الأمة الثقافية

قرأتُ لك: “المسلمون بين فقه التحرير وفقه التعمير”

الشيخ محمد الحسن ولد الددو

أولا: التمييز في الحكم بين سياقين

فالجماعات الإسلامية تنجح في امتحان المعارضة، وفي واجبها الدعوي تجاه المجتمع وأسلمة المجتمع بالطرق السلمية، بالطرق الدعوية الإقناعية، كما تنجح بإسقاط الاستبداد أو بتحرير البلاد من الاستعمار، لكن كثيرا ما تفشل بامتحان الدولة، بإدارة الدولة، بإدارة المجتمع، وإن نجحت يكون نجاحا مؤقتا، وكثيرا ما تتعثر ولا تستطيع الاستمرار.

 ما هو السبب برأيكم شيخنا وما هو هدي الإسلام في هذه القضية؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد، فلا بد أولا من التفريق بين الإسلام دينا منزلا من عند الله سبحانه وتعالى مقدسا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، معصوما من التحريف والتبديل والتغيير، نزله الذي علم السر وأخفى، وعلم ما يصلح للناس في كل زمان ومكان، وهو مطلع على ذلك لا يتجدد له علم ولا تعروه غفلة ولا نسيان. وبين اجتهادات الرجال وتصرفات الجماعات الأفذاذ، هذه غير معصومة، تكون صوابا في بعض الأحيان وخطأ في بعض الأحيان، وأيضا ليس معيار الصوابية فيها دنيويا متمحضا، مبنيا فقط على مجرد معايير مادية أو على أمور ملموسة، وإنما النجاح في أعمال المؤمن المكلف هو بموافقتها لمقتضى الشرع ونجاحه في أداء الخطاب الذي وجهه إليه بارئه وخالقه سبحانه و تعالى، فإذا نجح في ذلك فلا يهمه ما ترتب على ذلك. ولهذ فإن الأسباب و بذلها من الشرع ونحن مكلفون بذلك، والنتائج والنجاح من القدر ونحن غير مكلفون بالقدر، نحن مكلفون بالشرع لا بالقدر.

ولذلك يجب علينا أن نبذل جهودنا في الأسباب وبعد ذلك ننتظر من الله سبحانه و تعالى الوصول إلى النتائج فهو يقدر منها ما يشاء كالزارع الذي يحرث الأرض لكنه لا يستطيع إخراج البذر بعد أن أدخله في بطن الأرض وهو ينتظر أن يخرجه الله سبحانه و تعالى وينبته “أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون، نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون و لقد علمتم النشأة الأولى أفلا تذكرون، أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون” فهذا أمر الله سبحانه وتعالى، ولذلك فالجماعات الإسلامية مخاطبة شرعا بإقامة دين الله والسعي لإعلاء كلمة الله والسعي لإظهار الحق وإزهاق الباطل، والسعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي للاستخلاف في الأرض والقيام بمصالح الناس فيها.

وإذا وصلت إلى الحكم ترتب عليها خطاب جديد وهو تكاليف الحاكم وهي كبيرة لأنه مسؤول عن الرعية كلها، مسؤول عن سعادتها في الدنيا وعن سعادتها في الأخرى و عن حماية البيضة وعن رعايتها وعن تطبيق الحدود وعن عمارة الأرض وعن تأمين الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعن مصالحهم وحياتهم الكريمة من تعليم وصحة وعيش كريم.

مسؤول كذلك عن توفير حاجيات الناس وتعبيد طرقهم و بناء مرافقهم وغير ذلك من واجبات الدولة، وكلها تكون حملا على أعناق من يمتحنهم الله بأن يوليهم هذا الأمر من المسلمين.

يجب على المكلف إذن أن يؤدي الحقين قبل أن يبتليه الله بأمانة الحكم، فيجب عليه أمانة الاستخلاف في الأرض وعمارتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والجهاد وغير ذلك، وبعد أن يبتلى بالحكم فيجب عليه رعاية مصالح الناس وأن يكون أبا للجميع وراعيا للجميع ومسؤولا عن مصالح الجميع، يؤديها على أحسن الوجوه بكل أمانة وصدق، ولا ينتظر من الناس في مقابل ذلك جزاء ولا شكورا ولا ذكرا بين الناس وإنما يعامل الله سبحانه وتعالى في ذلك.

وما ذكرتم من بعض التجارب التي فشلت، لا أرى أنها كثيرة كما هو في العنوان، فالحركات أو الجماعات التي صلت إلى الحكم لا يمكن أن توصف بالكثرة من الجماعات الإسلامية وبالأخص في التاريخ الحديث. لا يمكن أن توصف بالكثرة وإنما قد وصل بعض الأفراد المنتسبين إلى العمل الإسلامي في بعض البلدان إلى الحكم كليا أوجزئيا، وهذه تجارب بشرية لا تعدو ذلك، قد ينجح الإنسان في بعض الطريق ثم تعرض له نكبة أو أمر في أثناء الطريق يصده أو يصرفه.

وذلك أن الإنسان مخاطب في بناء نفسه بأن يتعلم العلم أولا ثم أن يعمل بما تعلم، ثم أن يدعو إلى ما تعلم وعمل به، ثم أن يصبر على طريق الحق حتى يلقى الله، ولكنه كثيرا ما ينجح في طلب العلم ويفشل في الأداء العملي والواجبات عليه، وفي بعض الأحيان ينجح في العمل ولكنه يرسب في الدعوة ولا ينجح فيها، وفي بعض الأحيان ينجح في العلم والعمل والدعوة ولكنه يرسب في الصبر على الناس والصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى، وكل ذلك بأقدار الله و توفيقه. ولهذا فإن كثيرا من الناس يقومون الدين و ينظرون إليه بتصرفات الأفراد وهذا خطأ لا شك.

الدين لا يمكن أن يمثله أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يمثل الدين لأنه قرآن يمشي على وجه الأرض، وهو معصوم عصمه الله سبحانه وتعالى و جعله أسوة حسنة للمؤمنين جميعا، وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أما من سواه فهم غير معصومين، يخطئون ويصيبون، واجتهاداتهم لا يمكن أن تحسب على الدين وإنما هي اجتهادات محسوبة للأفراد، إذا نجحوا فيها فهي لهم وإذا رسبوا فيها فهي عليهم.

وهكذا في تاريخ الأمة نجحت بعض الحركات التي قامت فأدت أدوارا نافعة وأحدثت نقلة نوعية ورسبت أخرى.

فمثلا من الحركات التي نجحت في الدعوة ونجحت في إقامة الدولة وفي الجهاد حركة المرابطين في بداية القرن السادس الهجري، واستمرت هذه الحركة مدة قرن من الزمان، ونجحت في إقامة الدولة ورعاية المواطنين والجهاد، وأقامت مشاريع كبيرة، وبعدها جاءت حركات أخرى مثل حركة المرينين أو حركة المهدي بالسودان أو حركة السنوسي في ليبيا أو غيرها، حتى جاءت الحركات المعاصرة، ومنها حركات أصلا هدفها غير بعيد فهي حركات تخطط فقط للجهاد ضد المستعمر، و لكن ليس لديها مشروع بعد خروج المستعمر، ماذا تعمل، وليس في أجندتها أصلا إقامة الدولة.

ولاشك أن هذا قصور و أنه يجب أن تكون هذه الجماعات عندما تتحمل المسؤولية قادرة وأن يكون لديها برنامج كامل ورؤية ثاقبة مبنية على أسس سليمة وعلى تفكير قويم، وحينئذ لا شك أن النجاح سيكون حليف من أخذ بهذه الأسباب و أخلص لله سبحانه و تعالى.

ثانيا: معايير تقويم العمل بين ميزانين

فالجماعات العاملة في حقلي الدعوة والتدبير مجتهدة تؤجر على اجتهادها، فإن أصابت فلها أجران وإن أخطأت فلها أجر واحد، و تقويم أعمالها لا ينبغي أن يخضع لمعايير دنيوية فقط بل ينبغي أن يكون تقييما وتقويما شاملا، لأن هذا المعيار الدنيوي هو الميزان العالمي لكن ليس هو الميزان الإسلامي فقط، الميزان الإسلامي أهم شيء فيه أن يكون الإنسان أدى ما عليه و قد اجتهد وأدى ما عليه وقدم جهده لإعلاء كلمة الله و إرضاء الله وجعل رضا الله نصب عينيه ولم يتخلف عن ذلك فهذا الناجح، ولو لم يترتب عن ذلك نتائج. الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل سبعين من أصحابه يسمون بالقراء وهم من خيرة أصحابه إلى نجد يدعون الناس إلى الإسلام ويعلمونهم الأحكام و لكنهم قتلوا جميعا في بئر معونة.

لا يقال إن هذه الغزوة كانت فاشلة و لو قالوا أن هؤلاء اجتهدوا فأخطؤوا لأنهم بذلوا جهدهم واجتهدوا، أرضوا الله سبحانه وتعالى فرضي عنهم وأرضاهم، وكذلك الأمر وقع مع الأنبياء قبله، فإن نوحا عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وبذل كل الجهود، إنه قال:

إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا، مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا

وبذل هذا الجهد و مع ذلك قال الله: “وما آمن معه إلا قليل”. لا يمكن أن يقال إن نوحا فشل في دعوته، لأنه فعلا لم يترك أي سبب يؤدي إلى النجاح إلا عمله. ولذلك بعض الناس يتعجل وتكون المعلومات ناقصة لديه فيحكم أن الجماعة الإسلامية فشلت في مشروعها وأنها لم تقم بواجبها وأنها قصرت لأنه غير مطلع على ظروفها وواقعها وما بيدها، لأنه قد يخفى عليه الكثير من الأمور التي هي معطيات لهذا الحكم وأساسيات له، يحكم بفشل قوم نجحوا عند الله سبحانه وتعالى و تقبلهم وتقبل جهدهم وجهادهم، وكانوا عند الله بأعلى الدرجات لأنهم بذلوا لله ما يستطيعون وتقبل الله منهم، فالله سبحانه وتعالى يعامل عباده باللطف وبالشكر فهو الحميد الشكور سبحانه وتعالى. ومن عامل الله سبحانه وتعالى بهذه المعاملة وأخلص لله سبحانه وتعالى، وبذل الأسباب ولم يقصر فهو ناجح سواء أوصل إلى مبتغاه أو لم يصل.

ثالثا: تدبير الدولة بين زمنين

إدارة الدول تختلف فلكل زمان واجبات و للمواطنين حاجيات بحسب المستويات، وهذا يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ولهذا حصل في زمان الخلفاء الراشدين من الضرورات ما لم يكن في العهد النبوي واجتهد الصحابة الكرام، ووصلوا باجتهادهم إلى أمور في سياسة الدولة لم تكن في العهد النبوي، فأصلا نصب الخليفة هذا أمر كله غير مغطى بالنصوص وإنما هو مجرد اجتهاد بشري أقدم عليه الصحابة الكرام، وكذلك الديوان وجعلوا الدواوين مكان العاقلة، هذا كان اجتهادا من عمر بن الخطاب وكذلك تمصير الأمصار، فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يبني أي مدينة جديدة ولم يبني أي مصر والدولة الإسلامية اضطرت إلى ذلك فبنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه البصرة والكوفة ومصر الأمصار. وهكذا في عهد الخلفاء الراشدين حيث حدث كثير من الأشياء لم تكن موجودة كبيت المال لم يكن موجودا في العهد النبوي وإنما بدأت بدايات وجود في أيام أبي بكر وكذلك جمع القرآن في أيام أبي بكر و كتابة المصحف وتوزيعه ونشره في أيام عثمان وكذلك ما يتعلق بالفتن الداخلية والقضاء عليها كما كان في أيام علي رضي الله عنه، لم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

من حِكم الله فيما حصل في خلافة علي رضي الله عنه من الحروب الداخلية أن نعرف أحكام هذه الحروب لأن الله علم أن المسلمين سيقتتلون فيما بينهم ولو لم يقع ذلك في أيام الصحابة وأهل الاجتهاد لما عرفنا هذه الأحكام”.

وهذه الأحكام عرّفها علي رضي الله عنه وأعلن عنها فقد نادى مناديه: “ألا يُتبع منهزم وألا يجهز على جريح وألا تسبى سبية وألا تغنم غنيمة”.

وقال للخوارج:

إن لكم علينا ثلاثا ألا نبدأكم بقتال ما لم تقاتلونا وألا نمنعكم من مساجد الله ما صليتم إلى قبلتنا وألا نمنعكم نصيبكم من الفئء مادامت أيديكم مع أيدينا

هذه أحكام لم نكن لنعرفها نحن وإنما عرفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه والصحابة الكرام معه فأصبحت أصلا يقاس عليه ما سواه، ولهذا ذكرت أن من واجبات الدولة قضية المستشفيات و الدراسة و التعليم وتعبيد الطرق وإقامة الجسور وبناء الجامعات والمستشفيات وغير ذلك، ببناء الأسواق مما لم يكن في العهد النبوي ولا في عهد الراشدين وإنما بدأ ذلك في أيام بني أمية وبني العباس وبني عثمان وقد قال الشاعر:

وأنشأت مدرسة ومارستانا “لتصحح الأديان و الأبدانا، “المارستان” المستشفى، “لتصحح الأديان والأبدان” كان هذا في أيامهم، ولكن ازدادت أيضا تكاليف الدولة الحديثة ببناء الجيوش وبناء الأمن وبناء المؤسسات وضمان الحريات العامة وكفالتها للناس وبناء المرجع الذي هو العقل الاجتماعي وهو الدستور الذي يحتاج إليه كل نظام يقوم اليوم ولو لم يكن ذلك متأتيا في أيام الدول السابقة فأصبح كل ذلك من ضرورات الدول المعاصرة.

رابعا: الجماعات الإسلامية بين فقهي التحرير والتعمير

بالنسبة للتحرير أن يسعى الإنسان لإزالة الطغيان سواء كان كفرا أو استبدادا بالتي هي أحسن وله فقه معين وهو فقه التزام المقدور عليه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، وبذل الجهد الذي يشترك فيه الشعب كله لأن المصلحة للجميع و لذلك لا يقصى أحد من ذلك. أما الأمر الثاني وهو بناء الدولة فلا بد لمن ولاه الله الأمر أو قدر على التولية ألا يحرص على التولية وإنما يكون ذا مشروع يريد الإصلاح به “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت

وهذا المشروع يكون لمصلحة الناس بصلاح دينهم و دنياهم وأخلاقهم وقيمهم وضمان العيش الكريم لهم وضمان حرياتهم وعدم التعرض لهم بما ليس بلازم شرعا وعمارة أرضهم على أحسن الوجوه، فإذا قصر الحاكم في ذلك فلم يبني أرضه على أحسن الوجوه ولم يبني وطنه ولم يجعل الناس يعيشون عيشا كريما تعليما وصحة وحضارة وماديات ومصانع وغير ذلك فهو لا شك آثم إثما غليظا وعقوبته أكبر من عقوبة غيره لأنه تولى هذه المسؤولية العامة ووضع يده على المال العام وعلى أملاك الناس وعلى مصالحهم، فيجب عليه أن يقدم فيها نفعا عاما على مستوى هذه الولاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • المصدر: موقع منار الإسلام. (تلخيص حلقة من برنامج “ليتفقهوا في الدين” الذي يبث على قناة قاف التفاعلية.. الشيخ العلامة الحسن ولد الددو الشنقيطي.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى