آراءمقالات

قوة مصر الناعمة.. تنتقل للكيان الصهيوني!

Latest posts by أحمد حسن الشرقاوي (see all)

تتواتر أنباء عن اعتزام دولة الكيان الصهيوني إطلاق 27 قناة تلفزيونية موجهة للجمهور العربي في مطلع عام 2019 المقبل. القنوات ستكون متنوعة بين قنوات رياضية، وترفيهية، وإخبارية، وأخرى للدراما والمسلسلات، وقنوات متخصصة للثقافة، والأطفال، وأفلام السينما العربية القديمة.

تخيل 27 قناة دفعة واحدة كلها ناطقة باللغة العربية، يتم بثها عبر القمر الاصطناعي المصري (نايل سات)، أو القمر (عرب سات)، الذي تستحوذ السعودية على المساهمة الأكبر في رأسماله؟!!

أسامة الشيخ الرئيس الأسبق لاتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري عبر حسابه على «فيس بوك» قال:» سيتم إطلاق باقة إسرائيلية من 24 قناة متخصصة بالرياضة، والسينما، والدراما، والأطفال، والأخبار باللغة العربية، وعبر أقمار عربية»، لم يسمها.

أعرب الشيخ عن مخاوفه مما وصفه بـ «تحركات مريبة» لشراء أرشيف الدراما من القطاع الخاص المصري، وعروض مغرية لمنتجين مصريين متوقفين عن الإنتاج لتنفيذ دراما تنتج حصرياً للعرض في قنوات غير مصرية، وشبكات إقليمية تعتمد موازنات ضخمة لإنتاج أفلام ومسلسلات عربية».

حديث الشيخ جاء في أعقاب تغريدة للباحث الصهيوني إيدي كوهين، قال فيها: «في القريب العاجل سوف يتم بث باقة كاملة من القنوات التلفزيونية الإسرائيلية على قمر نايل سات (المصري) كلها باللغة العربية، وسوف يتم بث قنوات رياضية تنقل كافة الدوريات العربية -من بينها الدوري السعودي- مجاناً، وقنوات للمنوعات، والترفيه، وعدة قنوات إخبارية ذات مهنية عالية واحترافية».

والحقيقة أن لدي مجموعة ملاحظات على تلك الأنباء:

أولا: التوقيت. لماذا الآن؟!

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 قامت العديد من الدول الكبرى بتدشين محطات تلفزيونية موجهة للجمهور العربي، من بينها تلفزيون «بي. بي. سي» العربي من لندن، و«فرانس 24» من باريس، و«دويتشه فيله» من برلين، وتلفزيون الحرة من واشنطن، و«روسيا اليوم» من موسكو، وغيرها الكثير والكثير. كان إطلاق تلك القنوات للإجابة عن سؤال: «لماذا يكرهوننا؟»، ولكسب قلوب وعقول الجماهير العربية.

وبالتالي من الواضح أن دولة الكيان الصهيوني وجدت أن الجماهير العربية سوف تكون «العقبة الكؤود» أمام تنفيذ «صفقة القرن»، بعد أن نجحت في ترويض الحكومات العربية والحكام العرب. وبالتالي تلجأ تل أبيب إلى هذا الإنفاق الضخم على الدعاية.

أتصور أن ميزانية تلك الدعاية ستكون جزءاً من موازنة الصفقة التي ستتولى الولايات المتحدة ودول عربية خليجية تمويلها، لأن الصهاينة معروفون بصفة عامة بأنهم غير مسرفين في الإنفاق، أي بخلاء، وخصوصاً على الأمور الدعائية، ومن يقرأ عن شخصية التاجر اليهودي «شايلوك» في رائعة وليام شكسبير «تاجر البندقية»، يعرف كيف وصلت إلى هذا الاستنتاج.

ثانياً: العدد.. لماذا؟

فكرت في هذا الأمر كثيراً، وكان أقرب احتمال إلى ذهني هو عدد الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية (22 دولة)، بالإضافة إلى الدول التي بها أغلبية عربية مسلمة، وليست عضواً في الجامعة العربية، ولا يعني ذلك أن الصهاينة من السذاجة لكي يخصصوا لكل دولة قناة تلفزيونية خاصة بها، ولكن قنوات الدراما والأخبار والترفيه والأطفال ستكون لنفث سمومهم ودعاياتهم المغرضة للجميع، وفي وقت متزامن تحقيقاً لأهدافهم.

ثالثاً: الهدف.. كيف يتحقق؟!

بعد تدمير صناعة السينما والدراما في قلعتها العتيدة في مصر، منذ بدء السادات ما عرف بسياسات الانفتاح الاقتصادي الاستهلاكي، وفقدان القوة المصرية الناعمة للتأثير في محيطها الإقليمي، وبعد نجاح نظام السيسي حالياً في تدمير البقية المتبقية من تلك الصناعة الاستراتيجية، ربما وجدت دولة الكيان الصهيوني فرصة مثالية لتدخل الحلبة بنفسها، وترث تلك القوة الناعمة التي حازتها مصر عقوداً طويلة.

استطاع الإعلام المؤيد لطموحات الشعوب العربية والمعبّر عنها، وعلى رأسه «شبكة قنوات الجزيرة»، التربع على عرش المشاهدة العربية، وبالتالي، تقزيم وتهميش قنوات تلفزيونية تعبّر عن الحكومات والأنظمة الحاكمة، وعلى رأسها قناة العربية وشبكة أم بي سي، الإعلام المصري المناهض للعسكر وقنواته ضرب مسماراً جديداً في نعش هذا الإعلام وهيمنته على المشاهد العربي منذ 3 عقود تقريباً.

هذه ملاحظة أساسية يتعين التوقف عندها، لفهم دوافع وأسباب اعتزام دولة الكيان الصهيوني «إسرائيل» بث باقة من القنوات الفضائية التي تخاطب الجمهور العربي في الفترة المقبلة، وهو ما تحدثنا عنه في المقال السابق.

شبكة قنوات الجزيرة القطرية حازت منذ تأسيسها في العام 1996 على مصداقية كبيرة، وتعاطف شديد من المواطن العربي، كما حازت أيضاً على كراهية وغضب الطغاة والمستبدين من الحكام العرب، ومثّلت تغطياتها دوماً سبباً لإزعاج حكومات في الإقليم، تبني سياساتها على استمرار الأنظمة في تحديد مصير الشعوب العربية رغماً عن إرادتها، على رأس الصنف الأخير: دولة الكيان الصهيوني المسماة بـ «إسرائيل»!

إسرائيل التي اعترف قادتها بدورهم المشبوه في تدبيرعبد الفتاح السيسي لانقلابه على الديمقراطية في مصر في 3 يوليو من العام 2013، اكتشفت حكومة نتنياهو أن «الآلة الدعائية للانقلاب المصري» فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة «الجزيرة» وقنوات أخرى مناهضة ومعارضة للنظام المصري، وأن «ماكينة الإعلام التي تعمل لصالح المنطقة وشعوبها» تغلبت على «آلة الدعاية الصهيونية وأذنابها العرب وقنواتها التخديرية التخريبية».

دق جرس الإنذار في تل أبيب، وأضيئت لمبات حمراء في مقار أجهزة الاستخبارات العالمية، عندما كشفت تقارير أجهزة استخباراتية صهيونية ودولية النقاب، عن انحسار متزايد في شعبية السيسي بمصر، حتى صارت الأمور تنذر بخطر كبير، خصوصاً أن أبواق الدعاية فشلت تماماً في ملف الإعلام الداخلي بمصر، وتم فضح النظام المصري وممارسات الكيان الصهيوني بعد 5 سنوات كاملة من استيلائه على السلطة. لذلك قام الداعم الرئيسي للنظام المصري بتولي الملف بنفسه، وطرح باقة القنوات التلفزيونية الجديدة لمخاطبة الجمهور العربي، وقبل أن يتم إطلاق هذه الباقة من القنوات بعد عدة أشهر، أتوقع ألا تحظى بقبول المواطن العربي.

الخلاصة: أتصور أن على المثقفين والصحافيين العرب أن يحذّروا من هذا الأمر، وأن يتم الضغط على الدول التي يمكن أن تستضيف تلك القنوات المشبوهة على أقمارها الاصطناعية للبث الفضائي مثل مصر «النايل سات»، والسعودية «عرب سات».

النقطة المفصلية بالغة الأهمية هي تلك المنصات الفضائية التي سيتم من خلالها الوصول إلى الجمهور العربي، وهي الأقمار الاصطناعية.

إذا تم الضغط على الحكومات العربية في القاهرة والرياض، لوقف بث تلك القنوات على أقمارها الاصطناعية، فسوف يتعطل هذا المشروع المشبوه الذي يسعى إلى السيطرة على العقل العربي، وتوجيهه لخدمة الأهداف الصهيونية، وتمييع القضية الفلسطينية، وتقبل أساليب تصفيتها، كما وردت في صفقة القرن وغيرها من المشروعات المشبوهة الأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى