الأمة الثقافية

قرأتُ لك: لغة “الإيموجي”

التواصل بالرموز التعبيرية

يستطيع الإنسان تكوين الأفكار وفهم الأشياء من خلال الإيماءات والصور، وهو قادر على فعل الأمر ذاته من خلال التواصل بالرموز التعبيرية، لكن هل تستطيع “الإيموجي” أن تشكل لغة في حد ذاتها؟

تقول الإجابة المبسطة إن الرموز التعبيرية ليست لغة، فهي تفتقر إلى الأزمنة وحروف الجر مثلاً، وتغيب عنها قواعد بناء الجملة الضرورية للتواصل الإنساني المعقد، ويحتفل هواتها حول العالم باليوم العالمي للرموز التعبيرية في 17 يوليو من كل عام.

لكن الرموز التعبيرية أصبحت نوعًا من الإضافة العالمية المشتركة لجميع اللغات، ومع ذلك تبقى غير فعالة بشكل مستقل دون لغة حاوية لها، على الأقل حتى الآن،

وعندما يتم الجمع بين الرموز التعبيرية والكلمات، فإنها تكتسب معناها وسياقها من النص، ويفيد ذلك بشكل خاص في تطبيقات المحادثة الفورية -مثل واتساب- والدردشة عبر الإنترنت عندما لا تتمكن من رؤية أو سماع نبرة المتحدث والشعور بمعنوياته، ومع ذلك لا تعد الرموز التعبيرية معصومة من التفسير الخاطئ.

​​وقطعت الرموز التعبيرية شوطًا طويلًا منذ نشأتها كحاشية سفلية للرسائل النصية، وأصبحت الآن مستخدمة لتشكيل جمل شبه كاملة، وبينما البعض يرى في الإيموجي فرصة للتحرر من قيود اللغة و”خياناتها” يخاف آخرون من إضعاف قدرة الكلمات على التعبير أحياناً عن الشك والغموض.

وكانت شركة نيبون اليابانية للاتصالات طورت المجموعة الأولى من الإيموجي التي ضمت 176 رمزا، وبدأت استخدامها في الهواتف المحمولة وأجهزة الإشعار عام 1999.

وكانت هذه الرموز الصغيرة -التي تضم قلوبا وأسهما وإشارات باليد- هي اللبنة الأولى لرموز الإيموجي التي تستخدم على نطاق واسع اليوم، وساعدت في توصيل المعاني والأفكار على الشاشات ذات المساحات المحدودة.

فهم

في تقرير نشرته صحيفة “جارديان” (The guardian) البريطانية، يقول الكاتب بنجامين وايسمان إن أبحاثا أجريت على مدى الأعوام القليلة الماضية قدمت بعض الإجابات الدقيقة عن طريقة تعامل الدماغ البشري مع الرموز التعبيرية، لكنها خلصت إلى أن هذه الرموز ليست لغة مستقلة.

تؤكد الدراسات أن الناس بارعون في معالجة وفهم الجمل التي تحتوي على مزيج من النصوص والرموز التعبيرية، أي أنه عندما يحلّ رمز تعبيري مكان كلمة ما في الجملة، فلا يوجد أي مشكل في فهم المعنى.

في المقابل، إذا تمت إضافة رمز تعبيري ليس له علاقة واضحة بسياق الجملة، فإن أغلب الناس يجدون صعوبة في فهم معناها، تمامًا كما يحدث مع الكلمات غير المنطقية في الجمل.

ويوضح الكاتب، الذي يعمل محاضرا في قسم العلوم المعرفية بمعهد رينسليار بولتكنيك الأميركي، أنه لاحظ في إطار بحث أجراه بنفسه أن نمط الموجات الكهربائية، الذي ينتجه دماغ الإنسان عند تفسير عبارات السخرية، هو ذاته الذي يتم إنتاجه عند التعامل مع الرموز التعبيرية الساخرة.

بالمثل، يفرز الدماغ نمطا محددا من الموجات الكهربائية عندما نواجه كلمة غير متوقعة في سياق معيّن، ويظهر مثل هذا النمط عندما نتعامل مع رمز تعبيري غير منطقي.

ليست لغة مستقلة

لكن الأبحاث تظهر أن الرموز التعبيرية ليست مثل الكلمات في التعبير عن المعنى، والدليل عدم قدرتها على إعطاء معنى تام دون نص مصاحب. في هذا السياق، أجرى عالم النفس الإدراكي نيل كوهن عدة تجارب على الرموز التعبيرية، بما في ذلك تجربة شجعت عددا من المتطوعين على التواصل بالرموز التعبيرية فقط.

كانت قواعد “الجمل” الناتجة عن استخدام الرموز أقل تعقيدًا بكثير من القواعد اللغوية المعروفة. وفي تجربة أخرى، وُجد أن استخدام الرموز التعبيرية واحدا تلو الآخر، مثل الكلمات، يصعّب عملية فهمها مقارنة باستخدام رمز واحد للتعبير عن معنى محدد.

وقد قام الكاتب فريد بينسون بترجمة رواية “موبي ديك” إلى نسخة بعنوان “إيموجي ديك” باستخدام الرموز التعبيرية، وكان من شبه المستحيل قراءتها وفهمها. وفي حين كانت الرموز التعبيرية واضحة عند استخدامها بدلا من أشياء ملموسة مثل الطعام أو الحيوانات، فإنها كانت قاصرة في التعبير عن الأزمنة وحروف الجر والضمائر.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لمستخدمي الرموز التعبيرية إنشاء رموز جديدة بسهولة لتلائم سياق المحادثات، وهي الطريقة التي تبدأ بها اللغات الطبيعية البدائية التطور لتصبح لغات كاملة، وهو ما يعني -حسب الكاتب- أن الرموز التعبيرية لن تحل محل اللغات ولن تصبح لغة مستقلة.

ليست كلمات.. فما هي؟

يؤكد الكاتب أن الرموز التعبيرية تعكس جانبا تواصليا يتمتع به الإنسان في اللغة المحكية ولغة الإشارة. أثناء التواصل وجهًا لوجه، يستطيع البشر فهم المعنى من خلال الكلام ونبرة الصوت وتعبيرات الوجه وإيماءات اليد ولغة الجسد، وحتى من البيئة التي تحتضن المحادثة. وبالمثل، توفر الرموز التعبيرية خيارات إضافية لإثراء اللغة المكتوبة.

إن الرموز التعبيرية -حسب الكاتب- لا تغيّر من آلية عمل الدماغ، بل تستفيد من قدرات طورها الإنسان على مدى آلاف السنين، تتمثل في دمج مصادر مختلفة من المعلومات لتشكيل المعنى.

لذلك، يمكن اعتبار الرموز التعبيرية مثيلا للإيماءات ونبرة الصوت، لكن تحت مظلة التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تتيح هذه الخيارات ضمن المحادثات الافتراضية.

—————–

المصدر : الجزيرة + جارديان

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى