آراءمقالات

قناة الجزيرة والوجدان العربي (2)

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

بعد التغطيات المميزة لقناة الجزيرة، في كلٍ من الأفغان والعراق، ثم حرب لبنان، وحرب غزة 2009، علا  كعب الجزيرة، وأصبحت فِعلًا القناة الرسمية للشعوب العربية، وتقريبا في هذه الفترة لم تكن تسبب حرجا لأي من الأنظمة العربية، باستثناء نظام مبارك، الذي كانت له علاقات قوية مع دولة الكيان(علما أن علاقة الكيان كانت مع كثير من الدول العربية، فقط مبارك كان معلنا عنها)، وتحالف معهم ضد حركة المقاومة (حماس)، والحصار الذي فُرِضَ عليها، ثم الشروع في بناء سور تحت الأرض، الصهاينة يبنون فوق الأرض، ومصر تحت الأرض، ولم نجد أي قناة عربية تتنصر لغزة وفلسطين، إلا قناة الجزيرة، فكانت فعلا أيقونة العرب الملتهبة.

ومع كل الحماس الذي كانت تظهر به الجزيرة في تغطية أحداث غزة، والحصار المفروض عليها، والمسيرات المليونية في الوطن العربي، والعالم أجمع التي خرجت تندد بالحصار، وكانت الجزيرة حاضرة في كل التظاهرات والمحافل المؤيدة لغزة.

وبما أن النظام السوري كان حاملا لواء ما يُسمى المقاومة ضد الاحتلال، فقد كانت علاقته مع نظام مبارك سيئة جدًا، لذلك فتح المجال بقوة لقناة الجزيرة، ومن عجائب القدر أو من سُخرياته أنه يوم سقوط حسني مبارك، كان التلفزيون السوري ينقل البث المباشر عن قناة الجزيرة (وتسعد الجزيرة بذلك)، ولا يخفى على أحد أن جميع الشعوب العربية كانت تتابع أحداث الثورة المصرية عبر قناة الجزيرة، التي غطت الحرب في الأفغان ولبنان وغزة، والمعروفة بأنها أكبر قناة تزعج نظام مبارك.

ازدادت أسهم الجزيرة في الوطن العربي، وخاصة بعد نجاح الثورة المصرية، وسقوط حسني مبارك،  الذي كان يحاصر غزة، بل أصبحت الجزيرة الناطق الرسمي باسم الثورة المصرية، ثم تنتقل الثورات للدول المجاورة، ويبدأ الرعب يَدِّبُ في قلب الأنظمة العربية، وتبدأ الأنظمة تفكر جديا أنه لا مهادنة مع هذه القناة الشريرة، التي تسببت في إسقاط حسني مبارك، الحصن الحصين للقادة العرب في المشرق والمغرب العربي.

ولم تمض الثورات العربية عامها الأول، وتبدأ تظهر فكرة المؤامرة بين الشعوب، وتترسخ هذه النظرية (المؤامرة)، وأن كل الثورات مشروع غربي صهيوني لتفكيك المنطقة، وأن قناة الجزيرة ليست الناطق الرسمي باسم الثورات، بل هي الآلة التي يستعملها أصحاب المؤامرة في تشتيت الوطن العربي، لذلك أول ما بدأت نسائم الثورة تهب في سوريا على الشعب المحاصر لأكثر من أربعين سنة جحيما، أول قرار يتخذه النظام هو طرد قناة الجزيرة(بصفته نظام أحسن وأجاد)، لأنها فعلا هي القناة المزعجة للأنظمة العربية.

ثم يتغير مسار الثورات العربية من السلمية المحايدة إلى حرب طاحنة؛ وذلك لأن الدولة العميقة  في الوطن العربي، لم ترض بهذه الثورات ولا بالمبادئ التي نادت بها، من الحرية وتقسيم الثروة، والتساوي في المناصب، إلى غير ذلك من مطالب الشعب، مثل محاكمة من كان السبب في دمار البلاد وتخلفها، وطبعا هذا يجعل الدولة العميقة مثل الذي يرقص رقصة الموت، أو الحيوان الجريح، الذي لا يخسر شيئا في مناورته التي سيقوم بها، إلا أن الدولة العميقة لها أدواتها القوية، وأكثر من ذلك خبرتها في الحكم، والأزمات المتتالية التي خرجت منها منتصرة، هذا كله جعلها عصية على أي مخالف.

وتتحول الثورات السلمية إلى حرب أهلية، وكل المسئولية تقع على عاتق الجزيرة، وكأنها هي التي خربت البلاد، وهي المسئولة عن كل التخلف الذي لحق بهذه الأنظمة العربية، وتزداد أسهم الجزيرة ولكن هذه المرة سلبا، وذلك بظهور واشتداد عود الثورة المضادة، وترسيخ فكرة المؤامرة، وأن الجزيرة هي القناة الصهيونية الأولى، مع دولة  قطر، ودليل ذلك أنها هي سبب تمزق الوطن العربي.

وجدت الجزيرة نفسها مثل الطفل اليتيم (الذي إن لم يعمل بيده مات جوعا)، وأرادت أن تبين أنها مجرد قناة ناقلة لما يحدث في الوطن العربي، ودليل ذلك أن كل خبراتها عربية خالصة، وبدأت تبث في برنامج خاص (نحن الجزيرة) حياة مذيعيها، ومقدمي برامجها، وأن حياتهم عادية وبسيطة مثل كل الشعوب العربية، كل هذا من أجل أن تنفي عن نفسها تهمة المؤامرة، وكأنها صدقت فعلا أنها أداة في يد المجموعة السرية، التي تحكم العالم.

تنجح الثورة المضادة في مصر، ويسقط نظام الإخوان، ويرحب الجميع بالوافد الجديد، ويرى  أصحاب الثورة أن من أولى الواجبات طرد قناة الجزيرة التي تخدم المشروع العالمي، وفرح الثور بطرد الجزيرة، التي كانت هي أيقونة ثورتهم في 2011م، ثم تأتي أحداث رابعة والنهضة الأليمة، وتكون الجزيرة مرة أخرى هي الناقل الوحيد لهذه الأحداث الرافضة لعزل الرئيس، أيام  الاعتصام، ثم بعد فض الاعتصام، كانت الجزيرة تنقل الأحداث، مثلما نقلتها في غزة، وقبلها في العراق.

نوعا ما خَفَتَتْ وتيرة وتهمة المؤامرة ضد الجزيرة مع تلك الأحداث الأليمة؛ لأن الجزيرة هي أكبر من ضحى من أجل نقل الأحداث للمشاهد في الوطن العربي والعالم أجمع.

وبعد هذه الأحداث تجد الجزيرة نفسها محاصرة في زاوية ضيقة جدا:

01: الأنظمة التي ناصبتها العداء؛ لأنها هي من أجج الثورات في الوطن العربي.

02: المواطن العربي الذي آمن بنظرية المؤامرة، ورأى في الجزيرة الأداة المنفذة للمشروع.

03: المتضررين من الحرب في سوريا واليمن وليبيا، كثير منهم رأى أن من أهم أسباب تشردهم هي قناة الجزيرة.

كاد نجم الجزيرة أن يفل، لدى المواطن العربي، وكادت تصبح من الماضي، إلاأن الانقلاب الفاشل في تركيا هو من أعطاها دفعة أكسجين ثانية، ونفخ فيها روح من جديد.

يتبع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى