آراءمقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (11)

تتنزل الآية الآن في سياق التراجع الحضاري الذي يحيط بالأمة. وفي سياق الهزيمة العلمية التي ترزح تحت وطأتها . وفي سياق الجدب في إنتاج العلم وصناعة المعرفة فيها .

يقول تعالى : (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما)

هذه آية جليلة جدا

تتنزل الآن في سياق التراجع الحضاري الذي يحيط بالأمة. وفي سياق الهزيمة العلمية التي ترزح تحت وطأتها . وفي سياق الجدب في إنتاج العلم وصناعة المعرفة فيها .

الآية تقرر أن ثمة ما يوحي برحلة للبحث عن طلب العلم من أعلى منصاته. وهو ما يشي به استعمال الفعل (وجدا) الذي يتحرك بحمولات دلالية تدل على العثور والاكتشاف والتفتيش.

والآية توشك أن تقرر انه لا مجال لتوقف رحلات طلب العلم.

وتوشك أن تقرر أن الضمير الإنساني الحي مانع من توقف الطلب.

وتوشك أن تقرر أن استدامة الطلب هو اقتراب من صناعة أخلاق الأنبياء وتأس بمسلك الأنبياء.

الآية تبين خصائص المعلمين الذين يلزم متابعتهم. وهي خصائص مركوزة في العبودية الحقة لله تعالى وفي الإخبات له والفهم عنه والارتباط بوحيه والاتصال به والتواضع له.

والآية توشك أن تصرح بخصائص المعلم النفسية فتراها فيها مكتنزة في الرحمة. والرحمة مخزن أخلاق النهوض بالعلم.

الآية الكريمة منهج في بناء المعلم المسلم من جهة التكوين العقلي الذي يتجاوز المصادر المعرفية التقليدية إلى مصادر المعرفة الموصولة بالسماء.

والآية منهج عبقري في ضبط الإشراف العلمي من خلال بيان ما يلزم أن يحوزه المشرف من سمات

الريادة في العلم والأبوة الرحيمة في الخلق.

والآية توشك أن تكون منهجا ملهما لمراجعة خطط البعثات العلمية.

وتوشك أن تكون نصا في ضرورة التدريب الدائم المستمر.

وتوشك أن تكون نصا في تبادل الخبرات من دون النظر للرتب فقد تابع نبي من أولي العزم من الرسل وهم أعلى من غيرهم من هو ممن ليس في طبقته. وبحث نبي من أولي العزم من الرسل عن شيخ ليس من وزنه في النبوة وطلب منه واستأذنه ونزل على شرطه واعتذر له وأعتبه.

والآية ترتب ما به ترقية الحياة التعليمية وتلخصها في أمرين هما :الأبوة الرحيمة (وآتيناه رحمة من عندنا) والاستحصاد العلمي وحيازة مصادر متنوعة للمعرفة تتجاوز الأطر التقليدية (وعلمناه من لدنا علما)

ثم إن الآية تعالن بأن العلم الذي ينبغي أن نبحث عنه ونفتش، ونحرص عليه ونتحمل في سبيله هو علم ما به إقامة الحياة والانتصاف للحياة والانتصار للضعفاء انتصارا إيجابيا يحفظ لهم ممتلكاتهم ويعينهم على مواصلة الحياة. وهو علم ما به صيانة المستقبل والاحتياط للنجاح فيه وتأمين الأجيال القادمة. وهو علم حماية إيمان الخلق وحفظهم من الفتنة.

الآية تقرر ان كل تهاون في إعداد المعلم هو سوء فهم عن الله. وان كل ترخص من جهة العقل والسلوك والخلق القويم في قبول من سيكون معلما هو خيانة لمطالب الوحي وخيانة لمقدرات الدعوة إلى الله العلي سبحانه وتعريض المستقبل للدمار.

إن هذه الآية كافية وحدها في استنقاذ الأمة من بوابة ضبط مسارات التعليم وضبط المسارات الحاكمة لعلاقات ما بين شيوخ العلم وطلابه.

الآية تأمر الجماهير ألا تتهاون في تدقيق اختيار الذين يتعرضون لبناء عقول الأبناء ونفوسهم

الأمة قادرة على التعافي بشرط استلهام واع لما تفيض به الآية من كنوز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى