأن كل هدر للموارد وكل استهلاك متوحش للموارد هو خيانة لمقدرات الوحي و سوء فهم عن الله تعالى.

والآية من باب آخر تدل الأمة على أهمية صناعات التعدين واستخراج ما باطن الأرض وتدل الأمة على ضرورة التوجه للتعمق في دراسة الجيولوجيا وعلم الأرض وطبقاتها.. وربما أمرت بالتوسع في دراسة هندسة التربة.. وربما كلفت بالتعمق في دراسة إنباط المياه.

الآية تأمر بتحويل مفهوم الرحمة إلى تطبيقات عملية تحفظ ثروات الضعفاء وتنميتها.. الآية تفتح الباب وسيعا أمام تجليات الرحمة المنقذة، والرحمة البانية للحضارة والرحمة الصانعة للتنمية.

الآية خزينة مترعة بكنوز رحمة وتربية وتنمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى