الأمة الثقافية

قرأتُ لك: تاريخ مقاومة التطبيع الاقتصادي مع الأعداء (2)

خطة شاملة

والحقيقة أن خطة الصليبيين الأكثر تفصيلا والأشد شراسة في مقاطعة المسلمين وحصارهم اقتصاديا هي تلك التي سطّرها أحد أبناء جزيرة البندقية اسمه مارينو سانوتو المعروف بلقب تورسيللو (ت 744هـ/1343م) في دراسة بعنوان: ’كتاب الأسرار للصليبيين الحقيقيين لمساعدتهم على استرداد الأرض المقدسة‘، وقدّمها سنة 721هـ/1321م إلى البابا يوحنا الثالث والعشرين (ت 734هـ/1334م).

ويكشف لنا مؤرخ الحروب الصليبية سهيل زكّار (ت 1441هـ/2020م) -في ’الموسوعة الشاملة عن الحروب الصليبية’- حيثيات تأليف كتاب تورسيللو والظروف التي أنتجته؛ فيقول “إن تحرير عكا سنة 690هـ/1291م كان حدثا هائلا شمل الغرب الأوروبي كله، وهنا شرع رجال الكنسية ورجال الحكم والسياسة وأرباب الفكر والقلم، كل بدوره يعمل في سبيلِ مشروعِ حملةٍ صليبيةٍ، مع اقتناعهم أن طريق فلسطين يمرّ عبر مصر التي فشلت كل المحاولات السابقة لاحتلاها”.

ومن هنا جاءت أهمية كتاب تورسيللو الذي يبدو أنه -بعد قرابة خمسة قرون من صدوره- ألهم الإمبراطورَ الفرنسي نابليون بونابرت (ت 1236هـ/1821م) القيامَ بأول حملة استعمارية صليبية -بعد استعادة عكّا- على المشرق الإسلامي، انطلاقا من غزوه مصر وسواحل الشام لإخضاعها وضمها سنة 1212هـ/1797م!!

ويخبرنا مؤلف هذا الكتاب الخطير وواضع خطة المقاطعة الاقتصادية الشاملة للمسلمين عن حيثيات تأليف كتابه وكيفية دخوله على البابا الذي قدم “له نسختين حول استرداد الأرض المقدسة والحفاظ على المؤمنين نسخة مغلفة باللون الأحمر، والثانية بصليب”، كما قدم له أربعة مصورات جغرافية توضيحية؛ المصور الأول: عن البحر الأبيض المتوسط، والثاني: عن الأرض والبحر، والثالث عن الأرض المقدسة، والرابع: عن أرض مصر.

أما الدافع الحقيقي لتأليف الكتاب فيقول عنه تورسيللو: “ولست متقدما إلا بمحض إرادتي لأريكم كيفية إذلال أعداء الإيمان المسيحي، وهزيمة سلطان القاهرة (= الناصر محمد بن قلاوون ت 741ه/1341م) و[حليفه وصهره سلطان مغول القوقاز] أوزبك خان (ت 742هـ/1341م)، الذي اشتهر عند جنوب الأرض أنه لا يُهزَم”! كل ذلك “بنفقة زهيدة، لا بل بدون نفقة”!! وبعد تقديم التقرير والخطة يخبر تورسيللو سيده البابا بأن له التقدير النهائي في “إبادة الأمة الإسلامية التي نشرها محمد (ﷺ)، ولتعلم قداستكم أن هذا ممكن تحقيقه حسبما سيتضح.. لكم من خلال هذا الكتاب”.

لم يكن كتاب هذا الصليبي الإيطالي -الذي عاش زمنا داخل الكنيسة- مجرد تنظير بارد، بل كان خلاصة تجارب ثرية وصعبة في أحايين كثيرة؛ وقد لخّصها هو بقوله: “في سبيل مشروعي هذا كنت قد عبَرت البحر خمس مرات؛ حيث ذهبت مرة إلى قبرص، وثانية إلى أرمينيا، وثالثة إلى الإسكندرية، كما ذهبت إلى رودس، وكنت -قبل أن أقوم بهذا كله- قد أقمت مدة طويلة في كل من الإسكندرية وعكا، وذلك دون خرق للحظر الذي فرضته الكنيسة..، ولهذا أعدّ نفسي مطّلعا بشكل جيد على كل أحوالها”.

اهتمام بالغ

ولشدة اهتمام البابا بهذا الكتاب وما تضمنه من تفاصيل شكَّل لجنة من “الإخوة الرهبان” لدراسته وتقديم تقرير عنه، وقد رأت اللجنة “اعتمادا على محتوى الكتاب أن من الممكن تجهيز كل ما هو لازم بطريقة لائقة من أجل ركوب البحر والعبور إلى مصر، وذلك ما سيضعف موارد السلطان وستنشلّ قواه ومقوماته، كما أن المواد (= السلع) التي يستوردها المسيحيون عادة من البلدان الخاضعة للسلطان من الممكن الحصول عليها من بلدان أخرى، وعندنا أن هذا سهل تحقيقه”!

أما مضمون كتاب تورسيللو فهو خطة حصار اقتصادي صليبي محكم للعالم الإسلامي مقتضاها أنه يجب “الوقوف في وجه الذين يسعون نحو بلاد السلطان لابتياع الأصناف النادرة وبقية أنواع البضائع، ومن ثم نقلها عبر البحر الأبيض المتوسط”. ويقترح المؤلف عدة بدائل للأوربيين بأن يذهبوا إلى الهند عبر الأراضي التي يسيطر عليها التتار عن طريق بغداد، مع لغة ترويجية ماكرة للبضائع المحمولة عبر طرق بلاد التتار.

يتألف الكتاب من عدة أقسام وفصول يغني الوقوف على أفكارها الكبرى عن بقية الكتاب، وكلها تأليب للبابوات والقادة الصليبيين على محاصرة المسلمين اقتصاديا وخصوصا أهل مصر؛ فالقسم الأول من الكتاب مثلا “يشتمل على توضيح طُرُق إضعاف قدرة السلطان وتبيان قدرة “المؤمنين بالمسيح” على استيراد المنتجات اللازمة دون الاضطرار للذهاب إلى “الأراضي الخاضعة للسلطان”!!

وبينما يتمحور القسم الثالث من الكتاب حول “البضائع التي يحتاجها المسلمون والتي لا بد لهم من الحصول عليها من الخارج”؛ يركز القسم الرابع على “وجوب إيجاد إجراء للمقاطعة أنفع من الإجراء الحالي.. لتدمير المسلمين، وكيفية العمل لمنع أية أعمال تجارية على الإطلاق مع البلاد الخاضعة للسلطان [قلاوون] عبر البحر المتوسط”!!

وفي الفصول العديدة التي توزعت عليها أقسام الكتاب؛ يقدم تورسيللو البندقي قائمة بـ”المنتجات التي نحتاجها.. من بلاد السلطان ويمكن الحصول عليها من بلاد المسيحيين”، موضحا أن المسلمين يجنون من ذلك أموالا كثيرة “وإذا توقف المسيحيون عن ذلك فإن هذا يلحق بالسلطان والمسلمين ضررا كبيرا بالغا”.

ويتطرق “للأضرار التي سوف تلمّ بالسلطان وبالشعب الخاضع له في حال إيقاف تصدير الذهب والفضة والحديد وبقية أنواع المعادن وغير ذلك من المنتجات إليهم”، ثم يشرح “الخسائر الفادحة والنفقات الكبيرة التي ستتوجب على السلطان وستنزل به إذا أوقِف تصدير المواد الغذائية والمنتجات المتنوعة من بلاد المسيحيين إلى بلاده”.

حظر “مقدّس”

ولإقناع المسيحيين بوجوب المقاطعة الاقتصادية للمسلمين وسلاطينهم؛ يعتني تورسيللو بتفصيل “الأسباب المسوغة لمنع أي مسيحي من شراء أية بضائع مجلوبة من البلدان الخاضعة للسلطان مهما كانت الطرق التي جاءت بها”! ولم يكتف بانتهاج الأسلوب الإقناعي بل مزجه بالمنزع التخويفي حين جعل أحد فصول كتابه جوابا لسؤال: “لما ذا يتوجب على جميع المسيحيين مطاردة المخالفين لأوامر الكنيسة في هذا المجال في كل مكان، وليس فقط في البحر بل وفي البر”؟

وفي الأخير شرَح واضعُ خطة المقاطعة الاقتصادية الشاملة للعالم الإسلامي “العقوباتِ المتوجب إنزالها بالأمراء وبحكام المناطق وبالجماعات التي لا تلتزم بهذه الإجراءات فتستقبل تلك البضائع في مراسيها أو في أراضيها”، وانتقل من تقنين العقوبات إلى “مراقبة البحر وحراسته وكيفية تأهيل الجهاز الأمني الأول للمسيحيين -أي الجيش- للحرب، ومقدار التكاليف” المترتبة على ذلك.

ولفت تورسيللو انتباه مطالعي خطته إلى أن “الشخص الذي سوف تتولى كنيسة الرب المقدسة الأمر بتعيينه قائدا قد يتمكن من أن يوجب على المسلمين القاطنين في تلك المناطق الامتناعَ عن تصدير أو استيراد أية سلعة من الأراضي التابعة للسلطان” المسلم! فالمحاصرة الصليبية هنا لم تعد مقتصرة على منع أتباع الكنيسة من استيراد بضائع المسلمين، وإنما صارت تشمل منع المسلمين من استيراد بضائعهم “الحلال”!!

ولئن كانت هذه الخطة الصليبية قُدِّمتْ للبابا وتأمَّلها وأمر بدراسة إمكانية تنفيذها؛ فإن ثمة قرارات بـ”الحرمان الكنسي” من “الغفران المسيحي” صدرت من جهة البابوات أنفسهم، تلك القرارات التي تكاثرت عقب استعادة عكّا التي أظهرت استحالة نجاح الحملات الصليبية العسكرية، وفتحت الطريق لممارسة أسلحة المقاطعة الاقتصادية باعتبارها “أضعف الإيمان”، لاسيما مع ازدهار التبادل التجاري بين البلدان الإسلامية والدول/المدن التجارية الأوروبية مثل البندقية وجنوى.

وقد لخّص لنا الدكتور العراقي إيلاف عاصم مصطفى -في بحثه ’دوْرُ البابوية والقرصنة في شل حركة التجارة الشرقية في البحر الأبيض المتوسط 1292-1498م’ (= 691-803هـ)- أشهرَ القرارات البابوية المتعلقة بمقاطعة المسلمين تجاريا؛ وذلك بدءا من عهد “البابا نيقولا الرابع (1288-1292م) الذي عمل على قطع أي علاقة تجارية بين تجار مصر وتجار البحر الأبيض المتوسط، وبعدها جاء البابا بونيفاس الحادي عشر (1303-1306م) الذي عمل على إصدار قرارات تفرّق بين المنتوجات المصدرة إلى مصر، مثل المنسوجات مقابل الفلفل الذي يحتاجه الأوروبيون في فصول الشتاء القارس”.

ويذكر الدكتور إيلاف أن “البابا كلمنت الخامس (1305-1314م) أصدر قرارا بمنع إرسال كل السلع إلى مصر سواء كانت تجارية أو عسكرية، ومن يخالف ذلك يتعرض لأشد أنواع الحرمان الكنسي في ذلك العصر”، كما “أمر البابا يوحنا الحادي والعشرون (1316-1334م) ملكَ قبرص هيو الرابع (1301-1325م) عام 1323م بقطع كل الطرق التجارية في البحر المتوسط أمام أي سفينة تحاول الاتجار مع المصريين والدولة المملوكية، وذلك بإعطائهم حق القرصنة”.

ووفقا لما يستخلصه المستشرق برنشفيك؛ فإن الثابت الأهمَّ في قرارات “الحرمان البابوي” هو أن التجار والملوك لم يلتزموا بها في معظم الأحيان، إذ “كانت الدول النصرانية تتردد في مخالفة تلك القرارات، من ذلك مثلا أن جنوى حين أرادت 1452م (856هـ) توجيه بعض الأسلحة إلى تونس رأت من واجبها أن تسترخص البابا”، أي تطلب منه ترخيص ذلك.

قرارات مهدرة

ويفيدنا ديورانت بضخامة الأنشطة التجارية لمدينة جنوى الإيطالية وتنوّع علاقاتها الاقتصادية؛ فيقول إن “أسطول جنوى التجاري يتألف من مئتيْ سفينة عليها عشرون ألفا من البحارة”، وأنها كانت “تتَّجر بكامل حريتها مع بلاد المسلمين، كما تتَّجر معها البندقية وبيزا وإسبانيا..؛ وكانت كثير من هذه المدن الإيطالية تبيع الأسلحة للمسلمين في أيام الحروب الصليبية، وكان البابوات الأقوياء أمثال إنّوسنت الثالث (ت 613هـ/1216م) ينددون بالتجارة أياً كانت مع المسلمين”!!

ثم يوضح ديورانت -بأسلوب شاعري- مدى احترام التجار المسيحيين لتلك القرارات البابوات؛ فيعلق قائلا: “ولكن الذهب كان أقوى أثراً من الدِّين أو الدم المُراق، ولهذا ظلت «التجارة المحرَّمة» تجري في مجراها العادي”! ثم يختم بقوله: “إن أعظم البابوات شأناً وأقواهم سلطاناً لم يستطع أن يجعل صوته أعلى من رنين الذهب”!!

ولم يكن التلويح بالعقوبات الاقتصادية لحماية مصالح أوروبا المسيحية مقتصرا على البابوات؛ فها هو المفكر السياسي الفرنسي بيير ديبوا (ت بعد 721هـ/1321م) -وهو للمفارقة أحد المنظِّرين المبكرين لانفصال الدولة الفرنسية عن التبعية للكنيسة والبابوات- نجده يطالب “في رسالة عن استرداد الأرض المقدسة” باعتماد سلاح المقاطعة ضد الأعداء. ووفقا لديورانت؛ فإن ديبوا رأى أن “كل أوروبا يجب تتَّحد تحت لواء ملك فرنسا باعتباره إمبراطورا يتخذ عاصمته في القسطنطينية، وأن تكون هذه قلعة تناهض الإسلام..، وأن تُعلَن مقاطعة اقتصادية لكل أمة مسيحية تبدأ الحرب ضد أمة مسيحية أخرى”.

ولم يكن التسامح الذي اتبعه التجار المسيحيون بحثا عن الثراء والربح منسحبا على القادة العسكريين في معاركهم الرامية للاستيلاء على المدن الإسلامية واحتلالها؛ فمؤرخو يوميات الحروب الصليبية يسجلون بدقة وقائع اتخاذ هؤلاء القادة أداة الحصار الاقتصادي رديفا لنظيره العسكري في نكايتهم بالمسلمين. فالمؤرخ ابن الأثير يرصد في أحداث سنة 429هـ/1039م أن ملك الأبخاز في حصاره لأهل مدينة تفليس أقام “عليهم محاصرا ومضيقا، فنفدت الأقوات وانقطعت الميرة، فأنفذ أهلها إلى أذربيجان يستنفرون المسلمين ويسألونهم إعانتهم”.

وهو الأمر الذي اتبعه الإفرنج الصليبيون بعد ذلك في حالات كثيرة، منها أنهم عندما احتلوا أنطاكية حاصر ملكها الصليبي “حصن الأثارب” الذي هو اليوم بلدة “الأتارب” الواقعة غربي مدينة حلب السورية، فجمع سنة 504هـ/1110م “عساكرَه من الفرنج.. وسار نحو حصن الأثارب.. وحصره ومنع عنه الميرة، فضاق الأمر على مَنْ به من المسلمين” حتى استسلموا لعدوهم الصليبي، فـ”ملك الحصنَ قهرا وعنوة، وقتل من أهله ألفيْ رجل، وسبى وأسر الباقين”؛ حسب رواية لابن الأثير.

وكان الحصار الاقتصادي المرير الذي فرضه الصليبيون على المدن والثغور الإسلامية مدعاة أحينا لاتباع أهلها حيلا طريفة لكسره؛ ومن ذلك ما يذكره ابن شداد الموصلي (ت 632هـ/1234م) -في ’النوادر السلطانية’- ضمن أحداث سنة 585هـ/1189م، من أن “الإفرنج.. أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لها من أن يدخلها مراكب المسلمين، وكانت قد اشتدت حاجة من فيها إلى الطعام والميرة فركب في بطسة (= سفينة) بيروت جماعة من المسلمين وتزيَّوْا بزِيّ الإفرنج حتى [إنهم] حلقوا لحاهم ووضعوا الخنازير على سطح البطسة بحيث تُرى من بُعد وعلّقوا الصلبان، وجاءوا قاصدين البلد.. حتى دخلت ميناء البلد..، وكان فرحاً عظيماً فإن الحاجة كانت قد أخذت من أهل البلد”.

وفي المقابل؛ تحدثنا كتب التاريخ عن عشرات الوقائع التي خضع فيها الصليبيون لحصار اقتصادي بحري أجبرهم أحيانا كثيرة على الانسحاب من أراضي المسلمين. ومن ذلك ما يذكره المؤرخ المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في ‘المواعظ والاعتبار‘- قائلا إنه في سنة 648هـ/1250م “قدِم الأسطول الإسلامي من جهة المنصورة [شمالي مصر]، وأحاط بالفرنج [بدمياط] فظفر باثنين وخمسين مركبا للفرنج، وقتل وأسر منهم نحو ألف رجل، فانقطعت الميرة عن الفرنج واشتد عندهم الغلاء وصاروا محصورين..، فوهنت قوة الفرنج وتزايد الغلاء عندهم، وشرعوا في طلب الهدنة من المسلمين على أن يسلموا دمياط”.

مبادئ ومصالح

ومن صور المقاطعة الاقتصادية للخصوم العميقة الدلالة في تراثنا ما رواه المؤرخ ابن العديم (ت 660هـ/1262م) -في ’بغية الطلب في تاريخ حلب’- بشأن سبب اتخاذ الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لعملة الدنانير الإسلامية سنة 75هـ/695م؛ طبقا لما أرَّخه ابن الجوزي في ‘المنتظم‘. وهو ما كان له أثر إستراتيجي عميق الإسهام في رسم مستقبل الحضارة الإسلامية وامتلاكها ميزة السيادة النقدية في الاقتصاد العالمي طوال ثمانية قرون، على نحو ما نراه اليوم من سيادة للدولار الأميركي.

فوفقا لابن العديم؛ فإنه قبل عهد عبد الملك “كانت الدنانير تأتي من بلد الروم (= تركيا اليوم) ويُطلَق (= يُباع) لهم القراطيس (= ورق الكتابة)، وكان يُكتَب في رؤوس الطوامير (= الصُّحُف): {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} إلى آخر الآية، فلما نظر ملك الروم إلى الكتاب قال: ما هذا؟ فقُرئ (عليه وقيل) له: شتموا إلهك الذي تعبد، يعنون عيسى (ﷺ)؛ فغضب وكتب إلى عبد الملك يقول: والله لئن كتبتَ بعدُ هذا في الطوامير لأنقشنَّ في الدنانير شتْمَ نبيك! فاغتمَّ عبدُ الملك فدخل عليه خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85هـ/705م) -وكان داهيا- فأخبره، فقال له خالد: لا تغتم! اجعل عندك دارا للضرب (= سكّ العملة) واضرب فيها وامنعه القراطيس، فإنه سيحتاج إليها فيأخذها على ما تشاء”!!

وفي رواية الواقدي للقصة بيانٌ أوضح للبعد العقَدي الثاوي خلف ذلك القرار السياسي الاقتصادي الذي اتخذه ملك الروم؛ فقد قال إنه “كانت الأقباطُ تذكر المسيحَ في رؤوس الطوامير وتنسبه إلى الربوبية تعالى الله علوًّا كبيرا، وتجعل الصليب مكان بسم الله الرحمن الرحيم، فلذلك كرِه ملكُ الروم ما كرِه واشتدَّ عليه تغيير عبد الملك ما غيَّره”! ففحوى هذه القصة تلخص لنا تاريخ الصراع بين المسلمين والمسيحيين -وخاصة في شقه الاقتصادي والتجاري- وعلاقة ذلك بالمقدسات؛ فملك الروم غضب وأوعد بالمقاطعة الاقتصادية لِمَا ظنَّه شتما لعيسى ﷺ الذي يتخذه “إلهاً” من دون الله تعالى!

ومن المنطلق نفسه صدرت عدة فتاوى من علماء المسلمين وقادتهم في ضوابط التعامل مع المسيحيين المحاربين، كما أن ثمة دافعا آخر يتعلق بنظرة بعض المسلمين إلى طهارة المنتَج المسيحي عموما ومدى موافقته للشروط الإسلامية، وجواز تمكين المسيحيين من العملات التي نُقِش فيها اسم الله تعالى؛ ففي كتاب ‘تهذيب المدونة‘ للفقيه المالكي القيرواني أبي سعيد الأزدي المعروف بالبرادعي (ت بعد 430ﻫ/1040م) أن المُسْلم “لا يشتري من الحربيين بالدنانير والدراهم التي فيها اسم الله تعالى لنجاستهم، كانوا أهلَ حرب أو عهد”!

ومن الفتاوى الإسلامية القديمة التي اشتبك فيها مبدأ توخي الطهارة دينياً وضغط اللحظة الراهنة سياسياً؛ فتوى الفقيه المالكي أبي بكر الطرطوشي -الذي عاصر الحروب الصليبية- القاضية صراحةً بالمنع الباتِّ لاستهلاك “الجبن الرومي”، متجاوزا بذلك تردد إمامه مالك بشأن حكم هذا المُنْتَج الغذائي؛ كما رأينا في النص الذي صدّرنا به هذا المقال نقلا عن القرافي المالكي.

ومن تلك الفتاوى الطريفة التي اشتبك فيها لدى الفقهاء مبدآ القداسة والطهارة مع مراعاة المصالح المادية الواقعية؛ فتوى الفقيه المالكي ابن مرزوق الحفيد التلمساني (ت 842هـ/1438م) في حكم النسخ على الورق المستورَد من بلاد الروم، وقد رجَّح هو جواز ذلك في رسالة سماها ’تقرير الدليل الواضح المعلوم على جواز النسخ في كاغد الروم’، ولكن عارضه فقهاء آخرون لأسباب فقهية واقتصادية.

سياقات مؤثّرة

وإذا كنا ركزنا في استعراض فتاوى المقاطعة الاقتصادية للعدو على المذهب المالكي فمردّ ذلك أن فقهاءه كانوا -بحكم جغرافية بلدانهم- على خطوط تماس دائم مع الصليبيين وعموم المسيحيين الغربيين في الأندلس وشمال أفريقيا، وحتى في ثغور الشام ومصر كالإسكندرية. وقد كان منطلقهم الأساسي لأغلب فتاوى المقاطعة الاقتصادية هو قول الإمام مالك الوارد في ’المدونة’ للإمام سحنون (ت 240هـ/855م): “أمّا كلُّ ما هو قوة على أهل الإسلام مما يتقوَّوْن به في حروبهم من كُراع (= الخيل والإبل) أو سلاح أو خُرْثِيٍّ (= أثاث البيوت)، أو شيئا مما يُعْلَم أنه قوة في الحرب من نحاس أو غيره؛ فإنهم لا يباعون ذلك”.

وعلى خُطى فتاوى الإمام مالك تلك سار أتباعه في الغرب الإسلامي مثل الفقيه عبد الحميد الصائغ القيرواني (ت 486هـ/1093م) الذي عايش -آخرَ عمره- بداياتِ هجمات الصليبيين على أطراف العالم الإسلامي، حيث استولوا على نصف رقعة الأندلس بسقوط طليطلة سنة 478هـ/1086م، وانتزعوا السيادة على كامل جزيرة صقلية سنة 484هـ/1091م، ثم رأى تجمُّعَ غيوم هذه الهجمات في الأفق وهي توشك أن تتجه -بُعيد وفاته- إلى سواحل الشام غزوا صليبيا استيطانيا لا يرحم.

وبالنظر إلى تلك السياقات الظرفية الخطيرة؛ يمكن فهم موقف الإمام الصائغ القيرواني حين أفتى بعدم جواز الاتجار بالطعام وغيره مع الأعداء، إذا كان الاتجار “يقويهم على محاربة المسلمين”، ويجنون منه “أموالا عظيمة”، وذلك لأن الأعداء كانوا “في أيامه يتقوَّوْن بما يصل إليهم من الأموال على أمور تعود بضرر المسلمين”؛ وفقا للإمام الونشريسي (ت 914هـ/1509م) في ’المعيار المُعْرِب’.

وفي ظل تمدد الممالك المسيحية في الجغرافيا الإسلامية بالأندلس؛ وسّع ابن رشد الجد فتواه بمنع الاتجار مع الأوروبيين مقترحا آليات عملية لمراقبة تنفيذ فتواه تلك؛ فرأى أنه “واجب على والي المسلمين أن يمنع [رعيته] من الدخول إلى أرض الحرب للتجارة، ويضع المراصد في الطرق والمسالح (= دوريات الحراسة) لذلك حتى لا يجد أحدٌ السبيلَ إلى ذلك، لاسيما إن خشي أن يُحمَل إليهم ما لا يَحِلُّ بيعُه منهم مما هو قوةٌ على أهل الإسلام لاستعانتهم به في حروبهم”.

ويندرج في ضغوط واقع التّماس والمواجهات بين المسلمين والمسيحيين في الغرب الإسلامي إبرامُ سلطان المغرب أبي الحسن المريني (ت 753هـ/1352م) في “سنة 739/1339م معاهدة سياسية تجارية في تلمسان مع وفد مملكة ميورقة (= إحدى الجزر الأربع الواقعة قبالة الساحل الشرقي للأندلس)، وقد سمح هذا الاتفاق لرعايا ميورقة بالتجارة في المغرب، ولكن منع عليهم أن يصدّروا منه القمح والسلاح والخيل والجلود المُمَلَّحة والمدبوغة”؛ وفقا للمؤرخ المغربي محمد المنوني (ت 1420هـ/1999م) في كتابه ‘ورقات من حضارة المرينيين‘.

ومن ذلك أيضا ما كان يتخذه سلاطين مصر من قرارات تفرض حظرا تجاريا على تصدير سلع معينة إلى الممالك الأوروبية؛ فالمؤرخ المقريزي يفيدنا -في كتابه ‘السلوك‘- بأنه في سنة 838هـ/1435م “مُنع التجارُ بالإسكندرية من بيع البهار (= التوابل) على الفرنج فأضرهم ذلك”. وفي سنة 1120هـ/1709م صدر في القاهرة أمرٌ بـ”ألا يُباع شيء من قسم الحيوانات والقهوة إلى جنس الإفرنج”! طبقا للمؤرخ المصري الجبرتي (ت 1237هـ/1825م) في ‘عجائب الآثار‘.

————

المصدر : الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى