الأمة الثقافية

قرأتُ لك: اللصوص والمحتالون في العصور الوسطى

في كتابه الذي يقدم وجها غير مألوف للتاريخ الاجتماعي والمدني في النصف الأول من القرن السابع الهجري تناول الجوبري أصنافا مختلفة من المحتالين مثل مدعي النبوة والدجالين والوعاظ والرهبان والأحبار الكذابين والكيميائيين والعطارين والمنجمين والمشعوذين وأصحاب المهن المحتالين

يعرف الناس في العصر الحديث حيلا وخدعا عديدة يستخدمها المحتالون واللصوص والدجالون الذين يتظاهرون بعمل المعجزات، لكن في العصور التي تسمى غربيا العصور الوسطى كانت لدى عالم وكاتب عربي مخضرم خبرة كبيرة في كشف الاحتيال الذي يمارسه “الكيميائيون” وفضحها للعامة في كتاب ممتع وفريد من نوعه سماه “المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار”.

كتب عبد الرحيم الدمشقي الجوبري -الذي ينتسب إلى حي جوبر الدمشقي- كتابه بعد أن سافر إلى كثير من مدن وبلدان العالم الإسلامي في عصره، وتنقل بين الهند وسيواس وبلاد الروم (الأناضول) وقبرص وسامراء ودمشق والرها وحران وأنطاكيا ومصر وصعيدها وجدة وتونس والمغرب ليكشف عشرات أو مئات من طرق الخداع القديمة.

كشف الأسرار وهتك الأستار

في كتابه الذي يقدم وجها غير مألوف للتاريخ الاجتماعي والمدني في النصف الأول من القرن السابع الهجري تناول الجوبري أصنافا مختلفة من المحتالين، مثل مدعي النبوة والدجالين والوعاظ والرهبان والأحبار الكذابين والكيميائيين والعطارين والمنجمين والمشعوذين وأصحاب المهن المحتالين واللصوص والدجالين الذين يزعمون الاتصال بالجن والأرواح والمعالجين المزيفين، كاشفا وسائل الخداع المختلفة ومحذرا الناس من المدعين.

ويكشف الكتاب عن خدع الغشاشين والمحتالين في مدن العالم العربي والشرق الأوسط القديم، خاصة في سوريا ومصر، وتكشف براعته في كشف المخادعين عن خبرة استثنائية في علوم الكيمياء والتنجيم والطبيعة، إضافة إلى مهارة أدبية فريدة واطلاع واسع على مراجع وكتب سابقة تناولت الموضوع ذاته، أهمها كتاب الأديب والمؤرخ والشاعر وزير الدولة العامرية في الأندلس ابن شهيد “كشف الدك وإيضاح الشك”.

ويذكر الجوبري سبب تأليفه الكتاب بنفسه فيقول “حضرت مجلس مولانا السلطان المعظم الملك المسعود (تاسع ملوك الدولة الأيوبية في مصر وآخرهم) أعز الله أنصاره وضاعف اقتداره، فذكر كتاب ابن شهيد وما كشف فيه من ذكر أرباب الصنايع والعلوم، فأحضر الكتاب ثم طالعه، وتعجب من ذلك، وقال لي: ما تقول فيه؟ فقلت: ما قصر وما كان إلا فاضلا، وما عسى أن يقال في الفضلاء؟ فقال: اعمل لنا كتابا تحذو فيه حذوه وتسلك فيه طريقته، بل يكون أدق مسلكا وأصح معنى، فاستقلته من ذلك فلم يقلني، فلما لم أجد بدا من ذلك بدأت على اسم الله وعونه وعملت على هذا الكتاب المبارك وسميته كتاب “المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار”، وهو يشتمل على 30 فصلا، كل فصل منها يحتوي على عدة من الأبواب”.

علم الاحتيال

ويعتبر المحقق -في مقدمة الكتاب- أن الحيل في ذلك الزمن كانت تعد علما بكل ما في الكلمة من معنى، وقد عرف القدماء ذلك العلم بقولهم “علم يعرف به طريق الاحتيال في جلب المنافع وتحصيل الأموال والذي باشرها يتزيى في كل بلدة بزي يناسب تلك البلدة، ثم هم يحتالون في خداع العوام وبأمور تعجز العقول عن ضبطها”.

ومع حذره قام الجوبري بالتفريق بين الاحتيال للسلب والاحتيال للشحاذة، وميز بين حيل مقبولة مسلية ومدهشة يحصل القائمون بها على كسب يدخل في باب الأجرة أو العطاء الطوعي، وبين حيل محرمة لأنها تستبيح ما حرم الله من أموال الناس ودمائهم.

ووصف الجوبري كتابه قائلا “ليعلم من وقف على كتابي هذا أني لم أترك فنا من الفنون ولا علما من العلوم إلا وقد باشرته، وكشفت سره وسر من ذهب إليه”، ويتابع “فمن ذلك أني رافقت رجلا من أهل الحجار اسمه سليمان وكان يدعي المشيخة، وكان معه ثلاثة فقراء، فشرع ينومس عليهم شيئا من النواميس، وأنا قد انطعت له، وقد وقع له أني قد ربطني”.

ويقول محقق الكتاب منذر الحايك إن الملك المسعود لم يستلم الكتاب الذي ألفه الجوبري بناء على طلبه، لأن ملك المسعود قد زال ربما قبل انتهاء الكتاب، لكنه “أدرك أن الكتاب يخلد بقرائه بينما الملك زائل”، وكتب الجوبري عن ذلك “وهذا كلام لا يتوجه به لملك في ذلك الزمان”.

ويقول المحقق إن الجوبري -بمعارفه التي يلمسها قارئ كتابه- يقدم نموذجا لمثقفي الشعب، فهو ليس فقيها ولم يدع ذلك، ولم يتطرق للوعظ الديني ولم يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، لكنه يوقر الصالحين ويخرجهم من دائرة المدعين والمحتالين ويقر لهم بالكرامات.

وخصص الكتاب فصلا لكشف أسرار مدعي النبوة، وثانيا لمدعي المشيخة، وثالثا لأسرار الوعاظ والرهبان، وأصحاب الحرب والسلاح، وبني ساسان، والعطارين، وأصحاب الميم الذي يدعون الوصول إلى المطالب والكنوز، وكشف أسرار أهل السير، وهم المنجمون أرباب الطريق، وكشف أسرار أرباب أطباء الطرق، وأصحاب الحديد من الكحالين، والذين يصبغون الخيل والدواب، والذين يلعبون بالنار ثم يمنعون حريقها، والذين يعملون الطعام، والمشعوذين.

وخصص الجوبري فصولا لكشف أسرار أرباب الصنايع، واللصوص والهجامين، وأصحاب النقوب والعتل، وسمى الفصل الأخير “كشف أسرار مكر النساء وما لهن من المكر والحيل والخداع”.

ويقول الجوبري عن نفسه “ولتعلم أني قد مارست الأمور وعرفت حقائق الأشياء وبواطنها”.

تاريخ اجتماعي

يقول المحقق إن الجوبري أراد من كتابه منع شر المحتالين وكف أذاهم وتسلطهم على الناس، محذرا من الوقوع في حبائل الغش والشعوذة، فهو يبدأ الباب دائما بقوله “اعلم” وينهيه بـ”افهم”، ويستمر في تحذير الناس وتنبيههم لمكر وخبث المحتالين، ويقول مثلا “فانظر إلى هذا المكر والدهاء والخبث وكيف يأخذون أموال الناس ويتلفون مهجهم، فافهم وكن خبيرا بالأمور لا يدخل عليك شيء من ذلك”.

وتعددت وسائل الاحتيال التي يستخدمها المحتالون، لكن -بحسب الكتاب- فهناك أبواب رئيسية، منها “كشف الغيب”، و”الدك” أي إخفاء شيء في شيء أو دكه فيه ثم إظهاره كعمل خارق، مثل دك أحدهم برادة الذهب في تجويف فحمة ثم حرقها والادعاء بأنه توصل للإكسير وحول الفحم إلى ذهب، و”الشعوذة” أي إيهام الناس بالقيام بالخوارق عن طريق تسخير بعض قوانين الطبيعة أو الإيهام بأشياء غير حقيقية عن طريق الاستعانة بمؤثرات وأعوان، وغيرها من الأبواب التي فصلها في الكتاب.

وفي إحدى الحيل يتحدث الجوبري عن الاحتيال بواسطة سلحفاة يربط عليها المحتال شمعة صغيرة ويشعلها ويرسلها إلى داخل المنزل المراد مراقبته لتدور حوله بأكمله بينما يراقب الرجل ما يوجد في البيت ومحتوياته وأبوابه.

وصدرت ترجمة الكتاب للإنجليزية حديثا ضمن سلسلة “مكتبة الأدب العربي” التي تقدم مختارات مترجمة من العربية إلى أعمال أدبية كلاسيكية تضم قصائد شعرية ونثرا عربيا من عصور ما قبل الإسلام وحتى القرن الـ18 الميلادي ويشرف عليها المستعرب والأكاديمي الهولندي غيرت جان فان جيلدر.

وتقول مقدمة النسخة الإنجليزية الصادرة في نهاية 2020 إن الكتاب يفتح نافذة على ثقافات المتسولين والفنانين المحترفين والدجالين والمحتالين بطريقة منهجية ومفصلة وشاملة، ورغم غرابة الموضوع وغموض طبيعته فإنه يقدم إطلالة على التاريخ الاجتماعي وتاريخ العلم.

المصدر : الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى