آراءمقالات

قواعد في فقه الموازنات في السياسة الشرعية

د. أشرف عبد المنعم
Latest posts by د. أشرف عبد المنعم (see all)

إنه فيما بين جمود البعض، وتفلت الآخرين، تزداد حاجتنا إلى معالم هادية فى فقه الموازنات، حتي يكون فقها شرعياً كما ينبغي، وهو ألصق فقه بالسياسة الشرعية.

◆◆◆

لماذا نتكلم هنا عن فقه الموازنات فى السياسة الشرعية؟

[ 1 ] فلأن مساحة واسعة من السياسة الشرعية هي اجتهادات تتعامل مع الواقع المتغير والمتشابك، فهي في الأكثر داخلة في فقه الموازنات، وذلك حيث لا تتمحض المصلحة أو تتمحض المفسدة .

فيكون هناك دائما قدر من التداخل والترجيح، يُحتاج فيه إلي ما ذكره شيخ الإسلام – رحمه الله – : “ليس العاقل الذى يعرف الخير من الشر” فهذا أسهل ما يكون : “ولكن العاقل الذى يعرف خير الخيرين” أي: إذا تعارضا “وشر الشرين” أي: إذا تعارضا، فيميز بينهما، وبين رتبهما، وبالتالي يعرف كيف يتعامل مع اجتماعهما، ليرجح الراجح منهما. ففقه السياسة الشرعية باعتبار تعامله مع واقع حيوي متجدد، هو أقرب وألصق فقه، بل وأحوج فقه إلى ضبط فقه الموازنات هذا .

[ 2 ] ثم إن فقه الموازنات هو فقه قد ظُلم كثيرا، لأن الكثيرين – عبر الزمن – ابتعدوا عن أدواته الشرعية، وممارساته الواقعية، فصاروا أسرى للفقه الذى يمكن أن يُقال فيه إنه فقه تقليدي – وليس هذا تقليلا لشأنه – ، وإنما وصفناه بذلك لأن مسائله صارت شبه محصورة ومضبوطة، فكلما اتسعت فى مسائله وجدتها تدور فى فلك واحد، ونادرا ما ترد فيه مسألة من خارج ما درست، والمستجدات فيه لها حدود ضيقة. ثم إن الأمة قد انحصرت – لمدة طويلة – عمليا وبالتالي علميا فى هذا الفقه التقليدي، مقارنة بفقه السياسة الشرعية وما يندرج تحته من موازنات وتفاصيل، مما قل التعامل نظرا لقلة التعامل مع الشريعة فى سياسة شأن الناس، وهذا أمر قد مر على الأمة عبر مئات من السنين. فصار هذا الفقه مظلوما من هؤلاء الذين لم يحسنوا التعامل معه تفسيرا وتفصيلا، وتأصيلا وتنزيلا .

[ 3 ] ثم ظُلم مرة أخرى حين تعامل معه الكثيرون فى ظل المستجدات المعاصرة، التي أبت إلا أن تقتحم على الناس حياتهم، وهذه المستجدات المعاصرة بدأت من سنين كثيرة، لكن متغيرات الثورات وتوابعها قد أقحمت المستجدات في حياة الناس، فدخل الناس فى السياسة الشرعية وفقه الموازنات، من غير استعداد وتأهل سابق يحقق الكفاية في التعامل مع النوازل. حتى صار يصدق عليهم قول القائل: “كنا نطالب بفتح باب الاجتهاد، لكن باب الاجتهاد هذا لم يُفتح، بل كسر” أي إن ممارسته قد صارت بلا ضابط ولا رابط .

فصار التساؤل الملح هو : ما الفرق بين هذه السياسة التى يفترض أن تُنسب إلى الشريعة، وبين غيرها من تلك الممارسات السياسية التى لا ترتكز إلى قاعدة الشريعة ؟.. وأصبحت الممارسات الحادثة مجال انتقاد، سواء أكان ذلك من أهل الولاء للشريعة وفيما بين بعضهم البعض، أو حتى من عموم المسلمين، فضلا عن أولئك الذين يرفضون إعادة الأمة للشريعة مرة ثانية. فلقد وجدت ممارسات يصعب على من يحمل أمانة الشريعة أن يدافع عنها، أو يجادل عن مدى صحة دخولها في فقه السياسة الشرعية، أو أن يشهد عليها بأنها تطبيق صحيح لمرجعية الشريعة فى إدارة شئون الحياة .

إنه فيما بين جمود البعض، وتفلت الآخرين، تزداد حاجتنا إلى معالم هادية فى فقه الموازنات، حتي يكون فقها شرعياً كما ينبغي، وهو كما ذكرنا ألصق فقه بالسياسة الشرعية.

إن السياسة إنما تكون شرعية برجوعها إلى معاني الشرع، ونعرف معانى الشرع من قول الله – تبارك وتعالى – : ﴿الله الذي أَنزل الكتَاب بِالحقِ والميزان﴾ فالله – عز وجل- قد أنزل الكتاب بشيئين، يقول في بيانهما شيخ الإسلام ابن تيمية : “فالكتاب هو النص، والميزان هو العدل. والقياس الصحيح من باب العدل، فإنه تسوية بين المتماثلين وتفريق بين المختلفين. ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد، ولا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح.” [مجموع الفتاوى – 19/288] فهذا الذى يبين به المكان الصحيح لكل شيء، وجملة الأحكام الشرعية هي التي تُعلم العقل وتربيه على الموازنة الصحيحة، فتتعلم كيف تزن بالعدل إذا اجتمعت المعاني أو افترقت، إذا تضادت أو تنازعت ؟ إن هذا كله إنما نزل به الوحي.

لكن ما ذكرنا علم شريف، يفتح الله -تبارك وتعالى- به على مَن شاء من عباده الموفقين، لهذا قال شيخ الإسلام – رحمه الله – فى رسالة (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) لما تكلم عن الترجيح بين المصالح والمفاسد وهو من فقه الموازنات، قال : “لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام” [مجموع الفتاوى 28/129] .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى