آراءمقالات

قيمةُ الشِعر الجاهليّ في الإسلام

Latest posts by د. عماد نصار (see all)

هل شَهِدَ الله جلّ وعلا أن الشِعر الجاهليّ أعلى الشِعر؟!

إن الأصلَ في المسلمِ أن يقيس كلّ شيء بمقياسِ الإسلام، ويرُدّ كل شيءِ إلى أمر واهبِهِ فيه، لا أن تَنتزعهُ النوازعُ إلى غير ذلك من مقاييسَ لا تنفعه عند الحساب، فضلا عن أنها قد تضرّه.

والحقُّ أن الخوضَ في أيِّ أمرٍ تحت عنوان (دعنا من رأي الدّين، نحن نتحدث في دائرة كذا الآن) لهو ضربٌ من الخبال إذا استحضرتَ الموتَ وموقف الحساب، وإنما يُردّ كل شيء إلى الله ورسوله عند المسلم بحقٍّ فضلا عن المؤمن.

والنظرة في عصرٍ من عصور الشِّعر العربي العظيم ينبغي أن تكون كأي أمرٍ آخر، لا تخرج عن ثوابتِ الإسلام والرأي فيه لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا.

وحتى لا نطيل؛ نقول والله تعالى المستعان:

إنّ الله تبارك وتعالى كلما أرسل نبيًّا أيّده بمعجزةٍ فيما برعَ فيه قومُهُ ليتحدّاهم بها، ولعلمهم هذا – وقد برعوا فيه – فإنهم سيعلمون أن هذه المعجزة ليست من صنعِ هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ، لانهم عرفوا من هذا الأمر مداخله ومخارجه وكيفياته، وإلا لما برعوا فيه، وبهذا يثبت عندهم أنه مؤيَّدٌ من الله تعالى ونبيه، فيحثّهم هذا على الإيمان به وبما جاءهم به.

ومثالُ ذلك ما كان من أمرِ موسى عليه السلامُ، فقد أُرسلَ إلى قومٍ برعوا في السِّحر، فكانت معجزات موسى عليه السلام متجانسةً مع ما برعوا فيه، فكانت العصا وكانت يده البيضاء من غير سوء، فأدركوا أن هذا ليس من السحر الذي يتقنونه، “فأُلقيَ السحرةُ سُجّدا قالوا آمنا بربّ هارون وموسى” طه (70)

وكذلك نبيّ الله وكلمته عيسى عليه السلام، فقد كان في قوم برعوا في الطبّ، فكانت معجزاته عليه السلام من جنسِ ذلك، “وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ” آل عمران (49)

فإن كانوا يقولون أنم قد برعوا في الطب، فإنه يُحيي الميت بإذن الله ويشفي أصعب الأمراض في وقته، فقامت الحجة بذلك أن هذا ليس من الطب.

في حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن العرب كما هو معلومٌ كانوا قد برعوا في وقت البعثةِ في فصاحة اللسانِ والخطابة والشِعر.

وإن من عدل الله تعالى أنه ما كان ليتحدّى قوما في شيء لا علم لهم فيه أو ما زالوا ضعافا فيه وعلى طريق إتقانه، ولكن يتحداهم عند اكتمالِ تمكّنهم من ناصية هذا الفن، أيا كان نوعه، فهل كان الله تعالى مُنزلَ قرآنه على العرب قبل أن يبرعوا بمئة عام مثلا؟ أو بعد أن يبرعوا بمئة؟ بل قبل ميقات ذلك بيوم أو بعده بيوم؟ حاشا لله.

((إنما نزول أولى آياتِ القرآن في يومها ذاك، هو في حد ذاته إقرارٌ من الله تعالى أنهم (الآن) قد برعوا وبلغوا قمّة هذا الفن، وعليه فالآن يكون التحدي عادلا))

وإن كانت اللغة العربيةُ كما هو معلوم عند كل ذي عقل أعظم اللغات وأوسعها وأدقّها قدرة على التعبير الإنسانيّ، فإن في كل لغة فنونها، وقد كانت عند العرب أنذاكَ الخطابة والشِعر وغيرها، ولكن الإجماع قائم على أن رأس فنون كل لغةٍ شِعرُها، فإن الله تعالى تحدّى العربَ بهذا الكتاب أن يأتوا بمثله ثم بأقل من ذلك وهو يعلم أنهم برعوا أقصى براعتهم، وبلغوا الغاية، وفيهم الخطباء والشعراء، وكأنه يقول لهم جلّ وعلا: اجمعوا أمركم وهاتوا من أردتم من هؤلاء ولتأتوا بمثل هذا.

((فإن لم يكن الشِعر الجاهليّ رأسَ أمر اللغة ومُستودعَ عظمةِ التمكن العربي من الشِعر في حينه لما كان التحدي واقعا فيه، وإلا لانتفى العدل من المُتحدّي وحاشا لله ذلك، ولو كان بلوغ الغاية من الإتقان في غيره من العصور لانصرف التحدي عن فترة الجاهلية تلك إلى ذلك العصر الذي برعوا فيه، ولا يهم متى يكون)).

على ذلك وجبَ الإقرار بأن الله تعالى من فوق سبع سماواتٍ شهِدَ ضمنيا وبعدله أن العرب يوم نزلت (اقرأ) كانوا قد بلغوا غاية الفصاحة الممكنة للمخلوق، في شِعرهم ونثرهم، وعليه كان تحدّيهم يومها عَدلا لا ظلم فيه.

واليوم يطلع علينا الدارسون الذين يحتكمون إلى دوائر أكاديمية محدودة تحت عنوان (المنهج) ليُفتوا في أمر الشِعر الجاهليّ أو غيره من حيث قيمته، ويخرجون بالأعاجيب، والأمر بيِّنٌ جليّ ولكن لمن أراد أن يستقيم.

وبدون محاباة ولا تعصُّبٍ، يجب أن نفهم أن الأمر في حقيقته وبعيدا عن المبالغات هو

((أنّ العرب يوم نزول (اقرأ) مجتمعين، كانوا قد بلغوا أعظم ما تنتهي إليه طاقة الإنسان من التمكن اللغويّ، بحيث أنه لا يتحداهم فينتصر عليهم إلا جبار السماوات والأرض، فما ظنكَ بقومٍ لا يقدر عليهم في فنٍّ ما إلا الله جلّ وعلا ولا يُعجزهم غيره؟! أيكون غيرهم خيرا منهم؟))

والآن أقولُ حامدًا الله تعالى أن جعلنا من القوم الذين استودعهم رسالته، متعصّبا لهم:

أولئكَ آبائي فجِئني بمثلهم.. إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ

.

والحمد لله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى