الأمة الثقافية

قرأتُ لك: تاريخ الصالونات الثقافية من السيدة سكينة إلى مي زيادة

 

من مجلس السيدة سُكينة بنت الحسين (ت 117هـ/736م)، إلى منتدى الأميرة الأندلسية الشاعرة ولّادة بنت المستكفي (ت 484هـ/1091م)، وليس انتهاء بصالون الأديبة الشامية المعاصرة مَيْ زيادة (ت 1362هـ/1941م)؛ نجد خَطًّا تاريخيا موصولا لظاهرة ثقافية طالما ظنّ كثيرون أنها حديثة، في حين أنها ضاربة بعراقة في القدم منذ أيام الجاهلية، وتلكم الظاهرة هي ما كان يُسمَّى قديما “مجلس الأدب” وصار يُعرَف اليوم بـ”الصالون الثقافي”؛ إذْ مفردة “الثقافة” -بلغة عصرنا- هي المكافئ الدلالي الأقرب لمفهوم “الأدب” عند الأقدمين.

وبالطبع؛ لا تعني الإشارة إلى مجالس الثقافة النسوية -من سكينة إلى مَيْ- سوى التأكيد على شيوع وعموم تلك الظاهرة الثقافية العربية؛ إذْ كانت تستقطب كل طبقات وتنوعات المجتمعات الإسلامية عبر تاريخها منذ عهد الصحابة تلك الظاهرة، ومع التحولات السياسية والثقافية الكبرى أضحت تلك الصالونات إحدى أوثق ركائز قصور الحكم وأبرز سمات بيوت الأعيان من مثقفي المجتمع، ومع ظهور صناعة الكتابة والتدوين باتت مكوّنا لازما في أنشطة أسواق الكتب وحوانيت الورّاقين.

ومن اللافت هنا أنه كانت تخصص ميادين عامة وسط المدن الإسلامية لعقد المجالس الأدبية والثقافية وحلقات النقاش والحوار؛ استلهاما ربما لفكرة “أسواق العرب” في جاهليتهم، وتطويرا لسابقة سنّها الخليفة عمر بن الخطاب (ت 23هـ/645م) في المدينة النبوية، كما سيأتي. وهكذا كان للكوفة فضاء ثقافي وللبصرة فضاء منافس.

ولعل من أهم ما يمكن استنتاجه من ظاهرة المنتديات الثقافية في تاريخنا هو أنها شاهد بالغ الدلالة على حيوية المجال العام الاجتماعي في الحضارة الإسلامية، وما كان يقدمه من إسهام عظيم في إنتاج الثقافة وتداول الفكر وتبادل الرأي، على نحو متوازن وحُرّ ينبع من حركة الناس وخبرتها الأدبية وليس توجيها من ذي سلطان، إذْ لا سيطرة حقيقية في تلك المنتديات إلا لقوة البيان والبرهان؛ خاصة أنها كانت إطارا لصياغة مواقف الرأي العام بشأن القضايا والأشخاص باعتبارها ميدانا ساخنا لاشتباك الأفكار والمذاهب والتوجهات.

أما الفنون والمهارات التي صاحبت هذه الظاهرة -وما ولّدته من شبكات ثقافية واتجاهات أدبية وتوظيفات تعبيرية- فمن الصعب أن ترصد تفاصيلها حصرا؛ فعدا أنها كانت تُسْهم في إنضاج كسب الثقافة وتقوية الآداب وبلورة الأفكار لدى مرتاديها، فإنها كانت كذلك مسرحا لاختراع فنون الأداء الدرامي التمثيلي وما يلزم ذلك على صعيد أساليب التجميل ونمط الأزياء!

في هذه المقالة؛ نستعرض كيف تمت إدارة جانب محوري من المشهد الثقافي العربي في الحضارة الإسلامية -بشكل باهر- عبر الدَّور المجتمعي، منذ أن فتحت له المجالَ طبيعةُ الإسلام الذي يعطي الرواية الشفاهية دورا مفصليا في آفاق التلقي المعرفي؛ فندخل عوالم ظاهرة المجالس الأدبية التي شكلت سبقا تاريخيا لفكرة “الصالونات الثقافية”، ونتعرف على ما كانت تعجّ به من قوالب وعوائد وأنشطة أدبية في الميادين العامة والبيوت المغلقة؛ ونرصد -عبر تتبع مراحلها ومحافلها- ما كان لها من ثمرات معرفية صبّت روافدها في صالح نشأة فنون أدبية وقوالب كتابية أثْرَت الحياة الثقافية والأدبية.

 

جذور عريقة

أبَى الشعرُ إلا أن يترك أثره على الحياة المجتمعية في الفضاء العربي بقوة حتى كان من ذلك تأًصل وعراقة تقليد اللقاءات والمنابر الأدبية؛ فابن خلدون (ت 808هـ/1406م) أنه “كان رؤساء العرب منافسين فيه (= الشعر) وكانوا يقفون بسوق عكاظ (قرب مدينة الطائف) لإنشاده، وعرْض كلّ واحد منهم ديباجته (= أسلوبه) على فحول الشّأن وأهل البَصَر” بالشعر ونقده.

وندرك من ذلك مدى تفطّن المجتمع العربي -منذ عصر الجاهلية- إلى أهمية إيجاد فضاءات عامة لإقامة الفعاليات الشعرية والمهرجانات الخطابية، فقادتهم رحلة البحث تلك إلى اختبار الأسواق خروجا بالشعر والأدب من نطاق التفاعل العائلي واللقاءات المصغرة إلى حيث يلتقي الجميع ويكون التفاعل العامّ على أشدّه، على نحو ما تحققه جلسات التنافس الشعري في “أسواق العرب”.

فقد ذكر أبو علي المرزوقي (ت 421هـ/1031م) -في ‘الأزمنة والأمكنة‘ نقلا عن ابن دُرَيْد الأزْدي (ت 321هـ/933م)- أن “أسواق العرب الكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة سوقا”، كانت فعاليات الشعر ضِمن الأنشطة الرئيسية في عدد منها طوال العام. ويصوِّر لنا أبو أحمد العسكري (ت 382هـ/993م) -في ‘المَصُون في الأدب‘- جانبا من ذلك التنافس الشعري؛ فيحكي أن الشاعر النابغة الذبيانيّ (ت 18ق.هـ/604م) كانت “تضرب له قبة من أُدُمٍ (= جُلُود) بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها”.

وبعيدا عن فضاء الأسواق الجامعة والصاخبة؛ انبرت أطياف المجتمع العربي لعقد مجالس الأدب ومسامراته استماعا لما ينتجه الشعراء من نصوص وتفاعلا مع إبداعاتهم، سواء كان ذلك بين جدران البيوت أو في ظلال الكعبة أو في خضم صخب الأسواق، بل وفي الطرقات وخلال الأسفار. وكان ذلك تعبيرا -منذ وقت باكر- عن أن الأدب مادة تداولية من الدرجة الأولى تتخذ من المجالس العامة قنوات مرور لارتباط الجميع بها، ولذا يورد ابن هشام الحمْيري (ت 218هـ/833م) -في ‘السيرة النبوية‘- أنه “لم يكن من قريش فخذٌ إلا ولهم نادٍ معلوم في المسجد الحرام يجلسونه”.

وفي عراقة فكرة مجالس “الديوانيات” المجتمعية عربيا وتأثير مستضيفها في روادها؛ نقرأ لدى الجاحظ (ت 255هـ/868م) -في ‘البيان والتبيين‘- قول ابن عباس: “كانت قريش تألف منزل أبي بكر (الصدّيق ت 13هـ/635م) رضي الله تعالى عنه لخصلتيْن: العلم والطعام، فلما أسْلَمَ [هو] أسْلَمَ عامّةُ مَن كان يجالسه”! كما يروي الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م) -في كتاب ‘فضائل الصحابة‘- قول عمر بن الخطاب (ت 23هـ/645م): “كان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحَزْوَرَة (= سوق مكة) عند دار عمرو بن عائذ [المخزومي]”!

ولما كانت تلك المجالس عادة ثقافية واجتماعية في حياة القرشيين؛ فإنهم اتخذوا الأماسي والعشيّات مواعيد للقاء فيها، كما يفيدنا ابن أيْبَك الدَّوَادارِي (ت 736هـ/1432م) -في ‘كنز الدُّرَر‘- بقوله: “السَّمَرُ المحادثة ليلا، وأصل السمر أنه ظِلُّ القمر، وكانوا يجلسون فيه للحديث فاستعير الاسم لحديثهم”.

 

تعزيز وترسيخ

وحين جاء الإسلام؛ انتشرت المساجد في أمصار الجزيرة العربية والعراق والشام فتجددت فيها التجمعات مرات في اليوم طوال الأسبوع، وسدّت بذلك فراغا تركه اختفاء “أسواق العرب” التقليدية، ووفّرت مكانا رحبا للنقاش وحواضن لتداول المحتوى الأدبي ودعْم انتشاره مجتمعيا. وهو ما فتح أمام القصيدة العربية -منذ العهد النبوي- منصة استفادت منها في نيل الرواج والانتشار، فقصيدةٌ مثل “البُردة” لكعب بن زهير (ت 26هـ/648م) إنما شقّت طريقها إلى الشهرة والخلود حين وقف كعب فـ”أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ** متيَّم إثرها لم يفد مكبول”؛ وفقا لرواية ابن هشام في ‘السيرة النبوية‘.

ضَخَّ الإسلامُ تأثيرَه في حياة المجتمع العربي بما فيها المجالس العامة التي وجدها قالَبا تواصليا فعمره بما يحقق الإمتاع والانتفاع، وعدّها أسلوبا تفاعليا فسخّره ليكون وسيلة فعالة -ضمن أنماط أخرى- في بناء حضارته، فزادت وتيرة توظيفها كمًّا وكيفاً. ونحن نلاقي تأكيدا لذلك فيما رواه الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م) -في كتاب ‘الفقيه والمتفقِّه‘- من شهادة الإمام المحدِّث أبي الأحْوَص الحنفي (ت 179هـ/795م): “أدركْنا الناسَ وما مجالسهم إلا المساجد”.

وعن محورية الأدب في هذه المجالس؛ يحدثنا الصحابي الجليل جابر بن سَمُرَة السُّوَائي (ت 76هـ/696م) عن تكاثر ملتقيات الشعر في “فجر الإسلام”، فيقول: “جالَستُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أَكثرَ من مئة مرَّةٍ فَكانَ أصحابُهُ يتناشَدونَ الشِّعرَ، ويتذاكرونَ أشياءَ من أمرِ الجاهليَّةِ، وَهوَ ساكِتٌ، فربَّما يتبسَّمُ معَهُم” (سُنَن الترمذي).

ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بتشريفه مجالس الأدب بالحضور والإقرار، بل كان أحيانا يطلب إقامتها وإنشاد الشعر بين يديه حتى وهو في أرض المعركة؛ إذْ نقرأ -في ‘صحيح مسلم‘- عن عمْرو بن الشريد بن سُوَيْد الثقفي (ت نحو 100هـ/720م) عن أبيه أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم على دابته “فَقالَ [النبي]: هلْ معكَ مِن شِعْرِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلْتِ شيءٌ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: هِيهِ (= زدْنا)! فأنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقالَ: هِيهِ! ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقالَ: هِيهِ! حتَّى أَنْشَدْتُهُ مِئَةَ بَيْتٍ”!!

على أن اللافت فعلا هو تجهيز المسجد النبوي بمنبر للنشاط الأدبي؛ ففي ‘صحيح البخاري‘ أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان يضع لحَسّان (بن ثابت ت 54هـ/675م) منبرا في المسجد” لإلقاء الأشعار. ويروي الإمام البيهقي -في ‘السنن الكبرى‘- أن النبي صلى الله عليه وسلم “قال وهو في سفر: أين حسان؟ فقال حسان: لبَّيْكَ يا رسول الله وسعديْك! فقال: اُحْدُ (= أنشد)، فجعل ينشد و[النبي] يُصغي إليه حتى فرغ من نشيده؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَهذا أشدُّ عليهم (= المشركين) من وَقْع النَّبْل (= السِّهام)”!!

ساحة نقاشية

وكان في ذلك ما يبرز لونا زاهيا من عيّنات مجالس الأدب بإقامتها في الحضارة الإسلامية خلال الرحلات، حتى إن الصحابة استثمروا هذا التقليد الأدبي وهم يخوضون عُباب الصحاري في أسفارهم، بل وهم متجهون إلى ساحات الحرب للجهاد!

فابن سلّام الجُمَحِي (ت 232هـ/846م) يروي -في ‘طبقات فحول الشعراء‘- عن عبد الله بن عباس (ت 68هـ/688م) أنه قال: “قال لي عمرُ ليلةَ مسيره إلى الجابية (= موضع بالشام) في أول غزوة غزاها [وهو خليفة]: هل تروي [شيئا] لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال الذي يقول:
ولو أن حَمْداً يُخْلِد الناسَ أخلِدوا = ولكن حمْد الناس ليس بمُخْلِدِ
قلت: ذلك زهير، قال: فذاك شاعر الشعراء! قلت: وبمَ كان شاعر الشعراء؟! قال: لأنه كان لا يُعاظِلُ في الكلام (المُعاظَلة: تداخل الألفاظ)، وكان يتجنب وَحْشِيَّ الشعر”!

بل إن الأمر وصل إلى حدّ تخصيص الخليفة عمر الفاروق ميدانا عامًّا في المدينة يلتقي فيه الناس لإلقاء الشعر والخطابة والنقاش والمثاقفة؛ فقد روى الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) -في ‘الموطّأ‘- “أن عمر بن الخطاب بنَى رَحْبةً في ناحية المسجد [النبوي] تسمى البُطَيْحاء، وقال: «مَنْ كان يريد أن يَلْغَط أو يُنْشِد شِعْراً أو يَرْفَع صوته فليخرج إلى هذه الرَّحْبة»”!!

ثم تواصلت عادة عقد تلك المجالس الأدبية في حياة الصحابة بعد عصر الخلفاء الراشدين؛ فكانت لهم مجالس ثابتة لتناشد الأشعار وروايتها، دون أن يقطعهم عنها الانشغال بشؤون الدين الجديد ونشره في الآفاق، ولا مواجهة تحديات الحياة التي يعيشون في خضمّها. وقد ترسخ ذلك البعد الأدبي في حياتهم إلى الحد الذي يصفه لنا الإمام التابعي عامر الشَّعْبي (ت 104هـ/723م) بقوله: “رأيتُ رجالا من الصحابة -رضي الله عنهم- بفناء الكعبة يتناشدون الأشعار”!

بل إن “ترجمان القرآن” عبد الله بن عباس كان يخصص -ضمن جدول برامجه العلمية- يوما في الأسبوع للشعر ومجلسا لأيام العرب وآدابهم؛ ولذا يذكر الأمام ابن كثير (ت 774هـ/1372م) -في ‘البداية والنهاية‘- أنه “كَانَ يَجْلِسُ يَوْمًا مَا يَذْكُرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهَ، وَيَوْمًا التَّأْوِيلَ (= تفسير القرآن)، وَيَوْمًا الْمَغَازِيَ (= السيرة)، وَيَوْمًا الشِّعْرَ، وَيَوْمًا أَيَّامَ الْعَرَبِ”.

ومن الأدلة البالغة على محورية تلك المجالس في حياة الصحابة ما أورده الإمام البيهقي في ‘السنن الكبرى‘- عن مترجم النبي صلى الله عليه وسلم وكاتبه ورئيس لجنة كتابة المصحف زيد بن ثابت الخزرجي (ت 45هـ/666م) واهتمامه باللقاءات الشعرية؛ فقد روى بسنده إلى التابعي محمد بن كثير بن أفلح أنه قال: “آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت مجلسٌ تناشدنا فيه الشعر”!

 

أداة حضارية

ولأن المجالس الثقافية أداة حضاريةٌ منتجة ومنجِزة؛ كانت الجغرافيا الإسلامية -مطلعَ عهد الفتوح- على موعد مع إسهام ثقافي ضخم لقُطر مركزي فيها اتخذ من هذه المجالس أبرز الأدوات الحضارية. ونعني بذلك العراق بمصريْه البصرة والكوفة اللتين أنشئتا في خلافة عمر الفاروق، فاضطلعتا مبكرا بتشكيل إرث معرفي خاصة على مستوى علوم اللغة وفنون الأدب، أنتجتاه بتنافس إيجابي حميمي عكسته مدرستاهما النحويتان.

ونجد انعكاسا لأجواء بدايات ذلك التنافس الساخن في موقف منه معبِّر ينقله لنا المؤرخ القِفْطِي (ت 646هـ/1248م) -في ‘إنْباه الرُّواة‘- بقوله: “لمّا قيل ليحيى بن خالد (البَرْمكي الوزير العباسي ت 190هـ/811م): هذا [سيبويْه (ت 179هـ/795م)] فاضلُ نحاة البصرة [دخل بغداد]! اشتاقت نفسه إلى سماع كلامه، فقيل له: اجمع بينه وبين نحويّ الكوفة الكِسَائي (ت 189هـ/805م)، فجمع بينهما، وحضر نحاة الكوفة” ثم جرت المناظرة الشهيرة بينهما.

ومثل هذا التنافس الثقافي ليس بغريب على ذوي منطقة اختطّت ميادينَ عامة في مُدنها لعقد المجالس الأدبية والثقافية، استلهاما ربما لفكرة أسواق العرب في جاهليتهم أو تقليدا للسابقة العمرية في المدينة النبوية؛ فكان للكوفة فضاء عام للشعراء يُعرف بـ”الكُناسة” التي “كانت الأشراف بالكوفة يخرجون إلى ظاهرها يتناشدون الأشعار ويتحدثون ويتذاكرون أيام الناس”؛ طبقا لما في ‘الأغاني‘ لأبي الفرَج الأصفهاني (ت 356هـ/967م).

أما أهل البصرة فكان منتداهم الأدبي هو سوق “المِرْبد“ الواقع على أطراف مدينتهم، والذي يُمدنا ياقوت الحموي (ت 626هـ/1229م) بلمحة تعريفية به، فيقول -في ‘معجم البلدان‘- إنه كان “سوق الإبل.. قديما ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء”.

وقد نال “المِرْبد“ شهرة أكبر من منافسه الكوفي ”الكُناسة” لاستضافته -طوال عقود- منافسات المعارك الشعرية الكبرى في النصف الثاني من القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، وكان من مشاهير فرسانها الفرزدق التميمي (ت 110هـ/739م) وجرير التميمي (ت 110هـ/739م) والأخطل التغلبي (ت 92هـ/712م) والراعي النُّمَيْري (ت 90هـ/710م)؛ فقد “كان لراعي الإبل [النميري] والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها”؛ حسبما في ‘الأغاني‘ للأصفهاني الذي يتحدث أيضا عن مكان إلقاء جرير لشعره، فيقول: “وَكَانَ يُعرَف مَجْلِسُه ومجلس الفرزدق”.

ومع استضافته لتلك المناقضات الشعرية والمفاضلات النقدية المحتدمة بشأنها؛ كان “المِرْبد” مركزا يستقطب اللغويين وعلماء الأدب والنقد لتسجيل غريب اللغة وشواهدها الشعرية من أفواه الأعراب القادمين من بوادي العرب، ودعم مسارات دراساتهم ومشاريعهم بشأن اللغة ورصد ظواهرها، على نحو ما ينقله أبو علي القالي البغدادي (ت 356هـ/967م) -في كتابه ‘الأمالي‘- من قول إمام الأدب الأصمعي (ت 216هـ/831م): “جئتُ لأبي عمرو بن العلاء (البصري ت 154هـ/772م) فقال لي: مِنْ أين أقبلتَ؟ قلتُ: جئتُ من المربد! قال: هاتِ ما معك [من مروياته]! فقرأتُ عليه ما كتبتُ في ألواحي”.

 

صبغة خاصة

ويكفي في بيان دَور هذا المنبر الأدبي الذائع الصيت إسهامُه في تخريج فطاحل الأدباء وتعزيز قدراتهم الثقافية؛ فياقوت الحموي يخبرنا مثلا أن الجاحظ “تلقّف الفصاحة من العرب شِفاهاً بالمربد”! ونُطِلّ على مشهد من تجمعاته الأدبية المتنوعة عبر ما يورده أبو عبد الله المَرْزُبَاني (ت 384هـ/994م) -في ‘الموشَّح في مآخذ العلماء على الشعراء‘- عن أحدها كان نجمه الشاعر ذو الرُّمَّة التميمي (ت 117هـ/736م)؛ حيث يقول: “وقف ذو الرُّمَّة ينشد قصيدته.. فاجتمع الناسُ يسمعون -وذلك بالمربد- فمرّ الفرزدق فوقف يستمع، وذو الرمة ينظر إليه حتى فرغ، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما قلتَ”!

ويبدو أن ذلك النشاط الأدبي الحافل -في منابر الكوفة والبصرة- كان مطلبا جماهيرا مُلِحًّا؛ فتعاضد المجتمع مع أجيال الشعراء على مواصلة إذكاء جذوته والمحافظة على اتِّقادها، فمن ذلك ما يذكره أبو الفتح العباسي (ت 963هـ/1556م) -في ‘معاهد التنصيص‘- من أنه “قَالَ فتيانٌ من عجلٍ لأبي النَّجْم (العِجْلي ت 120هـ/739م) هَذَا رؤبة (بن العَجّاج التميمي ت 145هـ/762م) بالمربد يجلس فَيُسمع شعره ويُنشِد النَّاسَ، ويجتمع إِلَيْهِ فتيَان بني تَمِيم! قَالَ أَو تحبّون ذَلِك؟ قَالُوا نعم…! [فدخل المربد] فلما رآه رؤبةُ أعظمَه وقام له عن مكانه، وقال: هذا رجّازُ العرب! وسألوه أن ينشدهم، فأنشدهم.. وكان من أحسن الناس إنشادا”.

طبعت المجالسَ الأدبية في العصر الإسلامي الأول عوائد وفنيات عِدّة، كان من أبرزها تلك اللمسات ذات الصلة بمجال “الدراما” وفن المسرح مما أضفى على تلك المجالس مسحةً خاصة كان لها أثرُها في تمتين عُرى العلاقة بين نجومها من الشعراء وجمهور المتلقين لجذبه إلى المحتوى الأدبي المقدَّم.

فإلى جانب إثراء هذا المحتوى المنتَج؛ توسّل الشعراء والخطباء بالعديد من المظاهر في تنفيذ إطلالاتهم الإبداعية التي يبتغونها، فوظّفوا -للحفاظ على تفاعل الجمهور معهم- لغةَ الجسد التي يلفت الجاحظ انتباهنا لأهميتها في فنيات الخطابة والإلقاء عند العرب؛ فيقول -في ‘البيان والتبيين‘- إن “مبلغ الإشارة (= لغة الجسد) أبعدُ من مبلغ الصوت… وحسْن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان”، ثم أوضح -في كتابه ‘الحيوان‘- ما يستخدمونه في لغة الجسد من “رفْع الحواجب، وكسْر الأجفان، وليّ الشّفاه، وتحريك الأعناق، وقبْض جلدة الوجه”!

ومن تلك الفنيات أيضا ما يورده الأصفهاني -في ‘الأغاني‘- من طقوس معينة اعتمدها الشعراء في تلك المجالس والمنتديات؛ فهذا جرير أصبح ذات يوم متهيئا للانطلاق إلى المربد ليُلقي قصيدته التي يهجو فيها بني نُمير قبيلة خصمه الراعي، وقبل انطلاقه “دعا بدُهْنٍ فادَّهَن،َ وكَفَّ رأسَه (= ضمَّ أطرافَه) وكان حسن الشَّعَر، ثم قال يا غلام أسرْجْ لي، فأسْرَج له حصانا ثم قصد مجلسهم”. ثم ذكر أنه بات مهموما بإنتاج نص قصيدته فلما أصبح “إذا هو يُكَبِّر، قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير”! وأنه كبَّر أكثر حين قال بيته الذي تناقلته الألسن عبر العصور: فغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ من نُمَيرٍ ** فلا كَعْباً بلغتَ وَلا كِلاَبَا!

بين مذهبين

وترجع بواكير هذا الجانب -فيما يبدو- إلى ما قبل مماحكات جرير وأضرابه؛ إذ نجد -وفقا للأصفهاني في ‘الأغاني‘- أن حسان بن ثابت (ت 54هـ/675م) “كَانَ يخضب شَاربه وعَنْفَقَتَه بِالْحِنَّاءِ وَلَا يخضب سَائِر لحيته، فَقَالَ لَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن (ت 104هـ/723م) يَا أَبَتِ! لِمَ تفعلُ هَذَا؟! قَالَ: لأَكُون كَأَنِّي أَسد وَلَغَ فِي دَمٍ”!!

وذلك ما يوحي باتخاذ هذا المظهر لغرض متصل بالمشاركة في منابر المنافسات الشعرية، كما تتلاقى خلفيته مع تعليق أبي حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ/1010م) -في ‘البصائر والذخائر‘- على ما قيل من أن الشاعر الصحابي لبيد بن ربيعة (ت 41هـ/662م) كان إذا ألقى شعره في الجاهلية “دهن أحد شقّيْ رأسه، وأرْخَى إزاره، وانتعل نعلا واحدة؛ وكذلك كانت تفعل الشعراء في الجاهلية إذا أرادت الهجاء”!!

وعموما هما خياران يبدو أن الحال مضى عليهما في إطلالات المشاركين من الشعراء، فإما اتخاذ المظاهر المستغرَبة أو اختيار التأنق وحسن الهندام؛ فنحن مقابل الصورة التي رسمها التوحيدي للشاعر الجاهلي عموما؛ نطالع -في ‘الأغاني‘- أنه “تكوّف (= تَحلَّق) جماعةٌ بالمربد على الشاعر ذي الرُّمَّة وهو قائم وعليه بُرْدٌ (= عباءة) قيمته مئة دينار (= اليوم 17 ألف دولار أميركي تقريبا)، فاستمعوا إليه وهو ينشد -ودموعه تجري على لحيته- [قصيدته]: ما بالُ عينِكَ منها الماءُ ينسكبُ”!!

وفي سياق اهتمام شعراء العهد الإسلامي بفنيات المشاركة الشعرية كانوا يلجؤون لبعض الأساليب الداعمة لحضورهم الأدبي؛ فهذا الإمام اللغوي أحمد بن يحيى المعروف بثَعْلَب (ت 291هـ/904م) يفيدنا -في كتابه ‘مجالس ثعلب‘- بأنه “ذُكِر [الشاعر] ذو الرُّمَّة في مجلس فيه عدةٌ من الأعراب، فقال [أحدهم]..: إيايَ فاسألوا عنه؛ كان من أظرف الناس.. حُلْوَ المَنْطِق، وكان إذا أنشَدَ بَرْبَرَ (= صوَّت عاليًا) وجَشَّ (= غلُظ) صوتُه، فإذا راجعك لم تسأم حديثه وكلامه”!!

ويذكر الصولي (ت 335هـ/946م) -في كتابه ‘أخبار أبي تمام‘- أن أبا تمام -وهو الشاعر البارع- كان خَشِنَ الصوت، فاضطر إلى أن يصطحب “معه راويةً حَسَنَ النشيد” فكان يلازمه لينشد له شعره في مجالس الخلفاء وقادة الدولة. كما يحكي الإمام ابن عساكر (ت 571هـ/1175م) -في ‘تاريخ دمشق‘- أن الشاعر البحتري اعتاد توظيف اللغة الجسدية في حضوره الأدبي، فـ”كان إذا أنشد تَبَخْتَرَ في إنشاده، وحرّك يديه وأشار برأسه إعجابا بما يأتي به، وقال: أحسنتُ واللهِ! ما لكم لا تُحَسِّنون (= تقولون لي: أحسنتَ) وتتعجَّبون مما تسمعون؟! وكان ذلك ربما غاظ [الخليفة] المتوكل (العباسي ت 247هـ/861م)”، رغم أن البحتري كان شاعر بلاطه المفضّل!!

وقد يلجأ بعض الشعراء إلى تدبير حِيَلٍ خفية ليضمنوا كسب رهان المغالبة في مجالس الشعر؛ ومن صور ذلك ما يرويه ابن عبد الملك المراكشي (ت 703هـ/1303م) -في ‘الذيل والتكملة‘- من أن الشاعر يوسف بن موسى الهواري المراكشي (ت 649هـ/1251م) كان “يأخذ بمجامع القلوب متى تلا القرآن أو أنشَد الشعرَ، وكان إذا حضر مع الشعراء -للإنشاد بين يدي ملوك عصره [بالدولة الموحّدية]- يرغب.. في إرجائه إلى آخرهم، فإذا أنشد آخِراً أنسى -بطيب نغمته وإحسان إنشاده- كلَّ إحسان تَقدَّم به غيرُه من مُجيدي الشعراء..، فتكون المجالس له أبدا”!!

 

أداة دعائية

لأن المجالس الأدبية ليست شأنا مجتمعيا فقط، ولم تقتصر على كونها آلية لنشر المحتوى الثقافي؛ فقد تلقّفت حكومات الدول الإسلامية المتعاقبة باهتمام كبير فكرة عقد هذه المجالس فاستغلتها -في سياق صراعاتها السياسية- لصناعة المحتوى الدعائي المؤازِر لأنظمتها، ويبدو أن الدخول السلطوي إلى هذا المجال كان يتم أحيانا عن طريق مظلة علم النقد الأدبي الذي تأسس في ظلال هذه المجالس رسمية ومجتمعية.

فهذا أبو هلال العسكري (ت 395هـ/1005م) يروي -في ‘ديوان المعالي‘- ما قاله الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت 86هـ/705م) يوما في شبه ورشة توجيهية للشعراء: “تشبِّهوننا مرة بالأسد، ومرة بالجبل الوَعْر، ومرة بالبحر الأُجَاج (= شديد الملوحة)؛ ألا قلتم كما قال أيمنُ بن خُرَيْم (الأسدي ت نحو 80هـ/700م):
نهارُكمُ مُكـــابدة وصــــومٌ ** وليلُــكمُ صـلاةٌ واقْـتراء
وهم أرض لأرجلكم وأنتم ** لأرؤسهم وأعينهم سواء

وفي خضم محاولات السلطة توظيف المجالس الأدبية لصالحها؛ ألقت منغصّاتُ السياسة بظلالها على مسيرة هذه الصالونات فحدَّت من تداول بعض النصوص ذات الصبغة السياسية داخلها، على نحو ما يُظهره تعليق للمَرْزُبَاني -في ‘معجم الشعراء‘- على قصيدة للشاعر عوف بن عبد الله بن الأحمر الأزدي (ت 64هـ/686م) يرثي فيها ثوارا قُتلوا في معارك مع الأمويين؛ فقال: “وكانت هذه المرثية تُخَبَّأ أيامَ بني أمية وإنما خرجت بعد” ذهاب دولتهم! كما يروي لنا الأصفهاني -في الأغاني- أن الشاعر الكميت (ت 126هــ/743م) “كان أولُ ما قالـ[ـه] الهاشمياتِ فسترَها” خوفا من بني أمية!

وقد تضمنت المجالس الرسمية لبني أمية مشاركات شعرية سياسية ما دام يمكن توظيفها أداةً في الصراع السياسي والدعاية السلطوية، ومن ذلك ما أورده ابنُ سلّام الجُمَحِي -في ‘طبقات فحول الشعراء‘- من قول عُبيد الله بن قيس الرُّقَيّات (ت نحو 75هـ/694م):
ما نَقَموا من بني أمية إلا ** أنهم يَحْلُمون إن غضِبوا
وأنهمْ معْـــدنُ الملوك فلا ** تصلح إلا عليهم العربُ

وعلى غرار سلوك الأمويين؛ سار العباسيون في التوظيف السياسي لتلك المجالس كما في قول الشاعر منصور النمري (ت 190هـ/805م) مانحا بني العباس أهلية الشرعية السياسية دون غيرهم ممن سبقوهم؛ فيقول كما في ‘الشعر والشعراء‘ لابن قتيبة (ت 279هـ/892م):
إن الخلافة كانت إرْثَ والدِكم ** من دون تَيْمٍ وعفوُ الله متَّسِعُ
لولا عدي وتيم لم تكن وصلت ** إلى أمية تَمْرِيها وتَرْتــضِعُ

هذا الحضور القوي للمجالس الأدبية -في ظل استخداماتها السياسية وأهمية أدوارها الثقافية- كان دافعا طبيعيا للبحث عن الاستمتاع بالموقف الأدبي، والاعتماد -في الوقت نفسه- على تطبيق بعض الأساليب المحفِّزة للإبداع الأدبي، وهما أمران يتعاضدان لإبرز لون من المجالس الأدبية قائم على الارتجال اختبارا لقدرات الشعراء.

وفي ذلك يروي “الخليفة” العباسي الشاعر عبد الله بن المعتز (ت 296هـ/909م) -في كتابه ‘طبقات الشعراء‘- أن هارون الرشيد (ت 193هـ/808م) قال مرة للشاعر أبي الغول النَّهْشَلي (ت 190هـ/806م): “إن في أنفسنا من شعرك شيئاً! فلو كشفتَه بشيء تقوله على البديهة؟ فالتفت فإذا الأمين (ابن الرشيد ت 198هـ/814م) قائم عن يمينه والمأمون (ابن الرشيد ت 218هـ/833م) عن يساره؛ فأنشأ يقول:
بنَــيتَ لعـــبد الله بعد محمد ** ذُرَى قُبّة الإسلام فاخضرَّ عودُها
هما طُنُباها بارك الله فيهما ** وأنت أميرُ المـؤمنـــــين عمودُها”!

ومن الأبعاد التي حافظت على الاحتفاء بالمجالس الثقافية والأدبية اللجوءُ إليها استمتاعا بمضامينها وتذوُّقاً لإبداعاتها، وهو ما ساهم في تكريس صور التفاعل الأدبي التي تُعَدّ وجهاً لعُملة وَجْهها الآخر مظاهرُ الإلقاء والمشاركة عند الشعراء والأدباء؛ فقد جاء -في ‘الأغاني‘ للأصفهاني- أن الشاعر العباسي البارز “العباس بن الأحنف (الحنفي ت 192هـ/814م) لما أنشِد قصيدة ابن الدُّمَيْنة (الخَثْعمي ت 130هـ/747م):
ألا يا صَبَا نجْدٍ متى هِجْتَ مِن نجد؟ ** فقد زادني مَسْراكَ وَجْداً على وجدي!
“ترنـّح ساعَةً تَرَنُّحَ النَّشْوان (= السكران).. وقال: أنطحُ العمودَ مِن حُسْن هذا الشعر”!!

 

انتشار لافت

امتدت المجالس الأدبية من قصور السلاطين وبيوت المثقفين في المجتمع حتى وصلت إلى الحوانيت والدكاكين في العهد العباسي، لترسم بذلك لوحة انتشارها المجتمعية والمكتملة الأركان والألوان؛ فالأمير ابن المعتز يروي -في كتابه ‘طبقات الشعراء‘- قائلا: “حدثني نصر بن محمد (الخزري ت قبل 300هـ/912م) قال: أخبرني ابن أبي شقيقة الورّاق قال: كان يجتمع الشعراء في دكان أبيه ببغداد”، ثم روى بعض قصص الشاعر أبي العتاهية (ت 211هـ/826م) في مجالس هذا الدكان.

ويتطرق ياقوت الحموي -في ‘معجم الأدباء‘ نقلا عن الشاعر أبي بكر الصنوبري (ت 334هـ/945م)- إلى خبر صالون أدبي كان ينعقد في إحدى المكتبات التجارية لكُتبي أديب اسمه سعيد الورّاق (ت قبل 321هـ/933م)؛ فيقول الصنوبري: “كان بالرُّها (= مدينة ‘أورفا‘ التركية اليوم) ورّاقٌ يقال له ‘سعيد‘ وكان في دكانه مجلسُ كلِّ أديب، وكان حسن الأدب والفهم يعمل شعرا رقيقا، وما كنا نفارق دكانه.. [نحن] وغيرُنا من شعراء الشام وديار مصر”!

وخلال مداولات الشعراء ومطارحاتهم في تلك الأندية المتعددة كان يتم اكتشاف أسماء جديدة وأدباء تظهر قدراتهم، بل إن المساجد والجوامع كثيرا ما كانت منابرَ لإبراز الصاعدين من أصحاب المواهب الشعرية والتعرف على النَّبَغَة الجُدُد من الشعراء. ولعل أبرز نماذج ذلك حادثة اكتشاف الشاعر العظيم أبي تمّام الطائي (ت 231هـ/845م) الذي أعلنت شاعريته في يوم جمعة بجامع بغداد؛ كما يحدثنا مؤرخها الإمام الخطيب البغدادي واصفا السياق الذي تم فيه هذا الاكتشاف الشعري التاريخي، وأنه تم في “قبّة الشعراء” داخل الجامع.

يقول الخطيب -في ‘تاريخ بغداد‘- ناقلا بإسناده عن الشاعر علي بن الجَهْم (ت 249هـ/863م): “كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القُبَّة المعروفة بهم من جامع المدينة (= بغداد)، فيتناشدون الشعر ويعرض كل واحد منهم على أصحابه ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة الَّتِي قبلها؛ فبينا أنا فِي جمعة من تلك الجُمَع.. -والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضا- أبصرتُ شابا في أخْرَيات الناس جالسا في زِيّ الأعراب وَهيئتهم، فلما قطعنا الإنشاد قَالَ لنا: قد سمعتُ إنشادَكم منذ اليوم، فاسمعوا إنشادي! قلنا: هاتِ”!

ويضيف الراوية ابن الجهم أن أبا تمام أنشدهم قصائد له “حتى انتهى إلى آخرها، فقلنا له: لمن هذا الشعر؟ فقال: لمن أنْشَدَكُمُوه، قلنا: ومَنْ تكون؟ قال: أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي…؛ فعرفناه حتى صار معنا في موضعنا.. وجعلناه كأحدنا، واشتدّ إعجابنا به لدماثته وظَرْفه.. وجودة شعره، وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه، ثُمَّ ترقَّتْ حالُه حتى كان من أمره ما كان”!!

ويبدو أن احتضان جامع بغداد لمنتديات شعرائها الكبار تواصل إلى عصر الخطيب البغدادي نفسه في القرن الخامس الهجري/الـ11 الميلادي؛ إذ نجده يورد بعض ذكرياته عن الشاعر مِهْيار الدَّيْلَمي (ت 428هـ/1038م) فيقول: “كان شاعرا جزْل القول، مقدما على أهل وقته..، وكنتُ أراه يحضر جامع المنصور [ببغداد] في أيام الجُمُعَات ويُقرأ عليه ديوان شعره، فلم يُقَدَّر لي أن أسمع منه شيئا”. وهو ما يكشف مدى انكباب المجتمع آنذاك على الشخصيات الأدبية -مهما كان موقف الفقهاء منها- استمتاعا بمجالسها وطلبا للإفادة ثقافيا وأدبيا.

وتتوسع ظاهرة استضافة المساجد والجوامع -في تلك العصور- للفضاءات الشعرية إنشادا وتدوينا إلى مصر؛ فحين زارها شيخ المفسرين وإمام المؤرخين أبو جعفر الطبري للمرة الثانية سنة 256هـ/870م وجد أهلها لا يعرفون شِعر الطِّرِمَّاح بن حكيم الطائي (ت 150هـ/768م) رغم ذيوع روايته، فطلبوا منه أن يسمعوه منه فجلس “يمليه [عليهم] عند بيت المال في الجامع (= جامع عمرو بن العاص بالفسطاط)”؛ طبقا لإفادة ياقوت الحموي في ‘معجم الأدباء‘.

 

تقدير وافر

في غالبية أمصار الإسلام وخلال معظم أعصاره؛ قام كثير من مجالس الأدب البلاطي على الاحتفاء الواسع بالمشاركين فكانت ملتقى جامعا لهم؛ مثل مجلس الوزير البويهي الصاحب ابن عباد (ت 385هـ/995م) بمدينة الرّي (طهران اليوم) الذي يصفه الإمام السمعاني (ت 562 هـ/1167م) -في كتابه ‘الأنساب‘- بأنه “كان غاصًّا بالفضلاء والشعراء من أقطار الأرض”، ولذلك جزَم الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه “كان أفضلَ وزراء الدولة الدَّيْلَمِيَّة (= البويهية) وأغزرَهم علما، وأوسعهم أدبا، وأوفرهم محاسن”!

وقد أوْلتْ بلاطاتُ السلاطين تقديرا خاصا -في مجالس الأدب- لذوي الإسهام الأدبي البارز، فكان عاملا فاعلا في إكساب إنتاجهم خصوصيات تظهر في جوانب متعددة من إبداعاتهم؛ فنحن نجد مثلا أن الشاعر أبا الطيب المتنبي (ت 354هـ/965م) استُـثني من بعض الضوابط الخاصة بالإلقاء الشعري في هذه البلاطات، ففي ‘خزانة الأدب‘ لعبد القادر البغدادي (ت 1093هـ/1682م) أن المتنبي لما جاء إلى سيف الدولة الحمداني (ت 356هـ/967م) “اشْترط أَنه لَا ينشد إِلَّا قَاعِدا”، وقد كان القيام للإنشاد هو العُرف الرسمي (البروتوكول) للشعراء.

وفي أواخر القرن الرابع الهجري هذا؛ نجد ضمن جهاز الدولة الأموية بالأندلس -بنسختها العامرية- إدارةً لشؤون الثقافة والأدب، هي أقرب ما تكون إلى نقابة رسمية للشعراء تسجل أسماء البارعين منهم بعد أن تختبر كفاءتهم، فتعتني بهم وتكرمهم على حسب مستوى إبداع كل منهم.

وهو ما يحدثنا عنه الإمام ابن أبي نصْر الحُمَيدي الأندلسي (ت 488هـ/1095م) فيقول إنه في عهد الوزير الأموي القوي المنصور ابن أبي عامر (ت 392هـ/1003م) “كان للشعراء.. “ديوان” (= إدارة) يرزقون منه على مراتبهم، ولا يُخِلُّون بالخدمة بالشعر في مظانِّها”. وذكر أن ممن تولوا هذه الإدارة الكاتب “عبد الله بن محمد بن مسلمة (ت 437هـ/1046م)..؛ ففي ديوانه كان “زمام الشعراء” في تلك الدولة، وعلى يديه كانت تخرج صِلاتُهم (= جوائزهم) ورسومهم، وعلى ترتيبه كانت تجري أمورهم”.

ويعطينا الحُمَيدي مثالا تطبيقيا لعمل هذه الإدارة أو النقابة؛ فيقول إن الشاعر أحمد بن دَرَّاج القَسْطَلِي (ت 421هـ/1031م) اتهمه -في بداية مشواره الشعري- بعضُهم بأنه “منتحِلٌ سارق [لشعره] لا يَستحق أن يُثْبَتْ في ديوان العطاء؛ فاستحضره المنصور عشيـ[ـة] يوم الخميس لثلاث خلوْن من شوال سنة اثنتين وثمانين وثلاثمئة (382هـ/992م) واختبره واقترح عليه (= طالبه بالارتجال)، فبرز وسبق وزالت التهمة عنه، فوصله بمئة دينار وأجرى عليه الرزق (= الراتب)، وأثبته في جملة الشعراء”!!

تقاليد ومواعيد

وفي إطار هذه الأجواء الاحتفائية بملتقيات الأدب؛ ظلّت طبيعة مجالسه تكشف عن العديد من ملامحها وخصوصياتها، وذلك على نحو ما نطالعه في كتاب المَقّري التلمساني -في ‘نفح الطيب‘- من حديث الشاعر الأندلسي أبي بكر ابن اللبَّانة الداني (ت 507هـ/1113م) عن أمير ألْمرية المعتصم بن صُمادح (ت 484هـ/1091م) ونمط تعامله مع مجالس الأدب.

فقد قال عنه المَقّري ناقلا كلام أحد ندماء الأمير: “ولقد ذكرتُه لأحدِ مَنْ صحبتهـ[ـم] من الأدباء..، فتشوّق إلى الاجتماع به ورَغِبَ إليّ في أن أستأذنه في ذلك، فلما أعلَمتُ عزَّ الدولة (= الأمير المعتصم) قال: يا أبا بكر! لتعلم أنّا اليوم في خمول وضيق لا يتّسع لنا معهما ولا يجْمُل بنا الاجتماع مع أحد، لا سيما مع ذي أدب ونباهة”!!

وهذا الحرص على الوقت الملائم لمجالسة الأدباء والشعراء نجده أيضا عند الأمير الأندلسي الشاعر المعتمد بن عباد (ت 488هـ/1095م)؛ فالمقري يخبرنا بأن الشعراء في عهد المعتمد “كان لهم.. يوم مخصوص لا يدخل فيه على الملك غيرهم، وربما كان يوم الاثنين” من كل أسبوع.

كما كانت مجالس الأسمار الثقافية والأدبية معطى أساسيا في برامج عدد من سلاطين الدولة الأيوبية، حيث تحدث النويري (ت 733هـ/1333م) -في ‘نهاية الأرب‘- عن سلطان مصر الكامل ابن العادل الأيوبي (ت 635هـ/1238م)، فذكر أنه “كان يجلس في مجلس خاص في كل ليلة جمعة، يجتمع فيه الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم”.

ويسلط المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في ‘اتِّعاظ الحُنفاء‘- الضوءَ على اهتمام الوزير الفاطمي بمصر طلائع بن رُزَّيْك (ت 556هـ/1161م) بالأدب وكان قائدا مهيبا وشاعرا بارعا؛ فقال إنه “جعل له مجلسا يحضره أهل الأدب في الليل ويطارحهم فيه الشعر”.

وغير بعيد عن عهد ابن رُزَّيْك؛ عُرف السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ/1193م) بمجالسه الأدبية بمصر والشام رغم ما كان عليه من حالة حرب وجهاد دائم للصليبيين؛ فالذهبي يحدثنا -في ‘السِّيَر‘- عن شغف صلاح الدين بحفظ الأدب وإنشاد الشعر، حتى إنه “كان يحفظ ‘الحماسة‘ (= كتاب شِعْر) ويَظُنُّ أن كل فقيه يحفظها”، بل كان يكافئ بالجوائز كل من حفظها وأنشد منها في مجلسه!!

 

إسهام أصيل

انطوت المجالس الأدبية على معطى آخر لم تقطع مسيرتُها شوطا كبيرا حتى ظهر بأتم الوضوح، ألا وهو الدور البارز للمشاركات الشعرية النسائية التي أثْـرت المحتوى الأدبي والثقافي؛ فحين نستعرض بواكير نماذج الإسهام النسائي في المنتديات الأدبية نجد أنه تم على مستوى عيناته المختلفة، حتى إنه فيما بقي -أولَ مجيء الإسلام- من “أسواق العرب” لم يبق التنافس الشعري حكرا على الشعراء الرجال.

فبهاءُ الدين البغدادي (ت 562هـ/1167م) يروي -في ‘التذكرة الحمدونية‘- أنه لما أصيبت هند بنت عتبة (ت 14هـ/636م) بما أصيبت [به من قتل أبيها وأخيها وعمّها في معركة بدر سنة 2هـ/624م] وبلغها ما تصنع الخنساء بنت عمْرو (ت نحو 24هـ/646م) [من بكاء ورثاء لأخيها صخر] قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة! فأمرت بهودجها فسُوِّم (= مُيِّزَ) براية، وشهدت الموسم بعكاظ.. فقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء! ففعلوا، فلما دنت منها قالت لها الخنساء: مَنْ أنتِ يا أُخَيّة؟ قالت: أنا هند بنت عتبة بن ربيعة، وأنا أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك”! ثم كان السجال الشعري بينهما على مرأى من جمهور عكاظ!!

وقد أخذت أسس هذا الإسهام الأدبي النسوي تترسّخ باطراد منذ مجالس التلقي التي روى فيها جمع من الصحابة والتابعين عن أم المؤمنين عائشة (ت 58هـ/679م) رضي الله عنها، وكان مما تلقوه منها قسط وافر من محفوظاتها الشعرية؛ فقد روى ابن القيم (ت 751هـ/1350م) -في ‘زاد المعاد‘- أن الإمام أبا الزِّناد المدني (ت 130هـ/749م) قال: “ما رأيتُ أروى للشعر من عروة (بن الزبير المتوفى 94هـ/714م)؛ فقيل له (= عروة): ما أرْواك [للشعر] يا أبا عبد الله! فقال: ما روايتي في رواية عائشة [وكانت خالته]؟! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدتْ فيه شعراً”!!

بل إنها كانت حكَماً شعريا يفزعون إليها للفصل بينهم في منافساتهم الشعرية؛ ومن ذلك ما ذكر الإمام أبو جعفر الطبري (ت 310هـ/922م) -في ‘تهذيب الآثار‘- من أن عروة بن الزبير ومروان بن الحكم (ت 65هـ/685م) خاضا محاورة شعرية في بيت عائشة وهي تسمعهما من وراء حجاب، وفي نهاية المحاورة قضت بإنصاف لصالح مروان على ابن أختها عروة الذي خاطبته قائلة: “إن لمروان في الشعر إرثاً ليس لكَ”!!

وخلافا للنشاط الأدبي الرجالي الذي فضّل الأسواق وأجواء المنتديات العامة قنواتِ للتداول والتفاعل؛ فإن ظاهرة المشاركة النسائية في المجالس الأدبية انطبعت غالبا ببصمة الخصوصية، ففضَلّت الشواعرُ والأديباتُ البيوتَ ليؤسِّسن فيها أقدم الصالونات الثقافية النسوية.

وهو ما يمثله مجلس السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما (ت 117هـ/736م) التي قال عنها الذهبي في ‘سير أعلام النبلاء‘: “بنت الحسين الشهيد، روت عن أبيها، وكانت بديعة الجمال… شَهْمَة مَهِيبة..، ولها نظم (= شِعْر) جيد. قال بعضهم: أتيتُها فإذا ببابها جرير والفرزدق وجميل (بن مَعْمَر ت 82هـ/702م) وكُثَيِّر (بن عبد الرحمن ت 107هـ/726م)، فأمرتْ لكل واحد بألف درهم (= اليوم 1000 دولار أميركي تقريبا)”!! ويخبرنا الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ/1201م) -في كتابه ‘المنتظم‘- أن سكينة كانت إذا ارتاد مجلسَها الشعراءُ “أذِنتْ لهم فدخلوا عليها، فقعدت حيث تراهم -ولا يرونها- وتسمع كلامهم”.

مغالبة شعرية

ولم تكن مثل هذه الأنشطة الثقافية النسوية الخاصة بالنظر في إنتاج الشعراء مرتبطة فقط بمجلس السيدة السكينة؛ فالمَرْزُبَاني يروي لنا -في ‘أشعار النساء‘- أنه “تحاكَم إلى ليلى (الأخيلية ت 80هـ/704م) شعراءُ.. [منهم]: النابغة الجَعْدي (ت نحو 50هـ/671م) وحُميد بن ثور الهلالي (ت نحو 30هـ/652م)”! وعلى الشاكلة ذاتها يورد الإمام ابن عساكر -في ‘تاريخ دمشق‘- أنه “كانت عَقيلة بنت عَقيل بن أبي طالب تجلس للناس، فبينا هي جالسة إذ قيل لها: العُذْري (= الشاعر جميل بن مَعْمَر) بالباب، فقالت: اِئْذَنُوا له”! ثم دخل بعد ذلك الشاعر الأحوص الأنصاري (ت 105هـ/723م)، وأنها استعرضت في مجلسها الأدبي جانبا من أشعارهما.

هذا فضلا عما اشتهر به الصالون الثقافي للأميرة والأديبة الأندلسية ذائعة الصيت ولّادة بنت المستكفي (ت 484هـ/1091م) التي ترجم لها الإمام ابن بَشْكُوَال (ت 578هـ/1182م) -في كتابه ‘الصِّلة‘- فقال واصفا مكانتها الثقافية وتفوقها على نوابغ أدباء عصرها: “أديبة شاعرة، جزلة القول مطبوعة الشِّعِر؛ وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء وتفوق البُرَعَاء”! وأورد ابن دحية الأندلسي (ت 633هـ/1236م) -في كتابه ‘المُطرِب‘- أنها “كان مجلسها بقرطبة منتدى أحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجِياد النظم والنثر”!

وضمن المعطيات المتعلقة بخصوصية المرأة وهي تقوم بأدوارها الثقافية؛ تبرز أحيانا التقاليد المؤطِّرة لحضورها في المنتديات العامة، ومن ذلك أنها كانت تشارك في بعض هذه اللقاءات الأدبية من وراء حجاب كما رأينا في حالة سكينة بنت الحسين. ويدلنا على استمرار هذا التقليد في العصور اللاحقة أن ابن فضل الله العمري (ت 749هـ/1349م) يذكر -في ‘مسالك الأبصار‘- إحدى أديبات القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي تدعى “جَيْدَاء”؛ فيقول إنه “حُكِي أنها كانت.. تُطارِح الشعراءَ، وكانت لا تزال تحضر مجلس سيف الدولة (الحمداني ت 356هـ/967م) وراءَ سِتْر يُسْبَل دونها”.

وقد كان للنساء الشواعر حضورهن في المنافسات الشعرية التي تُعقَد بمجالس الأمراء والوزراء وخاصة في مناسبات الأعياد؛ فالقاضي أبو علي التَّنُوخي (ت 384هـ/995م) يخبرنا -في ‘نشوار المحاضرة‘- قائلا: “حضرتُ [بـ]ـبغداد في مجلس الملك عضد الدولة (البويهي ت 372هـ/983م) في يوم عيد الفطر سنة سبع وستين وثلاثمئة (367هـ/978م) والشعراءُ ينشدونه التهاني، فحضرت [الشاعرة] عابدةُ الجُهَنية (ت بعد 367هـ/978م).. فأنشدت قصيدةً لم أظفر منها بشيء”!

وإذا كان التنوخي أضاع نص قصيدة شاعرة بغداد الجهنية؛ فإن الإمام المحدِّث الحُمَيدي الأندلسي أضاع اسم شاعرة أندلسية سماها “الغسانية” ووصفها بأنها “شاعرة تمدح الملوك مشهورة”، لكن الحُمَيدي حفظ لنا -في كتابه ‘جذوة المقتبِس‘- جزءا من قصيدتها التي مدحت بها أميرَ ألمرية خَيْران الصَّقْـلَبي العامري (ت 418هـ/1028م)، وذكر أنها “قصيدة طويلة.. تعارض بها [الشاعر] أبا عمر أحمد بن دَرَّاج [القَسْطَلِي] في قصيدته” التي مدح بها هذا الأمير.

كما نطالع عند الحُمَيدي هذا ذكرا لصالون ثقافي نسوي كان ضمن أنشطته تعليم النساء الأندلسياتِ الأدبَ؛ إذ يترجم لسيدةٍ إشبيلةٍ اسمها مريم بنت أبي يعقوب الفصولي (ت بعد 400هـ/1010م) فيصفها بأنها كانت “أديبة شاعرة جزلة مشهورة، كانت تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها”!!

 

إثراء معرفي

يُسجَّل لعلم الحديث النبوي أثره المهم على ظاهرة المجالس العلمية والأدبية برفده قوالبها وإثرائه مضامينها بآلياته في التلقي لشفاهي والتوثيق الإسنادي، ومن ذلك ما عُرف بـ”مجالس الإملاء“ التي كانت مكوِّنا عظيما في عناصر المشهد العلمي طوال قرون من تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث يتم هذا الإملاء بإلقاء الراوي للمحتوى المعرفي على السامعين ليدونوه كلمة كلمة.

وبينما يلفت الخطيب البغدادي -في ‘الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع‘- النظرَ إلى أسبقية المحدِّثين إلى عقد مجالس الإملاء قائلا إن “فِي الْمُتَقَدِّمِينَ [من المحدّثين] جَمَاعَة كَانُوا يَعْقِدُونَ الْمَجَالِسَ لِلْإِمْلَاءِ”؛ يمكن القول أيضا إن ظاهرة ”مجالس الإملاء“ الأدبية المتخصصة كانت إحدى نتائج اندثار منبر مِرْبَد البصرة الأدبي، بعد أن عصفت به حرائق “ثورة الزنج” الدامية 255-270هـ/869-883م إلى الحد الذي قال عنه ياقوت الحموي: “هو الآن خراب”!

فقبْل أن يلقى المربد ذلك المصير المحزن؛ كانت ملتقياته الأدبية قد جرَت عصارة إبداعها في أقنية الحياة الثقافية بالبصرة لتصب في نهر مجالس اللغويين وعلماء الأدب والنقد، على نحو ما يبرزه الأصفهاني -في ‘الأغاني‘- ناقلا عن “أحمد بن عُبيد الله بن عمار (الثقفي ت 314هـ/926م)، قال: كنا نختلف إلى أبي العباس المبرّد (ت 286هـ/999م) -ونحن أحداثٌ (= فتيان)- نكتب عن الرواة ما يروونه من الآداب والأخبار”.

ومهما كان الأمر؛ فإن أقدم تدوين وصلنا لمضامين الإملاء الأدبي -في مجالسه المتخصصة- يعود إلى مجالس ثعلب اللغوي التي كان يملي فيها دروس الأدب والنقد على مستمعيه. وفي ذلك يقول النديم (ت 384هـ/995م) في كتابه ‘الفهرست‘: “ولأبي العباس مجالسات أملاها على أصحابه في مجالسه تحتوي على قطعة من النحو واللغة والأخبار ومعاني القرآن والشعر، مما سمع وتكلم عليه، روى ذلك عنه جماعة” من طلابه.

والنسخة المطبوعة اليوم -بعنوان ‘مجالس ثعلب‘- جمعها تلميذه شيخ القراء أبو بكر ابن مقسم البغدادي (ت 354هـ/965م). هذا فضلا عن كتاب الأمالي الأدبية المسمَّى ‘مجالس العلماء‘ لأبي القاسم الزَّجّاجي البغدادي (ت 340هـ/952م) وقد كان “شيخ العربية” في بغداد ودمشق؛ كما يقول الذهبي في ‘السِّيَر‘.

ويظهر اتساع الرقعة الجغرافية لظاهرة مجالس الإملاء الأدبية من حقيقة أنها غطّت ما بين خراسان شرقا والأندلس غربا؛ فقد احتضنت قرطبة -طوال ربع قرن- مجالس الإملاء الأدبي التي عقدها أبو علي القالي البغدادي (ت 356هـ/967م) بعد أن استقطبه البلاط الأموي بالأندلس سنة 330هـ/942م، وكان أحد أساطين رواة آداب العرب (شعرا ونثرا ولغة ونقدا) بالعراق، فـ”تحوّل إلى الأندلس ونشر بها علمه” الذي ضمّه كتابُه العظيم ‘أمالي القالي‘؛ وفقا للذهبي في ‘السِّيَر‘.

وإضافة إلى “فنّ الأمالي” اللغوية والأدبية الذي كان إحدى ثمرات هذا الاهتمام الكبير بالمجالس الأدبية؛ فإن المكتبة العربية ازدانت -بفضل هذه الصالونات- بمدوّنات عظيمة في حقول أخرى من أفانين المعارف والأدب الاجتماعي القائم على أسلوب المسامرات والمحاورات، على شاكلة ما نجده في كتاب ‘الإمتاع والمؤانسة‘ لأبي حيان التوحيدي الذي ضمّنه حصيلة أربعين ليلة من مسامراته لأحد الوزراء البويهيين ببغداد.

ويندرج أيضا في القطوف اليانعة للصالونات الأدبية ما شهده الأدب العربي -في نهاية القرن الذي تلا عصر التوحيدي- من نقلة نوعية عززت مسار أحد فنونه التي لم تكن ترسخت بعدُ بما يكفي، ألا وهو “فنُّ المقامات”. ففي مجلس الوزير العباسي الحسن ابن صدقة (ت 522هـ/1128م) بعاصمة الخلافة بغداد؛ قُطع الشريط الرمزي لتدشين مشروع “مقامات الحريري” ذات الصيت الطائر في دنيا الأدب العربي!

وعن الصلة بين هذا الوزير وميلاد ‘مقامات الحريري‘؛ يحدثنا قاضي القضاة المؤرخ ابنُ خلّكان (ت 681هـ/1282م) -في ‘وفيات الأعيان‘- فيقول: “رأيتُ في بعض شهور سنة ست وخمسين وستمئة (= 1258م) بالقاهرة المحروسة نسخة (الـ)ـمقامات وجميعها بخط مصنفها الحريري (البصري ت 516هـ/1122م)، وقد كَتب بخطه أيضا على ظهرها: إنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي العز علي بن صدقة”. ثم يعلق مؤرخنا قائلا: “ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى [التي تقول إنه ألفها للوزير السلجوقي أنُوشروان بن خالد القاشاني (ت 538هـ/ 1143م)]، لكونه بخط المصنف”!!

————

المصدر: الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى