الأمة الثقافية

“قِفْ هُنا..أنتَ لدْينا مُتَّهم”.. شعر: د. عبد الرحمن صالح العشماوي

 

 

“قِفْ هُنا .. أنتَ لدْينا مُتَّهمْ”

أنتَ منْ أخطر مَنْ سارتْ بهِ فينا قَدَمْ

أنتَ أقسى من طواغِيتِ الأُمَمْ

أنتَ كالطَّاعونِ يَسري في خلايا الجسمِ

كالأحجارِ في دارِ إرَمْ

“قفْ هُنا .. أنتَ لدينا مُتَّهمْ”

أنتَ منسوبٌ إلى فِرْعونَ

منقوشٌ على بابِ الهَرَمْ

أنت مِنْ أخطر مَنْ يشقى بهِ العُرْبُ

وتخشاهُ العَجَمْ

أنتَ في أوْرِدَةِ العصِرِ سَقَمْ

أنتَ جُرحٌ نازِفٌ، أنتَ ألمْ

“قفْ هُنا .. أنتَ لدينا مُتَّهَمْ”

أنتَ لا يُرْويكَ ماءٌ .. إنَّما يُرويكَ دمْ

أنتَ للإرْهابِ قرطاسٌ وحبرٌ وقلَمْ

أنتَ مقطوعٌ، فلا أهلٌ ولا خالٌ وعمّْ

أنتَ في تركيبة العصْرِ نشازٌ وسَقَمْ

ووُجودٌ كالعَدَمْ

أنتَ في إشراقةِ العصرِ انثيالاتُ ظُلَمْ

“قفْ هُنا .. أنت لدينا مُتَّهمْ”

أنتَ في العينِ قذاةٌ

أنتَ في الأُذنِ صمَمْ

أنتَ سدٌّ في طريقِ العولَمهْ

أنتَ ما صافحتَ شارونَ، ولا عانقتَ باراكَ

ولا باركتَ تلكَ الهيلَمهْ

أنتَ لمْ تمدح يهودَ الدَّونَمهْ

أنتَ لمْ تُخدعْ بأضواءِ بريقِ الأوْسِمهْ

أنتَ لمَّا شاهدَتْ عيناكَ “مونيكا” تعوَّذتَ بربِّ الكونِ منها

وسمعنا لكَ بعض الدَّمْدَمَهْ

أنت لم تبكِ على اللِّيدي ديانا

حينما حطَّمها العشق ُ وأعطَاها فتَى العُرْبِ دَمَهْ

“قفْ هُنا .. أنتَ لدينا مُتَّهمْ”

أنتَ ما قبَّلتَ كفَّ الأرْمَلهةْ

أنتَ ما دشَّنتَ بَدْأَ الهَرْولهةْ

أنت ما باركْتَ تلكَ المهْزَلهةْ

أنت ما زلتَ تُصلِّي وتصومْ

وعلى زورقِ تسبيحكَ في اللَّيلِ تعومْ

أنتَ ما زلتَ تُثيرُ البلْبَلهْ

“قفْ هُنا .. أنتَ لدينا مُتَّهمْ”

أنت ما زلتَ ترى في الغرب إلْحاداً

وميْدانَ جرائرْ

أنتَ يا هذا أُصوليٌّ مغامرْ

أنتَ ما زلْتَ ترى

أنَّ الزِّنا و الخَمْرَ رِجْسٌ وكبائِرْ

لمْ تزلْ تدعو إلى التَّقوى وإخلاص الضَّمائرْ

لمْ تزلْ تدعو إلى صَفو السَّرائرْ

أنتَ لا تمشي على الأرضِ و لكنَّكَ طائرْ

أنتَ في ميزانِنا ـ بالرَّغمِ من وعيكَ ـ ثائرْ

“قفْ هنا .. أنت لدينا مُتَّهمْ”

ويْحَكُمْ ..

أسكُتْ وقف مثلَ الصَّنمْ

امنحوني فرصةً يا قومُ

كي أدفع عن نفسي التُّهَمْ

فأنا يا قومُ لم أسمعْ بما قلْتُمْ ولمْ

وأنا يا قومُ

اسكتْ أيُّها الوغد وقفْ مثلَ الصَّنمْ

أنا و اللهِ بريءٌ

دَعْكَ من هذا وقفْ مثلَ الصَّنم

عندنا أَلفُ دليلٍ وبها القاضي حَكَمْ

“قف هُنا .. أنت لدينا مُتَّهم”

أنتَ لم تتركْ صلاةَ الفجر ِ يوماً

قُلْ: نعمْ

أنتَ لم تهجُر كتابَ اللهِ يوماً

أنتَ تدعو النَّاسَ للإسلامِ

قُلْ ـ أيضاً ـ : نعم ْ

أنتَ قدَّمتَ إعاناتٍ إلى الأفغانِ يوماً

وإعاناتٍ لكشميرَ وداغِسْتانَ والشِّيشانِ

قُلْ ـ أيضاً ـ : نعمْ

أنت مازلتَ ترى الطِّفل الفلسطينيَّ مظلوماً

فقلْ ـ أيضاً ـ : نعمْ

أنت لم ترفع على داركَ أطباقاً

ولم تنظرْ إلى أفلام هُوْلْيُودَ ولمْ تسمعْ تقاريرَ الأُمَمْ

“قفْ هنا .. أنتَ لدينا متَّهَمْ”

أنتَ مازِلتَ ترى في المسجد الأقصى امتداداً للحرَمْ

وترى دولَةَ صِهْيَوْنَ مثالَ الغدْرِ في عُرْفِ القِيَمْ

أنتَ ما زِلْتَ ترى أنَّكَ قوَّامٌ على المرأة

قُلْ ـ أيضاً ـ : نعمْ

“قفْ هُنا .. أنت لدَينا مُتَّهَمْ”

إنَّنا نملِكُ آلافَ الشَّواهِدْ

أوَ ما تسعى إلى نشر الهُدى في الأرضِ

تعْمِرَ المساجِدْ ؟

أوَ ما تسْعى إلى كسْبِ المَحامِدْ؟

أوَ مَا تأمر بالمعروفِ وتنهى عن المنكَرِ

أوْ تسعى إلى إصلاحِ فاسِدْ ؟

أوَ ما تدعو إلى حِشْمَةِ ليلى وإلى حُسنِ المقاصِدْ

قلْ: نعمْ، هذا صحيحٌ لا تُعاندْ

أَيْ نعمْ، هذا صحيحٌ

ليس فيما تُثبتُ الدَّعوى لديكم أمرٌ قبيحْ

أنا لا أدْعو إلى غيرِ المَحَامِدْ

امنحوني فرصَةً يا قومُ حتَّى أشرحَ الأمرَ لكم

واللهُ شاهِدْ

أنا يا قومُ مُحبٌّ للسَّلامْ

أنا أدعو لحوارٍ صادقٍ يجلو عن الذِّهنِ القَتَامْ

غيرَ أنِّي أعبُدُ الله ولا أرضى بتحليلِ الحرامْ

أنا لا أرضى بجعلِ النور وصفاً للظَّلامْ

أنا ما خطَّطْتُ يوماً لانفجاراتٍ

ولا استهدَفْتُ ترويعَ النِّيامْ

صدِّقوني إنَّني لا أحملُ الحقدَ ولا أرْضى بتزوير الكلامْ

أنا إنسانٌ مُسالمْ

غيرَ أنِّي أكرهُ الجَورَ ولا أرْضى بتزوير الكلامْ

أنا لا أرضى بانتهاكِ العرضِ تمزيق المحارِمْ

أنا لا أعلِنُ تأييداً لظالِمْ

أنا لا أفتحُ عقلي للأباطيلِ ولا أرضى بتعليق التَّمائمْ

أنا لا يُضحكني تهريجُ هائمْ

أنا لا تُطربني ألْحانُ سكرانٍ ولا أفكارُ واهمْ

لستُ وغداً ـ أيُّها القومُ ـ

ولكنِّي فتىً يؤمن باللهِ ويدعو للمكارِمْ

أنا ـ واللهِ ـ مُسالِمْ

غيرَ أنِّي حينما أُطعن في ديني أُقاوِمْ

لستُ وغْداً ـ أيُّها القومُ ـ وما كنتُ ولنْ

أنا لا أرْضى بتقسيمِ الوطنْ

أنا لا أرْضى بتقبيحِ الحَسَنْ

أنا لا أْرضى بترحيلِ الملايينِ عن الأرضِ

ولا هدْمِ سكَنْ

أنا لمْ أحرِق سراييفو، ولا حطَّمتُ كوسوفا

ولا أحرقتُ عُشّا أو فنَنْ

أنا ما أثْكلْتُ قلب الأُمِّ أو أشْعلْتُ نيرانَ الشَّجَنْ

أنا ما زوَّرتُ أوراقاً

ولا أسقيتٌ “صبرا” دمعَ “شاتيلا”

ولا أحرقتُ بيتَ المقدسِ الغالي

ولا أمرضتُ قلبي بالإحنْ

أنا ما خبَّأْتُ كفَّ الغدر في أنفاق باريسَ

ولا أشْعَلتُ في الأرضِ الفِتنْ

خبِّروني بعدَ هذا ـ أيُّها القومُ ـ

مَن الوغدُ إذنْ؟؟؟

خبروني بعدَ هذا أين آثارُ السَّقمْ ؟؟

خبِّروني منْ يكونُ المُتَّهمْ ؟!

أيُّها القوم اسمعوا مني حديثَ الواثقينْ

نحنُ بالإسلام نمضي

تحتَ ضوءِ الشَّمسِ والنورِ المُبينْ

نُرشِدُ النَّاسَ إلى الخيرِ وندعو إلى روضِ اليقين

لا ترانا كلصوص اللَّيلِ نمشي خائفينْ

نحنُ والطُّغيان ضدَّانِ فلا نامتْ عيونُ الكاذبينْ

دينُنا الإسلامُ .. دينُ الحقِّ والخيرِ وأمنَ الخائفنْ

هو لا يرْضى بتشريدِ المساكينِ وقتلِ الآمنينْ

هو لا يرضى بإهدار دماءِ الهاربينْ

وبتفجيرِ بيوتِ الله تحطيم رؤوس السَّاجدينْ

دينُنا بوَّابةُ الإيمانِ والأمنِ وبستانُ اليقينْ

إنْ يكنْ قد شذَّ بعض الواهِمينْ

فعليهم وزرَ ما نالوا ولا نحملُ ذنب المُذنبينْ

أيُّها الغرب استمع منَّا إلى رأي السَّدادْ

دينُنا الإسلامُ دينٌ ينشر الخير وأسباب الرَّشادْ

ويصوغُ السِّلْمَ للنَّاسِ وفاءً وصفاءً ووِدادْ

وإذا ما أفسدَ الباغونَ في الأرضِ

دعانا للجِهادْ

عندها تخفقُ راياتٌ وتمتَدُّ جسورُ الخيرِ في كُلِّ البلادْ

خبِّروني ـ أيُّها القومُ ـ : لماذا بعدَ هذا أُتَّهمْ ؟!

ولماذا تزرعونَ الشَّوكَ في دربي

وتُلْقونَ على بابي التُّهَمْ ؟!

ولماذا لا تقولونَ لداعي الحقِّ والعدْلِ: نَعَمْ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى