الأمة الثقافية

قرأتُ لك: هل تهمكم العربية حقا؟

اللغة العربية


حفِل “اليوم العالمي للغة العربية”، الذي مرّ في الأسبوع الماضي (18 ديسمبر من كل عام)، بكثير من الاستعراض والمواقف العابرة غير الحقيقية. ساعد في ذلك أن “الكتابة” باتت في زماننا مهنة من لا مهنة له:  يقصّر المرء عن العمل في مجال الصيدلة إذا لم يكن خَبِر العمل الصيدلاني جيداً، ويقصر عن ممارسة الزراعة إذا لم يكن على دراية بكيفيتها ومحاذيرها من قبل، وقد يقصر عن افتتاح بقالة أو مشروع تجاري صغير إن لم يكن من “أهل الكار” سابقاً، لكنه أبداً لن يقصر عن الكتابة وإبداء الرأي في ما يعرف وما لا يعرف، أياً كانت خبرته ودرايته في الحياة.

“مهنة من لا مهنة له” هذه، طالت اليوم العالمي للغة العربية. ذلك أن الإساءة للعربية لا تتعلق بتلك الأخطاء النحوية أو الإملائية وحسب، بل تشمل -في رأيي- تلك الركاكة الفظيعة في التعبير التي تشهدها مختلف ساحات الكتابة والثقافة والإخبار في بلدنا، للأسف الشديد، ولا تتوقف عند تلك الكتابات العابرة التي تحتضنها مواقع التواصل الاجتماعي، وهي مما يمكن غض الطرف عنه، إلا حين يكتبها أساتذة أو مدرسون أو محسوبون على الثقافة.

أول الأمر، إذن، أن ليس ثمة “مقاييس جودة”، كي يُصنّف المرء كاتباً حقيقياً. والمقاييس هنا لا علاقة لها بتحديد سقوف حرية الكتابة، بل التأكد من مدى قدرة القائم بالكتابة على التصدي لمقتضياتها، من حيث سلامة التعبير وصحة النحو والإملاء. هنا، بالضبط، يكمن مربط الفرس: فمن هي الجهة المؤهلة لوضع تلك المقاييس واعتمادها؟ لا بد أن تكون جهة ترتقي فوق الشكوك، فتكون محايدة ونزيهة (لا أغراض لها)، وذات سمعة مهنية عطرة (في مجال عملها)، فهل لدينا مثلها في أمرنا المُلح هذا؟!

كان يجب أن يتوافر لدينا مركز دراسات محترم، همّه متابعة “الكتابة” في الثقافة والإعلام، وتحليل قضاياها، وليس على أجندته التشاطر للحصول على التمويل الأجنبي تحت شعارات الحرية والحق في التعبير، وسوى ذلك مما هو كلام حق يُراد به المال. لكننا اليوم، جميعاً، وبسبب استسهال الكتابة، بتنا ندفع ثمن إغفالنا ما هو واجب، وقبولنا أن “تمشي الأمور على البركة”، حتى بتنا نغرق في “البركات” حتى آذاننا، فلا نقرأ لغة واضحة ومفهومة، ولا نحصل على معلومات صادقة بالتأكيد، أو على الأقل واضحة بالتأكيد.

نحتفي باللغة العربية. وحين نتساءل عن مشكلات “العربية”، نختصرها في حلول الإنجليزية محلها، أو شيوع تلك اللغة الهجينة المسماة “عربيزي”.

في الصين -أيها السادة- تشيع لغة هجينة بين الشباب يسمونها “شنغلش”، فتلك ظاهرة عالمية، وليست وحدها أساس المشكلة، لكن هل ثمة عند غير أهل لغتنا كل هذا “اللحن” المعيب في اللغة؟ هل ثمة عند سوانا كل هذا الاستهتار بحرفة الكتابة باللغة الأم حتى تصير “مهنة من لا مهنة له”؟ كلا! ثمة عند سوانا معايير ومقاييس للاعتراف بالمرء كاتباً، قبل أن تُفتح له المنابر وتُنشر له المؤلفات!

هل تهمنا “العربية” حقاً؟! أم نحتفي بها استعراضاً وحسب؟! إذا كانت تهمنا، فعلينا أن نحميها ممن يستسهلون استعمالها، ويعرّفون أنفسهم باسمها “كُتّاباً”، وهي منهم ومن اتخاذهم كُتّاباً براء. ليست مشكلتنا الجوهرية إزاء “العربية” في استعمال الإنجليزية، ولا في الضياع بينها وبين العامية، وإن كانت تلك كلها مشكلات طبعاً، فتلك ظواهر عالمية تزامنت وهذه المرحلة من تاريخ البشرية، لكن المشكلة في عدم اعتبار ركاكة التعبير بالعربية سبباً كافياً لإعفاء “الكاتب!” ذي اللغة الركيكة، من وصفه كاتباً، وإعادته إلى “صفوف الجماهير”، يكتب بينه وبين نفسه، ويخجل أن يطّلع الناس على خربشاته!

—————-

سامر خير أحمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى