الأمة الثقافية

قرأتُ لك: “قصة حي الشيخ جراح”

أرقى أحياء القدس

 
 
تتزامن هذه الأيام مع محاولات إسرائيلية لطرد مئات الفلسطينيين من بيوتهم في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، لكن تلك المحاولات لم تكن الأولى، فضمن محاولات عديدة -على مدار سنوات طويلة- برزت محاولات قبيل النكبة عام 1948 فيما عُرف بمعارك الشيخ جراح، والتي لاقت فشلا صهيونيا ذريعا، وواجهت مقاومة فلسطينية باسلة حمت الحيّ وسكانه.
 
وفي الوقت الذي يصمد فيه أهالي الحي العُزّل في بيوتهم ويرفضون إخلاءه، صمد أهله بطريقة مختلفة عام 1947، حين حاولت العصابات الصهيونية آنذاك الاستيلاء عليه لموقعه الإستراتيجي الواقع على طريق نابلس شمالي القدس، ولتأمين الاتصال بين الأحياء اليهودية والطرف الشمالي من جبل الزيتون، حيث تقوم مباني “الهداسا” والجامعة العبرية.
 
قبيل النكبة كان معظم سكان حي الشيخ جراح من الطبقة الراقية الثريّة الوازنة في المجتمع، وسعت العصابات الصهيونية للقضاء عليهم وتشريدهم؛ لحرمان القدس من مورد يغذيها بالعقل والمال، ما حدا بأهالي الحي والفلسطينيين حولهم لمقاومة العصابات ودفعها عسكريا.
 
يروي المؤرخ عارف العارف -في كتابه “النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود”- محطات عديدة عمّا عُرف بمعارك الشيخ جراح، كان أبرزها إلقاء قنبلة على حافلة يهودية مرت من الحي غداة قرار التقسيم في 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1947، ولم ينقطع المناضلون بعدها عن مهاجمة وسائل النقل اليهودية التي تمر من الحي، وأشد تلك الهجمات كانت في 14 ديسمبر/كانون الأول من ذات العام، في هجوم على حافلة قتل فيها يهوديان وجرح 9 آخرون.
 
في بداية عام 1948 قام محمود جميل الحسيني مع مجموعة من المناضلين بنسف أول بيت يهودي قريب من الحي، وفي 10 يناير/كانون الثاني قامت معركة بالحي أسفرت عن 3 قتلى و7 جرحى من اليهود، واستعمل العرب لأول مرة الرشاشات المعروفة بالبرن، وبعد 3 أيام اشتبك العرب واليهود في قتال دام ساعتين، واندلع نحو 20 انفجارا تضررت جراءه العديد من بيوت حي الشيخ جراح، وفي ذات الأسبوع نسف العرب منازل اليهود المجاورة للحي، بعد قيام اليهود بقصفهم بمدافع الهاون، واقتحام الحي ونسف بعض منازله.
 
مطلع عام النكبة 1948 دمر المناضلون الأنابيب التي تمر من حي الشيخ جراح وتنقل الماء إلى الأحياء اليهودية، ثم استمرت عمليات المقاومة حتى فبراير وأبريل، واعتمد فيها قنص كل فرد من العصابات الصهيونية يمر عبر الحي.
 
 
في 13 أبريل من عام 1948 نشبت على أرض الشيخ جراح أكبر وأقوى معارك القدس، التي هاجم فيها 200 مناضل من تنظيم “الجهاد المقدس” بقيادة محمد عادل النجار قافلة يهودية كبيرة أثناء اجتيازها للحي في طريقها إلى الجامعة العبرية ومستشفى هداسا، وكانت القافلة تحتوي مواد لإنشاء الخنادق والحصون وعددا من رجال عصابة ” الهاغاناة” المسلحين.
 
يقول شيخ المناضلين بهجت أبو غربية -في مذكراته عن تلك المعركة- إن المناضلين استبسلوا فيها رغم استغاثة اليهود بقوات الاحتلال البريطاني التي تدخلت وقتلت 12مناضلا، لكن الغلبة كانت للعرب الذين قتلوا نحو 122 يهوديا ونسفوا مركبات القافلة المصفحة التي أعدت للقتال، في رد على مجزرة دير ياسين غرب القدس قبل 3 أيام من المعركة وقتل القائد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل.
 
أرقى أحياء القدس
 
عند النظر إلى تاريخ حي الشيخ جراح، يتبيّن سبب الاهتمام به والتركيز عليه، فعدا عن موقعه الإستراتيجي المطل على شمال البلدة القديمة والقريب من باب سور القدس الرئيس باب العامود، فهو ينفرد بطبيعة هادئة ومناخ معتدل، حيث قصدته عائلات القدس في القرن الـ18 كمصيف خارج أسوار القدس القديمة، وحوى حقولا زراعية للعنب والزيتون عرفت بالكروم (جمع كرم).
 
 
ويقول أستاذ التاريخ في جامعة بيرزيت نظمي إن تلك الكروم تطورت لتشمل قصورا حقلية من طابقين، وكان أبرزها قصر كرم المفتي الذي بناه الشيخ طاهر الحسيني والد الحاج أمين الحسيني عام 1840، ثم تحوّل لاحقا إلى فندق “شيبرد”، واستولى عليه الاحتلال بعد النكسة بحجة قانون أملاك الغائبين وأقام فيه بؤرا استيطانية.
 
يؤكد الجعبة أن الشيخ جراح كان أفخم أحياء القدس، وفيه سلسلة مبان لعائلة الحسيني والنشاشيبي وغوشة وجار الله، ومن أشهرها بيت رباح الحسيني (1860 الأميريكان كولوني اليوم)، وبيت إسماعيل الحسيني (1877 بيت الشرق اليوم) وبيت سعيد الحسيني (1902 متحف دار الطفل العربي اليوم)، وبيت إسعاف النشاشيبي أحد أعلام اللغة العربية.
 
وقد ضم الحي في فترة الاحتلال البريطاني مجموعة من الشخصيات الوازنة المقدسية مثل راغب النشاشيبي رئيس بلدية القدس، والمؤرخ العربي الكبير جورج أنطنيوس، وإسعاف النشاشيبي أحد أعلام اللغة العربية في الوطن العربي.
 
رمز الحداثة
 
لذلك ارتبط الحي بالذاكرة الجمعية لأهل القدس وفلسطين كرمز للحداثة التي أصابت المجتمع المقدسي قبل الاحتلال البريطاني بفترة طويلة، وعبّر الحي عن التغيير الكبير في نمط الحياة الثقافية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، وكان الأكثر نموا بعد النكبة، والخيار الأمثل لمقرات القنصليات والسفارات الأجنبية والمستشفيات والفنادق التي فقدت مبانيها غرب القدس.
 
لا يمكن حصر مساحة حي الشيخ جراح برقم محدد، لكن الثابت أنه في عام 1905 كان يضم 167 عائلة في 167 قصرا، وهذا عدد كبير في بداية الـ20 قبل نمو أحياء البقعة والطالبية غرب القدس، وقبل 10 سنوات من الحرب العالمية الأولى.
 
من هو الشيخ جراح؟
 
يؤكد الجعبة أن لمنطقة الشيخ جراح تاريخا موغلا في القدم يعود إلى الفترات الرومانية والبيزنطية والتي تشير إليها كنائس وبرك ماء، لكن الحيّ عرف باسمه الحالي نسبة إلى أحد أمراء القائد صلاح الدين الأيوبي (1138 – 1193م) والطبيب المرافق له الشهير باسم حسام الدين حسين بن شرف الدين الجراحي، الذي دفن بعد موته في المنطقة وأُنشئت زاوية صوفية قرب قبره، ثم تحولت في القرن الـ19 إلى مسجد أضيفت له مئذنة قائمة حتى اليوم، بإشراف وتولٍ من آل الديسي في القدس.
—————–
 
المصدر : الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى