الأمة الثقافية

قرأتُ لك “كوكب الحشرات”

نعيش في قفص كوني صنعه فيروس كورونا الذي لا يُرى بالعين البشرية المجرّدة، وهذا الإعجاز الفيروسي لا يقتصر على هذا الكائن المتحوّل المتجبّر بالبشرية منذ أكثر من عامين، بل، هناك مجرّة، بل مجرّات من الفيروسات والميكروبات التي لا ترى إلاّ عبر وسائل مجهرية مخيفة، ولكن هل اقتصر الأمر بالنسبة للإنسان والأرض على هذه الكائنات المجهرية المخيفة المهددّة للبشر واقتصاده وحضارته؟.. لا بل هناك حكومة حشرات مرعبة تسيطر وتقبض على العالم.

الحشرات بخلاف الفيروسات، ترى بالعين المجرّدة، وتركض وتطير وتتلاقح ونتغذى أمامنا، أحياناً، في بيوتنا، وأحياناً في بيوت جيراننا ليس بعيداً عنّا، والحشرات موجودة في الخزانات، وتحت تلك السجادة الجميلة التي تمشي عليها في بيتك، وفي كل مكان يمكن أن يخطر على بالك هناك حشرات مرئية تماماً، تراوغك، تخادعك، تفرّ منك، تتسلّق جدران بيتك، وإذا ملّت من الإقامة في مكان ما تهاجر إلى مكان آخر، ولكن، بعد أن كانت قد ملأت بعض الأمكنة، بل، كلّها بملايين الأعشاش، لتظل إلى الأبد هذه السلالة الحشراتية.

شغف علمي

بدأت علاقة الباحث الأمريكي سكون ريتشارد شو (١٩٥٥ ديترويت – ولاية ميتشججان) بالحشرات من خلال تجوال ذات يوم وقت العصر – في غابة مطرية في المحمية البيولوجية في سان رامون (كوستاريكا)، وسوف يمضي وقتاً طويلاً وهو يمشي في الوحل الزلق، والأخطر من ذلك، تلك الأفاعي التي كان يصادفها ووصفها ب «الكريهة»، وفي ذلك الفضاء سيرى المزيد من الضفادع والخنافس والجنادب وصّرارات الليل وحشرات الزيز.

من تلك الجولة في غابة سان رامون، كما يبدو، وُلِدَ شَغف سكوت ريتشارد شو بالحشرات، وولد كتاب «كوكب الحشرات – نشوء الحشرات وصعودها»، ترجمة: ابتسام بن خضراء، دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي ٢٠١٩، وتستطيع كقارئ من خلال توجيه المؤلف لقراءتك أن تعتبر هذا الكتاب نوعاً من تاريخ الأرض حين يتساءل مؤلفه.. لماذا تسود الحشرات المنظومات البيئية على اليابسة، لا بل يرى ريتشارد شو أن الحشرات كثيرة النسل جداً، لدرجة أنه ليس من المبالغة القول إنها تحكم كوكبنا بما في الكلمة من معنى.

يُرجع ريتشارد شو نشوء وتنوع الحشرات إلى 120 مليون عام، وهي مثل البشر تنشأ وتتنوّع وتتطور عبر دورات جيلية (أجيال) وجينية، ولكن اللافت هنا، أن شو يربط تطور الحشرات بالزهور أو النباتات المزهرة، لا بل إن تلقيح الزهور له علاقة بنثر البذور، أي ما يشبه (البذار)، والحشرات تقوم بعملية البذار هذه لمعظم النباتات المزهرة (التي كانت ستتناقص إلى حدّ كبير لو قُضي على الحشرات التي تصاحب النباتات..».

ولكن، هل حقيقة أن الحشرات تحكم كوكبنا؟

ريتشارد شو يقول إنها إذا لم تكن فعلاً تحكم الأرض فإنها تغمره إلى حدّ كبير، فالحشرات موجودة في الغابات الاستوائية، والجبال الثلجية، وجداول الماء، والشلاّلات، والرشوحات المائية، والسبخات المالحة، وبرك القاذورات، وثقوب الأشجار، وغيرها الكثير الكثير من الأماكن حتى يخيل إليك أن الإنسان نفسه يحمل حشراته معه، وهذا حقيقي، عند الفئات التي تعيش في مناطق معدمة صحياً، بحيث يتحوّل الإنسان نفسه إلى «حشرة»، ورواية «المسخ» للكاتب الألماني فرانز كافكا التي نشرها في عام 1915، ليس بعيدة عن هذه المجازات، حين يستيقظ جريجور ذات صباح ويجد نفسية تحوّل صرصاراً.

تطفل وتنمر

أسوأ ما في الحشرات تطفّلها على الإنسان إلى درجة تنمّرها عليه شيئاً فشيئاً والفتك به عندما تلوح لها الفرص البيئية والوبائية، ولكن الأمر لا يتوقف عند تطفّل الحشرات على الإنسان، بل هناك حشرات تتطفّل على الحشرات، فهناك حشرات تُسمى زنابير ذباب الجن، هذا الذباب هو طفيلي يضع بيوضه داخل بيوض حشرات أخرى.

في الذاكرة الثقافية البشرية أن الخفّاش مصّاص دماء، ولكن هناك حشرة تسمى ذباب الخفّاش تمص معه، أي أن حتى الخفّاش الذي ألصقت به تهمة انتشار وباء كورونا بدءاً من الصين لم يسلم من حشرة ذبابية طيارة ذات لون أصفر ذهبي متخصصة في مصّ دم هذا الكائن الهجين «الحيوان الثديي الوحيد» الذي يستطيع الطيران، ويختار الظلام فقط لمجاله الطيراني، والذي أخذ شهرة عالمية زادت من سمعته الطفيلية السيئة بارتباط اسمه بكونها.إن ريتشارد شو لا يحرّضنا على حكومة الحشرات والدعوة إلى قتلها وشن حرب بشرية عليها، وإن كان هذا التحريض قائماً ضمنياً من خلال قراءة الكتاب، ولكن الباحث ينبّهنا إلى حقيقة قائمة في حياتنا الطبيعية، فهذه الحشرات تقاسمنا وتشاركنا في الأكسجين الذي يؤدي نقصانه إلى موت الإنسان والحيوان والحشرات والنبات، ويقول إن بعض الباحثين نبّه إلى أن ظهور الحشرات الطائرة العملاقة ارتبط ببلوغ الأكسجين ذروته في الغلاف الجوي.

طبقية

المشترك مع الحشرات أيضاً بالنسبة للإنسان ليس الأوكسجين فقط، بل يبدو مفهوم «الطبقية» وتتمثل هذه الطبقية الحشراتية في إحدى عشرة رتبة للحشرات… «ازدهرت في ما كان يُسَمّى العصر الترياسي، ومازالت باقية حتى اليوم وهي رُتَبْ: زائلات الجناح، اليعسوبيات، الرعّاشات، الصرصوريات، الصراصير، مستقيمات الجناح، الجداد، مطويات الجناح، ذباب الحجر، متجانسات الجناح، عصبيات الجناح، أسد المن، غمديات الجناح، الخنافس، طويلات الجناح، ذباب العقرب، شعريات الجناح، ذباب القمص، ذوات الجناحين، الذباب الحقيقي».. هذا غير أنواع وأشكال وسلالات وتحويرات حشراتية أخرى في الجوّ والبحر واليابسة بوسع بعضها، ربما، أن يضع بيوضه في الهواء.. فأية حكومة هذه تحكم أرضنا المسكينة؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى