الأمة الثقافية

قرأتُ لك: “دفاعًا عن ألسنة أطفالنا”

د.م. عصام أمان الله بخاري


في عام 2013م رفع كهل ياباني دعوى في المحكمة ضد محطة التلفاز الرسمية اليابانية “إن إتش كيه” بسبب إقحامها الكثير من الكلمات الأجنبية الدخيلة في برامجها، فغيرته على بلده لا ترضى بأن يتلقى أحفاده غير اللغة والثقافة اليابانية السليمة على التلفاز! حديثنا اليوم حول اللغة والهوية الثقافية..

نبدأ من أرض الشام في القرن الهجري الأول وفي خضم الأزمات التي كانت تعصف بالدولة الأموية من ثوراث وحركات انفصالية كان من أهم القرارات الاستراتيجية التي اتخذها الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان تعريب الدواوين، الوزارات بلغتنا المعاصرة، متحدياً مقاومة الفرس لتلك الحركة التعريبية حيث كانت الدواوين في الدولة الأموية تكتب قبلها بلغة بلاد فارس. ولاعجب من أن يخوض الخليفة الأموي هذه المعركة المصيرية فاللغة والاهتمام بها يأتي في صميم الأمن الفكري لأي أمة والدفاع عنها والذود عن حياضها لا يقل أهمية عن حماية الأرض والعرض.

إن اللغة وعاء للثقافة والدين والتاريخ والمجتمع، وبدونها تكون الأمة مستباحة ليس أمام الغزو الفكري بل التبعية الثقافية والاستعباد الحضاري. ولتبسيط الأمر على معاييرنا فماذا تتوقعون من طفل يمجد جان دارك ونابليون ولا يعرف شيئاً عن محمد الفاتح وطارق بن زياد؟

نترك دمشق الفيحاء وعصور بني أمية لننتقل إلى الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى إبان الاستعمار الفرنسي. ففي ذلك الزمن فرض الفرنجة قانوناً يقضي بأن عقوبة من يخاطب الحاكم الفرنسي بالعربية هي الإعدام!! ومورست حرب شعواء على اللغة العربية ليخرج جيل يفكر ويتبع فرنسا في سياساتها وثقافتها. وقدم الجزائريون مليوناً ونصف المليون شهيد لينالوا استقلالهم السياسي والثقافي ويتحدثوا كيفما شاؤوا بلغتهم العربية. لذلك يجتاحني شعور بالألم كلما سمعت حديثاً بين آباء وأمهات عرب مع أبنائهم يعيشون أحراراً في العالم العربي على شاكلة:” كام هير سويتي “(بالعربية تعال هنا يا عزيزي). ولا مانع من أن يكون أطفالنا بلابل بالانجليزية بل ويتحدثونها باللكنة البريطانية! وأعتبر نفسي من مؤيدي تعليم أبنائنا اللغات الأجنبية ولكن ليس على حساب اللغة العربية!!

إن اللغة وعاء للثقافة والدين والتاريخ والمجتمع، وبدونها تكون الأمة مستباحة ليس أمام الغزو الفكري بل التبعية الثقافية والاستعباد الحضاري. ولتبسيط الأمر على معاييرنا فماذا تتوقعون من طفل يمجد جان دارك ونابليون ولا يعرف شيئاً عن محمد الفاتح وطارق بن زياد؟ ومن طفل يعجب بجورج واشنطن وإبراهام لينكون ولم يسمع عن عمر بن عبدالعزيز ونورالدين زنكي والإمام محمد بن سعود؟ وكيف بطفل يشدو بأغاني الميلاد بالإنجليزية ولايستطيع تلاوة الفاتحة؟

ولما تملكه اللغة من هذا التأثير العميق، فلا عجب أن تحرّم القوانين اليابانية على الأطفال من أب وأم يابانيين أن يدرسوا في المدارس الأجنبية بلغات أجنبية ولا يعترف بشهاداتهم في جامعات اليابان، ولابد لهم أن يلتحقوا بالمدارس اليابانية فيتشربوا المبادئ والقيم لينشأ جيل انتماؤه لبلاده وينطق بلسان ياباني. وأشير كذلك إلى مشروع نيتزانيم لتعليم العبرية لأطفال اليهود في الشتات لضمان اتصالهم الحضاري والروحي مع الكيان الإسرائيلي وأمتهم وثقافتهم اليهودية.

وطالما الحديث عن الأجيال الناشئة فتمنيت لو تقوم إحدى الجهات المتخصصة بإجراء دراسة عن القنوات والبرامج التي يتابعها أطفالنا على شاشات الفضائيات وأثرها عليهم وهل تلك البرامج عربية اللسان والثقافة أم أنها برامج أجنبية وجرى استيرادها لتربي أطفالنا على ثقافات دخيلة؟ وقس على ذلك مناهج المدارس الأجنبية..

وأخيرا، ففي خضم المعارك المصيرية التي تخوضها بلادنا وأمتنا فلا ينبغي أن تشغلنا عن جبهة المستقبل دفاعاً عن ألسنة أبنائنا وبناتنا وعقولهم. ولا حل في هذه النوعية من الحروب إلا بصناعة إعلامية وثقافة وطنية ومنظومة تعليمية قوية تستطيع المنافسة إن لم يكن عالمياً فمحلياً وإقليمياً. ونختم ببيت لمصطفى الرافعي يقول فيه:

وأيّما لغةٌ تنسي امرأً لغة ً… فإنها نكبةٌ من فيهِ تنسكبُ !

المصدر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى